تحاليلتونس

الحركة التنويرية التونسية وجائزة نوبل للسلام

توفيق المديني
تلقى الشعب التونسي بكل اعتزاز قرارالهيئة المنظمة لجائزة نوبل للسلام الجمعة9 أكتوبر الجاري ، عن فوز المنظمات الوطنية الأربع:(الاتحاد العام التونسي للشغل ، الاتحاد التونسي للصناعة و التجارة و الصناعات التقليدية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين) ،الراعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام للعام 2015 ، إذ يرى فيه اعترافًا دوليًا صريحًا بدور المجتمع المدني التونسي في إنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي في مرحلة دقيقة مرت بها تونس. و كان الرباعي الراعي للحوار في تونس سنة 2013 ، تشكل إثر أزمة سياسية وأمنية عصفت بالبلاد، تمثلت في اغتيالات سياسية وأعمال إرهابية أودت بحياة زعيمين للمعارضة اليسارية و القومية ، وعددًا من الجنود في مرتفعات جبل الشعانبي غرب البلاد على الحدود التونسية-الجزائرية.
وتكون الرباعي الراعي للحوار الوطني من أربعة منظمات كبرى في البلاد وهي:
1-الاتحاد العام التونسي للشغل ،وقد تأسس سنة 1946 على يد الزعيم النقابي فرحات حشاد، ويشمل غالبية العمال التونسيين ويرأسه اليوم الأمين العام للاتحاد حسين العباسي .
2-الاتحاد التونسي للصناعة و التجارة و الصناعات التقليدية، وقد تأسس سنة 1947، ويشمل غالبية الصناعيين و التجار في تونس، و ترأسه الآن السيدو وداد بوشماوي.
3-الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ،وهي منظمة تدافع عن حقوق الإنسان، تأسست سنة 1977 من قبل ليبراليين تونسيين، ويرأسها حاليًا، المحامي عبد الستار موسى.
4-الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، ويرأسها عميدها المحامي الفاضل محفوظ.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المنظمات الأربع تنتمي جميعها إلى المجتمع المدني ، وإن اثنتين منها تشكلتا في مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي ،قبل استقلال تونس في العام 1956. أما نقابة المحامين فقد تأسست بعد الاستقلال (في العام 1958) و «رابطة حقوق الإنسان» تم تأسيسها العام 1977،و برزتا في طور الدفاع عن الحريات العامة و الحريات الخاصة، والنضال الديمقراطي من أجل افتكاك الحقوق السياسية و المدنية من قبضة السلطة الديكتاتورية.
1-التتويج نتاج مسار الحركة الإصلاحية و التنويرية التونسية
و تنظر النخب العربية إلى هذا التتويج الدولي لتونس بمنحها جائزة نوبل للسلام،عبر الرباعي الراعي للحوار الوطني، بأنه لم يكن صدفة ولا حدثا طارئا أو مفاجئا بل كان التتويج الطبيعي لمسار طويل من الحركة الإصلاحية التونسية بمدونتها التنويرية والتحديثية العميقة والعريقة، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر ،و استمرت حتى حصول تونس على استقلالها في 20مارس 1956.وقد كانت لهذه الحركة الإصلاحية التنويرية محطات واضحة راكمت العمق التاريخي لتونس الذي بدأ مع دستور قرطاج ومدونة القديس سانت أغسطين وتأسيس بيت الحكمة في القيروان وجامع الزيتونة أعرق جامعات العالم .
منذ عصر النهضة العربية الأولى ،يعتبرالمصلح خير الدين التونسي من أعظم المنظرين العرب لجهة مطالبته بضرورة اقتداء أقطار العرب الحديثة بفلسفة ونهج الحداثة الأوروبية الغربية، ومعرفة أساس قوة أوروبا وازدهارها، وبكيفية خاصة دور الدولة الحديثة ومؤسساتها السياسية القائمة على الحرّية في المجتمع المدني. و أسهم المصلح خير الدين في وضع الدستور التونسي، الذي أعلن عنه رسمياً من قبل محمد الصادق باي في 29 ينايرلعام 1861، حيث كان خير الدين رئيساً لمجلس الشورى، نظراً للثقة القوية التي كان يتمتع بها عند الباي. وكان الميثاق الأساسي، أو دستور عهد الأمان يعتبر أول دستور عربي يقر في بلاد الإسلام، وهو متكون من ثلاثة عشر فصلاً، ومئة وأربعة عشر مادة مرقمة حسب الطريقة الفرنسية.
هذا الدستور الذي هو بمنزلة القانون العضوي للدولة التونسية قد حدد السيادة للمملكة التونسية في إطارعلاقتها مع السلطنة العثمانية، وأقام تقسيماً للسلطة بين الباي باعتباره ملكاً وراثياً يصعد إلى قمة العرش حسب التقاليد المتعارف عليها في العائلة الحسينية المتوارثة للحكم، (مادة – 1) وبين وزرائه،ومجلس الشورى المتكون من 60 نائباً،والذي بالإضافة إلى مهامه التشريعية والمالية، فإنه يملك إمكانية تجريد الباي من صلاحياته إذا أصبحت ممارساته مخالفة للدستور (حسب مواد 9-63.20) .
إن دستور عهد الأمان للعام 1861، قد قوض سلطة الباي، وأصبحت تونس عبارة عن دولة ملكية دستورية، إذ أن مجلس الشورى الأعلى هو الذي يصدق على إجراءات الحكومة قبل تنفيذها، فضلاً عن أن السلطة الفعلية قد أصبحت في أيدي رئيس الحكومة، أو الوزير الأول حسب المصطلح الفرنسي. ويضمن الدستور الأمن الكامل للأشخاص، والممتلكات، وشرف كل سكان المملكة، بصرف النظر عن ديانتهم، وجنسيتهم، وعرقهم. وعندما اعتكف المصلح خير الدين عن العمل السياسي وضع كتابه الوحيد باللغة العربية بعنوان «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك »، نشر لأول مرة في تونس العام 1867، حيث لاقت ترجمة مقدمته بعنوان « الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية » صدى كبيرا في فرنسا، نظرا لما تنطوي عليه من صياغة لمشروع نهضوي حديث.
ويعلق المفكر العربي البرت حوراني على ذلك بقوله :« يبدو أن خير الدين وضع هذا الكتاب وهو على شيء من الاعتقاد أنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق. فالمؤلفان تونسيان وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية، وعالجا فيهما، كل على طريقته قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة. إلا أن التشابه يقف عند هذا الحد. ففيما يعني كتاب ابن خلدون، في معظمه،بتاريخ الدول الإسلامية، يعني كتاب خير الدين، في معظمه أيضاً، بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية ».
وشاع مفهوم الدستور في تونس في عشرينات القرن الماضي مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي، مؤسّس الحزب الليبرالي الدستوري الذي قاوم الاستعمار الفرنسي ، ثمّ استعاده وطوّره ابتداءً من العام 1934 أبو الاستقلال الحبيب بورقيبه، بحيث بات يشكّل عنصراً موجّهاً في تأكيد الهويّة السياسية التونسيّة. اتُّخذ هذا المفهوم وسيلة لبلوغ الحداثة القضائية والمؤسّساتية، واندرج في سياق قطيعة مع النظام الاستعماري ومع الاستبداديّة البايويّة (نسبة إلى الباي) . لكن لم يبدأ الوطنيّون بالتعبير بشكلٍ واضح عن ضرورة إنشاء مجلسٍ تأسيسي إلاّ بعد وصولهم إلى عتبة السلطة في 20مارس 1956.
و لما كان الحزب الحر ّ الدستوري بزعامة الحبيب بورقيبة هو قائد مسيرة استقلال تونسن وباني الدولة الحديثة، فقد طرح انتخاب المجلس التأسيسي ، بهدف صياغة الدستور الجديد ،فوجد الملك العجوزسيدي لامين نفسه مجبراً تقريباً على أن يوقّع، في 29 ديسمبر، 1956وبختمه على أسفل صفحة المرسوم الذي دعا إلى الانتخابات في 25 مارس من عام 1956. وقد حاول مع ذلك أن ينقذ ما أمكنه بالحدّ من صلاحيات المجلس التأسيسي وبتخصيصه بمهمّة واحدة محدّدة بدقّة: «وضع دستورٍ خاصّ بمملكة تونس».
بعد انتخاب المجلس التأسيسي ، اجتمع للمرة الأولى في 8 أبريل العام 1956، في قاعة العرش في قصر باردو، بما له من رمزيّة، انتخب بورقيبه رئيساً له. وبعد ستّة أيام أقرّ قانوناً دستوريّاً مولّفاً من مادّة وحيدة بثلاث فقرات، هو «الدستور الصغير العام 1956».وأدرك بورقيبه أنّ مسألة العلاقة بين الدين والدولة قد تلهب النفوس وتحرّك المشاعر التي لا طائل لها، فأراد مسبقاً أن يقفل باب النقاش. هكذا جاءت الفقرة الأولى من القانون الدستوري الصادر في 14 إبريل العام 1956، والذي سوف تنقل حرفيّاً تقريباً في المادة الأولى من دستور الأوّل من يونيو العام 1959 تحفةً في الاقتضاب والغموض: «تونس دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة. الإسلام دينها والعربيّة لغتها». فالإسلام «دين دولة» وليس «دين الدولة»؛ في حين تمّ «الاعتراف» بحريّة المعتقد وحرّية ممارسة المعتقدات «المحميّة شرط ألا تخلّ بالنظام العام» (الفقرة الثالثة). بالتالي لم يجعل الدستور من تونس دولةً لائكيّة، لكنّها لم تكن دولةً إسلامية. كانت دولةً علمانيّة (مدنيّة أو زمنية)، لأنّ الشريعة لم تكن فيها مصدراً للتشريع .أما الفقرة الثانية، وقد نصّت على أن «الشعب التونسي هو صاحب السيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه هذا الدستور»، ما نزع صلاحيات الباي؛ بحيث ووجدت الملكية نفسها عمليّاً تتراجع إلى صفوف مؤسّسةٍ عادية عامّية.
عندما أطاح بورقيبة بالملكية و سلطة الباي في 25جويلية 1957،بإعلانه ميلاد الجمهورية التونسية ، تغيّرت المعطيات رأساً على عقب؛ وبات على المجلس التأسيسي أن يستأنف الورشة من حيث أوقفت في 14 أبريل العام 1956. وأنجز المجلس التأسيسي المنتخب في فجر الاستقلال(1956-1959) صياغة دستور عام 1959، الذي احتل مكانة بارزة في تأسيس النظام الجمهوري ،وبناء الدولة التونسية الحديثة التي تبنت فلسفة الحداثة بكل منطوياتها الفكرية، عبر تركيز أسس دولةٍ مدنيّة من النوع العقلاني-الشرعيّ، ما كان حتّى ذلك الوقت محصوراً فقط بالحداثة الغربية.لكن المجلس التأسيسي في ذلك الوقت أخفق في إرساء نظام ديمقراطي، و ضمان الحقوق والحرّيات بشكل فعّال. واحتوى دستور سنة 1959 على 64 فصلا و أدخلت عليه خلال السنوات اللاحقة عديد التعديلات منها ما كان في عهد الحكم البورقيبي,و منها ما كان في العهد النوفمبري وانتهي إلينا سنة 2010 قبيل الثورة مكوّنا من 78 فصلاً .
إن التوقف عند هذه المحطات التاريخية أكثر من ضروري بالنسبة للتونسيين اليوم وخاصة الجيل الجديد من الشباب الذين لا يعرفون لماذا حازت بلادهم جائزة نوبل، فمنح هذه الجائزة الدولية الأولى لتونس ليس صدفة فقد توفرت لتونس كل أسباب الإستثناء ونجاح التجربة الإنتقالية في تونس لحد الان ونجاة البلاد من حرب أهلية مدمرة هو ثمرة هذا الإرث الطويل من تجذّر المشروع الإصلاحي التونسي الذي لم يبدأ اليوم ولا بالأمس، ولم يولد مع 14 يناير 2011،بل كان سلسلة حلقات متراكمة بدأت مع العصر القرطاجني والعربي الإسلامي وتجذر في العصر الحديث بدءًا من القرن الثامن عشر تحديدا.
إنها تونس العظيمة التي تتجدد ولا تموت .
2-دور المنظمات الأربع في إنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي بنجاح
و لعبت هذه المنظمات الأربع دوراً حاسماً في دفع الفرقاء السياسيين إلى تغليب مبدأ الحوار علي مبدأ المغالبة ،و تجنب الاحتقان و الاندفاع نحو العنف و الفوضى . ومرّ الحوار الوطني بعدة مراحل للخروج من المأزق السياسي الذي سبب انسدادا في الأفق السياسي التونسي.ففي 17 من سبتمبر 2013، أصدر الرباعي الراعي للحوار الوطني مبادرة جاء فيها :تقديرًا لدقة وحساسية المرحلة التي تمر بها البلاد في هذا الظرف من مسار الانتقال الديمقراطي، وسعيا للوصول إلى مرحلة المؤسسات الديمقراطية بما يحقق أهداف الثورة، وشعورًا من كل الأطراف بضرورة تغليب المصلحة العليا للوطن، تتقدم المنظمات الراعية للحوار الوطني (الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) خارطة طريق تُجسد إرادة الأطراف السياسية في الخروج من الأزمة، وتمثل تفعيلاً لمبادرتها بعد أن عرضتها و ناقشتهامع الأحزاب السياسية.
وأهم ما جاء في مبادرة الحوار الوطني، هو القبول بتشكيل حكومة كفاءات ترأسها شخصية مستقلة، لا تترشح للانتخابات القادمة، تحل محل الحكومة التي كانت قائمة في سنة 2013[حكومة علي العريض من حركة النهضة]،واستئناف المجلس الوطني التأسيسي(البرلمان المؤقت) لجلساته وتحديد مهامه ونهاية أشغاله. وعندما انطلقت في تونس يوم السبت 5 أكتوبر2013 أولى جلسات الحوار الوطني للخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، منذ اغتيال الشهيد محمد البراهمي يوم 25 جويلية 2013، على أيدي متشددين من تنظيم »أنصار الشريعة«، توصل الحوار الوطني هذا،بتوقيع 22 حزباً خريطة الطريق المقترحة من قبل المنظمات الراعية للحوارالوطني .ووقع على خريطة الطريق كل من الترويكا الحاكمة سابقاً الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب »النهضة «الإسلامي، وحليفه الدكتور مصطفى بن جعفر زعيم حزب »التكتل والديمقراطية«، فيما رفض حزب »المؤتمر من أجل الجمهورية« المشارك في الحكم (حزب رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي) التوقيع على الخريطة. أما من جانب أحزاب المعارضة الليبرالية واليسارية، فقد وقع كل من السيد قائد السبسي زعيم حزب »نداء تونس«، و السيد حمة الهمامي، الناطق الرسمي »للجبهة الشعبية«(الإئتلاف اليساري الذي يضم ثلاثة عشر حزباً يساريًا وقوميَا). فيما رفض التوقيع أيضاً، رئيس حزب»الإصلاح والتنمية« (إسلامي)السيد محمد القوماني، وتيار «المحبة» (محافظ) الذي يترأسه القيادي السابق في »النهضة« الهاشمي الحامدي.
واستمرالحوار الوطني إلى حدود المصادقة على اسم رئيس الحكومة الجديد.وبعد تجاذبات عديدة وتعهد علي العريض باستقالة حكومته بعد المصادقة على الدستور، تم يوم 14 ديسمبر2013، اختيار مهدي جمعة وزير الصناعة في حكومة علي العريض، رئيسا للحكومة المؤقتة المكلفة بإنجاز الانتخاباتالتشريعية و الرئاسية.في 9 جانفي/يناير2014، أعلن علي العريض استقالة حكومته ليفسح المجال لحكومة المهدي جمعة.وفي 26 جانفي/يناير2014، تمت المصادقة على الدستور ليتسلم مهدي جمعة مهامه رسمياً في 29 جانفي/يناير2014. وفي الدستور الجديد، لم يتم التنصيص صراحة على أن «الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع«، بل تم الاكتفاء بالفصل الأوّل من الدستور التونسيّ الذي وُضِعَ سنة 1959، وهو ما ورد في صياغة مشروع الدستور الجديد، حيث جاء في الفصل الأول: «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها«، كما جاء في الفصل الثاني: « تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون«. وهكذا، فإن الإسلام هو دين الشعب التونسي، من دون ذكر أنه دين الدولة. فهذه التوليفة الخلاقة التي ابتدعها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة شكلت الجسر إلى بناء الدولة المدنية في تونس فهذا الفصل الأول من دستور 1959، والذي تم تبنيه بالكامل في الفصل الأول من دستور 2014 ينص على أن الإسلام هو دين التونسيين وليس عقيدة الدولة.ورغم تواصل أعمال العنف، فقد تمكنت تونس من إنجاز انتخابات تشريعية، يوم 26 أكتوبر 2014 فازت فيها حزب «نداء تونس»، وانتخابات رئاسية في دورتين فاز في الدور الثاني منها – 21 ديسمبر2014- الباجي قائد السبسي رئيس حزب «نداء تونس»،على منافسه الرئيس المؤقت السابق منصف المرزوقي.
و بنيل هذه المنظمات الأربع الراعية للحوار الوطني ، جائزة نوبل للسلام،فقد منحت الشرف لتونس،و لكل فعاليات المجتمع المدني و عموم التونسيين الذين آمنوا بقيمة السلم الأهلي و دافعوا عن حقوقهم المدنية بكل شجاعة، لا سيما أن هذه الجائزة تشكل في الوقت الحاضر سندا دوليا جديدا لثورة تونس و لشعبها و دعما لها في اتجاه استكمال بناء أسس ديمقراطيتها الناشئة بالحوار و التوافق الضامن للتعددية و وحدة الوطن و أمنه في منطقة تعصف بها الصراعات.
و تستحق الثورة التونسية مثل هذه الجائزة، لأنها كانت ثورة قوّية في صراعها مع النظام الديكتاتوري السابق، بنهجها السلمي وتَفَوُقِهَا الأخلاقي، و بعدالة مطالبها في الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقوية بقاعدتها الاجتماعية العريضة التي انخرطت فيها طبقات المجتمع وفئاته وأجياله كافة، وقوية بالتماسك الداخلي للقوى المشاركة في صنع فصولها البطولية، ثم قوية بنفَسها الثوري الطويل الذي لا يكل ولا يتقطع بأثر من عياء. فما جرى هو بروز حركة احتجاجية لها طابع ثوري في إطار وطني، أسقطت نظاماً قديماً تهاوى بسرعة، ولكن من دون أن تعرف كيف سيكون عليه النظام الجديد، وهذه أحداث غير منتظرة، وهي أحداث سلمية في العمق، قامت على أساس احترام حقوق الإنسان والطموح ونشدان الحرّية والتآخي وردّة فعل ضد الفساد والغنى الفاحش وفجور الأغنياء.
ولكن ما حدث في ثورة 14جانفي/ يناير 2011، تم خنقه لاحقاً من قبل حكم حركة النهضة بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011. فما جرى في تونس في ظل حكم الترويكا كان انقلاباً على الثورة،وانحرافاً لمجراها الديمقراطي، وخنقاً لها ، لكن ضوء الديموقراطية الخافت هو نور كما قال هيغل ودرّس أيضاً، فالكثيرون من مكونات المجتمع المدني التونسي يعتقدون أن لا بدائل للنظام الديكتاتوري والبوليسي السابق والنظام الثيوقراطي الديني في تونس . فقد نجح المجتمع المدني التونسي بقوة شخصيته النضالية ، وقادة الرباعي الراعي للحوار الوطني مرّة أخرى، في وضع حدّ لتنفيذ مشروع أخونة الدولة ولإنقاذ البلاد من تداعيات الأزمة المتعدّدة الأطراف التي قاد إليها هذا الحكم، وبفضل هذا التغيير، الذي شهده وضع ميزان القوى في الداخل وعزّزه فشل الإسلام السياسي على الصعيد الإقليمي، كان الدستور التوافقي وإسقاط حكومة علي العريض في بداية عام 2014، والحدّ من صلاحيات المجلس التأسيسي وتوفّر ظروف أفضل لإجراء الاستحقاق الانتخابي.
وبعد انقضاء ثلاث سنوات من حكم الترويكا،تعثرت عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، التي جنحت القوى السياسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية و السياسية إلى الحوار الوطني تحت ضغط منظمات المجتمع المدني، و مؤسساته الوطنية الجامعة.و يعود سبب تعثر الإنتقال إلى بناء نظام ديمقراطي جديد في تونس بعد نجاح ثورتها في إسقاط رأس النظام الديكتاتوري السابق إلى أن حركة النهضة التي استلمت السلطة بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011، من خلال حكومة الترويكا،لم تكن تريد إنجاز ما تبقى من عمر هذه المرحلة الانتقالية التي طالت أكثر من اللزوم، لا سيما إنجاز الدستور الديمقراطي التوافقي، و تحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية ، ومواجهة الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد، و العمل على بناء دولة القانون من خلال تفعيل قانون محاربة الإرهاب، وبناء أجهزة أمنية ذات طابع جمهوري، والقضاء على الأجهزة الموازية المتغلغلة في وزارة الداخلية، والتي تحمي الإرهاب.
و كانت «ثورات الربيع العربي» التي أوصلت حركات الإخوان المسلمين إلى السلطة في كل من تونس ومصر،بمنزلة استعادة الوعي والطموح الإخواني للإستيلاء على السلطة تدريجيا في باقي البلدان العربية، وصولاً إلى بناء دولة «الخلافة الإسلامية » بالتدرج عبر تطبيق استراتيجية «التمكين».و يمكن أن نلاحظ استعادة هذا الوعي وهذا الطموح بوضوح في الأوساط الإسلامية الإخوانية، ولدى الحركات الجهادية التكفيرية.و كانت حركات الإسلام السياسي ، أصابها الغرور السلطوي، واستعادت ثقة متعجرفة بالنفس، وباتت ترى نفسها في طليعة من يصنع الثورات ، ويهدد الحكومات، ويفرض الشروط، و يتلقي عروض التفاوض من الولايات المتحدة الأميركية و الدول الأوروبية، ومن القوى الإقليمية.و ترافق ذلك مع دور تركي متنام، اعتبره الإخوان المسلمون و الحركات الجهاية التكفيرية موازياً لدور إيران الشيعية، وبديلاً عنها.
ضمن هذه الرؤية ، انتاب المجتمع المدني التونسي الخوف الشديد من فقدان تونس نموذجها المجتمعي الحداثي، فضغط باتجاه بلورة مقاومة مدنية قوية ذات طابع شعبي للوقوف في وجه الإرهاب التكفيري الذي استوطن بتونس في ظل سياسة التساهل و التغاضي عنه من قبل حركة النهضة الإسلامية الماسكة بزمام السلطة .فتبادلت الحكومة الائتلافية، التي تهيمن عليها حركة النهضة الإسلامية، والمعارضة العلمانية الاتهامات، وسيستا قضايا الأمن الوطني بدلاً من معالجتها.
لقد كان الخطاب الديموقراطي في تونس ضبابياً وملتبساً في مقولاته ، فالأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية و السياسية لم تركزعلى طرح أفكار الحرية الدستورية ،والعلمانية، والمساواة المواطنية ،وحقوق الانسان والمرأة، حتى لا يسع المرء إلا أن يتساءل: ما هي تلك الديموقراطية التي تتحدث عنها الطبقة السياسية التونسية والأحزاب السياسية ، ما جوهرها وأسسها ومراميها، وكيف يمكن أن تجمع تحت لوائها كل تلك المتناقضات الأيديولوجية والسياسية وكل تلك التوجهات المتنافرة في الأهداف والغايات والمصالح؟ هل يكفي أن يؤمن الجميع بالانتقال السلمي إلى نظام ديموقراطي ولو غير محدد الأهداف والأسس؟ وهل سيلبي هذا النظام حاجات وتطلعات هؤلاء دون الإخلال بالأمن السياسي أو الاجتماعي أو بمصالح كل فريق من الفرقاء؟ كيف ستتأمن في نظام جامع مصالح الأغنياء والفقراء والطوائف والمؤمنين بحقوق الانسان والمرأة واولئك الذين لا يعترفون بكل هذه الحقوق؟
وفي هذا السياق،استطاعت تونس أن تُصَحِّحُ ربيع «الثورات العربية«، وتُؤَكِّدُ الاستثناء التونسي في تَفَرُّدِهِ على الموافقة على دستور ديموقراطي وليبرالي وتوافقي في آن معاً،وهي بهذه الخطوة أنهت المرحلة الانتقالية بعد انتظار دام لنحو سنتين ونصف.إنهااللبنة الأولى في بناء مؤسسات الدولة المدنية الديمقرطية التعددية، التي عجزت الأديولوجيات الشُمُولِيَة (الإسلامية والقومية والماركسية) عن بنائها في العالم العربي، لكن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة المتشبع بالثقافة الفرنسية والمتأثر بكمال أتاتورك، كان أول من أرسى الدولة المدنية ذات الاتجاه العلماني عند العرب،لا سيما أن الدولة المدنية ليست بدولة عسكرية، وليست أيضاً بدولة دينية، لكنها ليست بالضرورة أن تكون دولة علمانية بالمعنى الغربي للكلمة.

المصدر : صحيفة الشرق، تيارات،الجمعة 16 أكتوبر 2015

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق