دراساتليبيا

مدينة “صبراتة” الليبية : الجزء الأول

لعبت المدن في ليبيا أثناء أحداث ثورة 17 فبراير وقبلها دورا محوريا في تحقيق أهداف الثورة الليبية أو في الحوار بين مختلف الفرقاء وفي تهدئة الأوضاع أثناء جلسات الحوار ومن أهم تلك المدن المعروفة تاريخيا والمؤثرة حاضرا في الغرب الليبي هي صبراطة، و هي من المدن التي لا يعرفها القارئ المغاربي والعربي والإفريقي، وما هي أهم ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في صبراطة، وما هو موقعها في تطورات الأحداث في لبيا قبل وبعد ثورة 17 فبراير وما هي الأهمية الإستراتيجية للمدينة في تطورات الأحداث بعد أوت 2014 (لأي ظهور حكومتي طرابلس وطبرق)، وما هي آفاق المدينة السياسية والاجتماعية وأدوارها المستقبلية في نحت أسس التوافق بين مختلف الفرقاء وفي بناء ليبيا المستقبل؟

+ منهجية الدراسة
+ الجزء1 : التعريف العام و الحياة الاقتصادية والاجتماعية
+ الجزء 2: صبراطة بعد وقبل ثورة فبراير
+ الجزء 3 : البعد الاستراتجي للمدينة جغراسياسيا وتطور الاحداث بين أوت 2014 و وسبتمبر 2015
+ الجزء4: مدينة صبراطة وآفاق دورها في بناء ليبيا المستقبل…

الجزء1 :
التعريف العام والحياة الاقتصادية والاجتماعية

1- التعريف العام بصبراتة

أ‌- الخلفية التاريخية
يعتبر الفينيقيون من مُؤسسي مدينة صبراتة، والتي وقعت لاحقا تحت سيطرة ” الرومان” ثم “الوندال” و الذين دمروها كغيرها من المدن التي طالتها أيديهم، ثم احتلها “البيزنطيون” فأعادوا تعميرها إلى أن جاء الفتح الإسلامي، ويذكر العلامة ابن خلدون أن هذه المدينة كانت قبل الإسلام ملكا لقبيلة “نفوسة” ( البربرية) ولكن الظاهر أن البيزنطيين استعادوها بعد مصالحة بين الطرفين بيد أنها خربت بعد الفتح الإسلامي حيث فضل ساكنوها من البيزنطيين الرحيل عنها إلى بلادهم الأصلية.
وقد كان الاسم الذي عرفت به هذه المدينة عند العرب هو “صبره”، و قد كان يقطن بجانب المدينة بعد الإسلام وربما قبله مجموعة من بربر “زواغة”، فأخذت المنطقة بكاملها اسم “زواغة”، وبهذا الاسم تذكرها المصادر التاريخية ، ، و بهذا الاسم ذكرها أيضا الرحالة المغربي العياشي في رحلته إضافة إلى التيجاني الذي ذكر أن “زواغة” كانت قائمة بذاتها بجانب كانت خرابا وأطلالا (زواغة الخاربة)، وذكر التيجاني أيضا أن “زواغة” هي أكبر قرية في ذلك الموضع وأضخمها و بها نخل كثير ومنها يظهر للمرء بعض مباني طرابلس وبينهما نحو خمسين ميلا…).
و قد أخذت هذه المدينة وضواحيها الطابع العربي بعد هجرة قبائل “بني سليم” الذين ينحدر سكانها الحاليون منهم حيث استوطنتها قبيلة “العلالقة” ( بطن من بني علاق بن عوف من بني سليم) كما ذكر الإيطالي “أغسطيني” في كتابه (سكان ليبيا)…
واسم “صبراته” اليوم لا يشمل المدينة الأثرية القديمة فحسب بل إنه يشمل المدينة الحديثة أيضا إضافة إلى كل المنطقة الممتدة من “زوارة” غربا، و “صرمان” شرقا، و”الجبل الغربي” جنوبا، وتحدها منطقة “العجيلات” من الجنوب الغربي؛ وتشمل هذه الأراضي بعض القرى والمناطق المعروفة: الخطاطبة (قبيلة الرايس)، دحمان، والوادي، و قاليل، وسوق العلالقة، وخرسان، والنهضة، والطنيبات، والدبابشية، وزواغة (يبدو أن هذا الاسم اقتصر في الوقت الحالي على هذه الجهة وساكنيها فقط)، وقصر العلالقة، وتليل، ومليتة، والطويلة….

ب – آثار صبراطة ومعالمها السياحية:
وَصَف بعض الرّحالة الأوروبييّن آثار “صبراته” خلال القرن التّاسع عشر، مثل “بارت” و الذي تحدّث مثلا عن المسرح والأعمدة والأقواس كما تحدث عن رصيف الميناء وتمثالين من الرّخام ( أحدهما لامرأةٍ ذات جسمٍ متناسقٍ) وثاني من وصف آثار صبراطة، الرّحالة “فون مالتزان” ووصف المسرح الدائري والتّماثيل والميناء وبعض الأبنية البيزنطيّة المتأخّرة…
وخلال فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911 قرّرت الحكومة الإيطالية تكليف بعثةٍ من كبار المؤرّخين وعلماء الآثار بالبحث عن الآثار الرّومانية بالمدينة مثل غيرها من بقية المُدن اللّيبية، وبدأت الحفائر المُكثّفة بـــ”صبراته” من سنة 1923 إلى 1936، وأدّت إلى اكتشاف وترميم مُعظم مباني وشوارع ومسرح ومدافن المدينة القائمة حتّى الآن و بها المسرح الكبير التي تقام فيه بعض الحفلات الموسيقية دوريا…
و تشتهر مدينة “صبراته” بشاطئ رملي على البحر الأبيض المتوسط تطل عليه غابات الصنوبر والمنتزهات مثل منتزه صبراتة العائلي و حديقة الحيوانات وكذلك ظهرة “بنور” ومنها يستطيع المرءُ رؤية المنطقة بكاملها والمدينة الأثرية أيضا….

2- الحياة الاقتصادية والاجتماعية في “صبراطة”

أ- النشاط الاقتصادي:

في “صبراطة” يوجد سوق “العلالقة”، وهو من أكبر الأسواق في ليبيا ومن مميزات هذا السوق انه مقصد لكل التجار من جميع المناطق الليبية وتونس ومصر حيث تعرض فيه جميع أنواع البضائع ويستمر ليومين كاملين وهما يومي الخميس والجمعة وباعتبار مدينة “صبراتة” مدينة سياحية فان السياح الأجانب لا تفوتهم فرصة زيارة السوق ويحرصون على التسوق منه ومعرفة خصائصه…
و مما ينمي النشاط الاقتصادي بالمدينة أنها تمتاز بشكل عام بالهواء العليل وانخفاض درجة حرارتها وخاصة في فصل الصيف عن المناطق المجاورة لها، مثل “صرمان” و”العجيلات” و “زوارة”، كما أن المدينة تمتاز بانعدام وُجود الغُبار المُثار (“العجاج” و “القبلي”) في أواخر الربيع كباقي المناطق المجاورة مثل “صرمان” و “زوارة” و “العجيلات”…
و يظهر أن طقسها المُميز هو الذي جعل الرُومان وقبلهم “الفينيقيون” يُقررون بنائها في هذا الموقع بالذات، و قد عقدت بها عدة مُؤتمرات على مستوى القمم لجمال طقسها ووجود المرافق السياحية الجيدة بها، وقد أقام المعمرون الطليان العديد من مزارع الزيتون واللوز بها لجودة تُربتها وتوفر المياه الجوفية العذبة بها و هي لا تزال قائمة على الرغم من العبث ببعض منها وتفتيتها إلى قطع أراضي صغيرة لغرض البناء …
و بها تكثُر المطاعم باعتبارها مدينة عُبور من وإلى تونس فيمر بها الذاهب إلى طرابلس والقادم منها في اتجاه الأراضي التونسية… .
وبالمدينة العديد من المراسي البحرية على غرار مرسى “الكابوط” التاريخي أمام المدينة الأثرية والذي نزلت به قوات “جستنيان” البيزنطية لتأديب المتمردين البرابرة، وقد تم تخريبه إثر الفتح الإسلامي لقطع خط الرجعة على فلول الصليبيين، ويوجد بها أيضا مرسى “زواغة” غرب المدينة الأثرية، ويستخدم الآن كمرفأ للصيادين. ويوجد مرافئ آخر شرق المدينة الأثرية، يسمى مرسى “الوادي” وهو أكبر مراسي “صبراته” وأقدمها…

ب – النشاط الرياضي والاجتماعي:
لشباب صبراطة عدد من الأنشطة الاجتماعية والرياضية خاصة وبالمدينة عدد من النوادي الرياضية من بينها:
• نادي الوفاق صبراتة الرياضي الثقافي الاجتماعي.
• نادي صقور العلالقة الرياضي الثقافي الاجتماعي.
• نادي الشاطي الرياضي الثقافي الاجتماعي.
• نادي قاليل الثقافى الرياض.

ج – الصحة:
إضافة لعدد من المشافي والعيادات يُوجد بها “المعهد القومي لعلاج الأورام بصبراتة”و “مستشفى صبراتة المركزي” كما أن العديد من المواطنين في المدينة يزورون باستمرار المستشفيات والعيادات التونسية نظرا لقربها جغرافيا من المدينة على غرار كل الليبيين في الجهة الغربية ….

د – التعليم:

بالمدينة العديد من المدارس والمعاهد وعدد من الكليات، و من أهم الكليات “كلية الهندسة بصبراتة” وهي من الكليات المتميزة علي صعيد كل المدن الليبية إضافة لعدد من المؤسسات التعليمية حيث تُوجد بالمدينة “كلية الآداب بصبراتة” و “كلية العلوم بالعلالقة” و”معهد الصيد البحري”….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق