تحاليلتونس

غرائب نشأة الحزب الجديد وتحييد الماطري

1343997147_borguiba

 

خالد المنّوبي- عميد وأستاذ متميّز

 

لقد أطنبنا في عشرات المقالات الصحفيّة باللّغتين في موضوع استخلاف فرنسا لبورقيبة منذ قبل نهاية 1932 وقد برز هذا الاستخلاف في مظهرين أوّلهما خدمة بورقيبة سياسيّا وهو أمر دام عشرات السنين منذ التاريخ المذكور وثانيهما رعاية مستمرّة ولكنّها قويّة وشاملة للدستور الجديد منذ تأسيسه سنة 1934 إلى أن تمّ جلاء الجيش الفرنسي عن تونس بعد الاستقلال.

فقد أشرنا بعد إلى حفظ قضيّة “صوت التونسي” بأمر من المقيم العام في جوان 1931 وإلى قرار هذا الأخير في 12 ماي 1933 بدفن المتجنّسين خارج المقابر الإسلاميّة وفق ما دعا إليه بورقيبة بِحَبْكٍ من المقيم حيث جاءت وفيّات متعدّدة في زمن قصير للمتجنّسين تعجّب منها محمود الماطري في مذكّراته المنشورة ولم يدر في خلده أنّ بعضها حصل بفعل فاعل بل وأنّ المتظاهرين المعارضين للدّفن سخّرتهم الإقامة العامّة من طرف خفيّ.

لكنّ الماطري لم يفته ما اعتبره موقفا استفزازيّا صادرا من عدد من أعضاء مؤتمر نهج التريبونار خصوصا وقد شهر بهذا الموقف الطاهر صفر في المؤتمر كما سجّل الماطري أنّ دور أمين المال كان صوريّا إذ تفرّد الأمين العام بورقيبة بالتصرّف في أموال الحزب كما لم يستسغ الماطري ما عمد إليه بورقيبة من إضافة سحب الثقة من حكومة فرنسا إلى لائحة المؤتمر بعد أن رفض هذا الأخير في جلسته العامّة السحب المذكور وهو سبب من الأسباب المهمّة التي دفعت الماطري إلى استقالته من الدستور الجديد إثر المؤتمر المذكور.

كما ذكر الماطري في مذكّراته أيضا أنّه خطب في المتظاهرين يوم 08 أفريل 1938 قصد تجنّب المواجهة الدمويّة. وفي صبيحة 9 أفريل الموالي استدعاه المقيم العام كي يرسله لبورقيبة قصد إقناع هذا الأخير بضرورة الإذن بالكفّ عن التظاهر، ومن الغريب أن لا يتفطّن الماطري إلى هذه المسرحيّة التي معناها أنّ فرنسا تسعى كي يعتقد النّاس أنّ بورقيبة هو قائد الشارع.. وطبعا فشل الماطري في تغيير موقف ” صديقه ” المتصلّب وسالت الدماء كما كان مقرّرا..

والحبيب بورقيبة –الماسوني زمن دراسته في باريس ومنذ العشرينات- أقسم كما هو معمول به عند الماسونيّين وبصفته تلك على خدمة مصالح فرنسا مع التكتّم والسريّة بخصوص الأعمال الخفيّة التي تسند دوما عمله المكشوف وهذه الأعمال السريّة تتمثّل في قيام فرنسا بأن تضع على ذمّته رجالها وأموالها قصد التحكّم في الشارع –في الظاهر- وتأسيس حزب ما هو في الحقيقة إلاّ غطاء لترهيب المنافسين السياسيّين بعلم وبتدبير من فرنسا بل وللقيام بأعمال إرهابيّة دمويّة للتصفيات المقرّرة في صفوف الخصوم السياسيّين وحتّى باستهداف بعض الفرنسيّين وتونسيّين موالين لفرنسا عند الاقتضاء وإلاّ كيف تفهم أن يعنّف إلى حدّ القتل أحيانا أمثال عبد العزيز الثعالبي إثر دعوته سنة 1937 وأنصار الحزب القديم إلى موعد الاستقلال وكذلك اليوسفيّون وقبلهم طلبة الزيتونة ومشائخهم زمن الحماية والحال أنّ الحزب الجديد يقدّم نفسه بوصفه الخصم الأوّل لفرنسا والمعرّض بالتالي أكثر من غيره للقمع وهو عين ما تتظاهر فرنسا بفعله بدءا برئيس الحزب الحبيب بورقيبة الذي قضّى –ولكن لحمايته ولإخراجه من بوتقة النكرات- أقلّ من خمسة سنوات حرّا طوال الفترة 1934-1954 ! وهو ما يترك له حيّزا زمنيّا قصيرا لحرصه المزعوم على “الاتّصال المباشر”.

فمن المرجّح كما سبق أن أشرنا أنّ فرنسا قتلت سرّا متوفّين من المتجنّسين سنة 1933 وأنّها أوعزت لرجالها ضمن المطاوة والقراقنة والمساترية وغيرهم –وهؤلاء تحدّثت عنهم المؤرّخة الفرنسيّة قولدزايقر- بالتظاهر قصد منع دفنهم في المقابر الإسلاميّة وفق الخطّ الذي ما فعل بورقيبة إلاّ التظاهر بانتحاله.

وإذا ما لم يحصل في مؤتمر قصر هلال ما لفت أنظار أمثال صفر والماطري كما في مؤتمر نهج التريبونار فالأرجح أن تكون أغلب الشعب محرّكة من طرف خفيّ في ماليّتها وأنشطتها وبطبيعة الحال لم توفّر فرنسا إلى اليوم ورغم مرور الآجال القانونيّة الأرشيف الكامل لكنّ ما نشرته من أبحاث إدارة الحماية وتقارير شرطتها فيما بين 1933 و1955 وما اختصّ المؤرّخ مصطفى كريم بتقديمه يعطي فكرة على سعة علم فرنسا بكلّ ما يحدث داخل الحزب من مواقف وتمويل ومنخرطين بل إنّ دقّة هذا الاطّلاع توحي بحضور عيون فرنسا داخل جلّ تشكيلات الحزب بدءا بحضور الحبيب بورقيبة وأخيه الأكبر محمّد.

ونجد عيّنة من هذه السريّة فيما لاحظه المؤرّخ حسين رؤوف حمزة في ندوة 1985 حول تاريخ الحركة الوطنيّة من أنّ المؤرّخين لا يعلمون شيئا عن نشاط بورقيبة طوال الفترة التي تفصل اِنسلاخه عن (أو رفته من) الحزب القديم في بداية خريف 1933 (بعد أسابيع من اِنضمامه للهيئة التنفيذيّة للحزب المذكور) واِنعقاد مؤتمر تأسيس الحزب الجديد في بداية ربيع 1934 في مدينة صغيرة باستثناء اجتماع دار عيّاد المنعقد في 03 جانفي 1934 في نفس المدينة الصغيرة والحال أنّ تأسيس حزب جديد يتطلّب ما يتطلّب من نشاط ميداني مكثّف –ذلك الاتّصال المباشر الذي يتشدّق به بورقيبة في خطبه- لإقناع النّاس بضرورة الانسلاخ السريع عن حزبهم بل وبتأسيس حزب جديد وهو ما يعني أنّ تكوين الشعب الجديدة وتعيين نوابها في المؤتمر حصل دون مساهمة علنيّة من طرف بورقيبة.

ولا يبقى عندئذ إلاّ الركون إلى السريّة بل وإلى سريّة خارقة للعادة تشمل الركون إلى أطراف خفيّة قويّة لتأتي أكلها بهذه السرعة وبهذا الترتيب الظاهرة عفويّته بما لا يمكن أن تدّعي فرنسا عدم علمها به مهما غفل عنها الناس وقتئذ ومهما خفي الأمر على المؤرّخين أنفسهم إلى يوم الناس هذا. فمن المنطقي إذن أنّ إمكان هذه الفاعليّة السريعة في التحضير لتأسيس الحزب الجديد معلّق بسند حاسم لا تقدر عليه إلاّ الحماية ورجالها. وتغييب علم النّاس بالتحضير البعيد والقريب شرط من شروط ” نجاح ” العمليّة. ولكنّ التغييب ذاته في حاجة إلى اِستثناءات شديدة الظهور وهذا الظاهر التحضيري بدوره ينتظم في اتّجاهين: اتّجاه خدمة شخصيّة بورقية كما أسلفنا مهنيّا (قضيّة القاتل غير المعترف ثمّ المعترف بالخصوص) وسياسيّا (ربحه إلى جانب رفاق أكبر منه قضية ” صوت التونسي” في 8 جوان 1938 تاريخ تدخّل المقيم في القضيّة لصالح المشتبه فيهم وكذلك الاصطفاف العلني للمقيم العام وراء موقف بورقيبة من دفن المتجنّسين يوم 12 ماي 1933) ثمّ اتّجاه تمليك الشارع بما سُخّر من متظاهرين معارضين لدفن المتجنّسين في المقابر الإسلاميّة على وجه الخصوص والاتّجاهان يصبّان ظاهريّا في تأسيس حزب جديد يزاحم الحزب القديم بل ويلتهمه تدريجيّا بدءا بافتكاك الصدارة السياسيّة منه منذ حتّى قبل التأسيس بحكم أصوليّة بورقيبة المزايدة على تمسّك الحزب القديم بالهويّة وتصدّر الشارع باسم الأصوليّة المذكورة ذاتها.

وكان من الواضح قبل التأسيس أيضا ومنذ بداية العلاقة السياسيّة بين الماطري وبورقيبة أي منذ تعاونهما الصحفي مع الشاذلي خير الله –الذي من الأرجح أنّه محرّك من قبل السفارة- أنّ بورقيبة لا يقيم وزنا لرفيقه الأكبر المذكور وقد تواصل هذا الاستخفاف إلى مؤتمر التريبونار سنة 1937 كما برز ذلك بالخصوص في تلاعب بورقيبة بقرار المؤتمر المتعلّق بمسألة حجب الثقة عن حكومة فرنسا ممّا اضطرّ الماطري إلى الاستقالة من الحزب إثر المؤتمر المذكور. وبتواز تامّ مع هذا الاستخفاف حاول حاكم التحقيق توريط الماطري بحثه على توريط بورقيبة بالتخابر مع الطليان لمّا بدأ التحقيـق –المسرحيّ فيما يتعلّق ببورقيبة وأمثاله- المتّصل بحوادث 9 أفريل 1938 لكنّ موقف الماطري كان شجاعا وأمينا بما اِضطرّ المقيمين المتعاقبين إلى مذاراته وهو الطبيب المحترم من قبل زملائه الفرنسيّين وذلك قصد إيهامه بأنّهم متّفقون معه في السّير نحو ما يحقّق مصلحة تونس. لقد أدركت فرنسا أنّ الماطري وطنيّ قبل كلّ شيء وهو ما يتطلّب تحييده بطريقة من الطرق طالما أنّ البطش به يضرّ بمسيرة بورقيبة. وضمانا لهذه المسيرة، كانت فرنسا تدرك أنْ لا تزعّم لبورقيبة ما دام الوطنيّ الأوّل حيّا سياسيّا وهذا القيدوم هو المنفي آنذاك عبد العزيز الثعالبي الذي ما سمحت فرنسا بعودته سنة 1937 إلاّ لكي يرشق بالطماطم من قبل عصابات الحزب الجديد.. أمّا الماطري فقد كان من أنصار الوفاق بين الحزبين حيث كتب في مذكّراته المنشورة سنة 1988: “فيما يخصّني لست بعيدا من أن أكون متّفقا معه (الثعالبي) لكنّني لمست كثيرا من التحفّظ من لدن رفقائي في الديوان السياسي وبخاصّة من بورقيبة” (ص.128). ثمّ سافر الماطري “لآخر مهمّة” له في باريس وإذا بالصّدف –غير الصّدف في الحقيقة في تخميننا- تتكرّر أمامه دون أن يتطفّن إلى غرابتها –مع أنّه تذكّرها ودوّنها-. فهذا القبطان ماتيو الذي كان يحرسه في برج لوبوف تصادف معه في الباخرة بل هو طلب منه التوسّط لفائدته لدى المقيم قييون كي تقع تسميته في ” الجنوب الجزائري ” المشابه طقسه للجنوب التونسي والمغاير لم أعدوه له من نقله إلى فرنسا (ص.130) ! فبعد اتّصالات أجراها الماطري في باريس توجّه هذا الأخير صحبة قرينته لمدينة المياه فيشي قصد الاستجمام فإذا بالصدفة الثانية المفترضة تجعله يلتقي بالمقيم قييون المصحوب بزوجته مرّة كلّ يومين ووفّى الماطري ما وعد به القبطان ماتيون لدى قييون (ص.131)!

وإثر أحداث وإيقافات 9 أفريل 1938 اتّصل الماطري بالمقيم قييون لحثّه على الإقلاع عن تشديد القمع خصوصا وهو يعتبر أنّ “الحزب (الجديد) لم يعد موجودا” (ص155)! غير أنّ المقيم المذكور فاجأه بما من شأنه يثبت “وجود” الحزب لمّا صرّح له في فيفري 1939 جوابا على طلب إطلاق سراح الموقوفين في مقابلة حصلت بطلب من المقيم ذاته أنّ “شبّانا ضبطوا وهم يقطعون أعمدة التلغراف ثمّ اِعترفوا بانتمائهم للدّستور الجديد” (ص175) وهو ما يعني أنّ أنفارا يخرّبون باسم الجزب يعلم بهم المقيم ولا يعلم بهم الماطري. صحيح أنّ هذا الأخير استقال من الحزب ولكنّه مطّلع على وضعه اللهمّ تلك الخلايا التي قد سخّرتها فرنسا سرّا لتحسب عليه.

ثمّ إنّ قييون أوصى خليفته إيريك لابون بالتحادث مع الماطري قصد تخديره في الواقع وهو ما تمّ فعلا في فيفري 1939 حيث قاطع المقيم الماطري الذي كان يتكلّم عن الوضع السياسي للبلاد، قاطعه وهو يشير إلى حجرة سوداء وضعها على مكتبه قائلا له: “إنّها (أي الحجرة) لذهب خالص بالنسبة لتونس فهي نوع من الفحم الحجري. قد يكون فيها مستقبل تونس ولربّما بالحديد الموجود هنا بكثرة يمكن أن نصنع شيئا مهمّا “. وإذا كان الماطري طبيبا جيّدا فإنّه لم يكن مهندسا أو رجل اقتصاد وعلى كلّ حال كلّما حاول الرجوع إلى الوضع السياسي تحاشى المقيم العود إلى موضوع اللّقاء السياسي مبدئيّا.

وفي يوم من ماي 1939 أعاد لابون الكرّة فيما يتعلّق بتخدير الماطري حيث استدعى خليفة قييون هذا الأخير صحبة ثلّة من أعيان التونسيّين الموالين للحماية وأعيان من الفرنسيّين لمأدبة غداء يوم حرّ شديد غير أنّ احتساء القهوة حصل في قاعة ثانية وضع فيها أوّل جهاز لتكييف الهواء دخل تونس فقال لابون للماطري: “هذا الاختراع يفتح آفاقا كبيرة للعمل في البلدان الحارّة”، غير أنّ الماطري أجابه بأنّ هذه الآلة “لا تغيّر شيئا في غراسات الكاكويّة والمطاط وحتّى في المناجم” ونيّة المقيم هنا هي تحييد الماطري سياسيّا بعد أن رأت فرنسا مصلحة في إسهامه في انطلاقة الحبيب بورقيبة كزعيم وطني وذلك بتخديره طالما تظهر فرنسا له على لسان مقيمها العام أنّ مصلحة تونس في حيّز مشاغلها. والغريب في الأمر أنّ تواتر هذه الصدف وهذا الحنّ لتونس على لسان المقيم لم يثر ريبة تذكر لدى الماطري وهو ما شجّع الأستاذ مارسي إلى أن يصرّح بحضور الماطري والمقيم إيستيفا بأنّ العربيّة لغة غنيّة كمّيا لكنّها فقيرة كيفيّا وما حدى أيضا بهذا المقيم إلى التأكيد على فضل الديانة الكاثوليكيّة على الحضارة وإن لم يجب الماطري على اِدّعاء المقيم هذا فإنّه عارض صراحة الأستاذ مارسي في تحامله على العربيّة بمعنى أنّ فرنسا وإن نجحت في تخدير الماطري فإنّها لم تفلح في اِستدراجه لها.

برعت فرنسا إذن في جعل الماطري ضحيّة بارزة وأولى للتخدير الصادر عنها بحكم ما آل إليه من رئاسة الإقلاع السياسي لبورقيبة ولا نستبعد أنّه وقع اِستدراجه منذ البدء لهذه المهمّة مع كونه ظلّ عصيّا عن الاستيعاب كما بيّنا. وهذا عون فرنسا الكبير والمعروف مسعود علي سعد يستدرج فرحات حشاد في هيئة وداديّة القراقنة تحت رئاسته هو وذلك كي ينسلخ فرحات المذكور من نقابته الشيوعيّة سنة 1944 ثمّ كي يؤسّس فور اِنسلاخه نقابات الجنوب المستقلّة وهي أحد الروافد الثلاثة لتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 فيتولّى حشاد الكتابة العامّة وسعد المذكور خطّة الكاتب العام المساعد فيها ثمّ لا يشارك سعد هذا في تأسيس الاتحاد درءا للشبهة الظاهرة على حشاد وبعد أن تمّ التخدير. لكنّ التخدير اتّخذ شكلا جديدا داخل الاتحاد حيث وجد حشاد نفسه يعمل داخله مع من خدّرهم بورقيبة قبل أن يخذلهم أمثال أحمد التليلي وكذلك مع المنحازين للاستخلاف قلبا وقالبا أمثال أحمد بن صالح الذي أرسله حشاد ذاته لبروكسل في خريف 1951 والحال أنّه كان مهيّئا وقتها لخلافته. ولا تنس صالح بن يوسف الذي خدّر بتمثيل الحزب الجديد في وزارة العدليّة صلب حكومة الحماية سنة 1950 وهي الوزارة التي وعد بها أحمد باي بورقيبة دون جدوى…

غير أنّ العقبة الأولى والكبيرة التي تعترض الاستخلاف تتمثّل في العائلة الحسينيّة العريقة والتي كانت تشخّص إمكان إحلال ملكيّة دستوريّة التي هي في الديمقراطية أفضل من الجمهوريّة.

وسياسة المراحل المزعومة والمنسوبة لبورقيبة لا وجود لها بقدر كونها سياسيّة فرنسيّة في أربعة مراحل متداخلة مرحلتان الأولى والثانية تهدف إلى دفع الباي للغلط السياسي الفادح بقبوله السيادة المزدوجة مع إصلاحات مزالي – فوازار في بداية مارس 1950 بما ينهي المرحلة الثانية بنجاح واضح لفائدة الاستخلاف والملفت في هذا المضمار أنّ التدليل على أنّ سياسة المراحل فرنسيّة وليست بورقيبيّة وجدناه في مذكّرات الباجي قائد السبسي المنشورة (سنة 2009 بالفرنسيّة في منشورات الجنوب). وبعد مرحلة الأمل الأولى إثر خطاب تييونفيل لروبار شومان في أفريل 1950 (بعد لقاء سفير أمريكا في باريس مع بورقيبة في تونس في مارس 1950) بدأت مرحلة النّار التي أطلقها عين شومان هذا بمذكّرة الإدبار عن السياسة التفاوضيّة المؤرّخة في 15 ديسمبر 1951. ثمّ لمّا أحسّت فرنسا في أواخر شتاء 1953 بإمكان تفطّن الباي لمخطّط فرنسا هذا عزمت على تجنّب هذا التفطّن بأيّة وسيلة ذلك أنّها سخّرت دي غول رئيس دولتها المستقيل سنة 1946 والمناوئ للجمهوريّة الرابعة للقيام بمهمّة في كنف هذه الجمهوريّة قبل أقلّ من سنة من إصلاحات مزالي فوازار الكارثيّة والمختومة من قبل الأمين باي. فكان من دي غول أن زار الأمين باي يوم 28 مارس 1953 وجلس معه ساعتين كاملتين للاستماع لشكاويه وفي الأخير قال له “لا تيأس من رحمة فرنسا” كما جاء في مذكّرات صهره الدكتور محمد سعد الله المنشورة ! وكان من الصّعب على الباي المسنّ وقليل التعليم أن لا يتخدّر بمقدم وأقوال أكبر رجال فرنسا وقتئذ فجاء تخدّره كاملا بدليل ما ذكره محمد سعد الله في عين تلك المذكّرات من أنّ الباي عرض يوم 19 جوان 1954 على المقيم فوازار ما يلي: “لو حسّنت حقيقة وضع بلدي فأنا قادر على التدخّل لصالحك لدى دي غول كي لا تغادر بلدي تونس” المعروفة بلطف طقسها. وتخدّر الأمين باي جاء هنا أشدّ من تخدّر الماطري حيث جاء تدخّل هذا الأخير لفائدة القبطان ماتيو بطلب هذا الأخير ضمنيّا بينما بادر الأمين بعرض تدخّله والحال أنّ الأمر قضي بعد وهو لا يعلم.

وممارسة التخدير مع منافسي بورقيبة حقّقت في كلّ الحالات إنهاء الوجود السياسي للمخدّرين وفي حالات وقعت تصفيتهم جسديّا كما جاء هذا التخدير بمثابة الإسناد لتمليك الشارع لحزب ظفر بسند شامل ولكنّه سرّي وهو ما سنتناوله في مقال لاحق.

المصدر: جريدة الضمير، الثلاثاء 13 أكتوبر 2015، العدد 773

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق