تحاليلتونس

مدوّنة الجرائم الإعلامية المنظمة في تونس أو قصّة المؤامرات والرؤوس المتساقطة

لطفي حيدوري

لمّا طلعت أوّل صورة في التلفزة التونسية كانت رأسا على عقب. وبقيت وضعية التلفزة من يومها ذاك برمزية الصورة تلك ولم تتغيّر كثيرا”
(1)
قد تكون هذه السيرة الذاتية نجحت في التأريخ للإعلام التونسي بل لحقبة من تاريخ تونس المعاصر كما شهد عليها إعلاميّ. لم يكتف ماهر عبد الرحمن بالتوثيق لشهادته على الإعلام العمومي التونسي بل تجاوزه لتأريخ أبرز الأحدث التي شهدتها البلاد خلال الثلاثين عاما الماضية.
في كتابه “يوميات حامل الميكروفون، تدوينات لأسرار السياسة في كواليس الإعلام، تونس 2015” يتحدث ماهر عبد الرحمن ضمن فصل بعنوان “عالم الجرائم الإعلامية المنظمة” عن المؤامرات والإطاحة بالمسؤولين الإعلاميين داخل التلفزة التونسية مثلما يروي المؤامرات التي أطاحت بوزراء مثل محمد مزالي وسفراء وإطارات عليا ووسيلة زوجة الرئيس ويروي قصة الانقلاب والإعداد لها إعلاميا داخل قصر قرطاج وخارجه. ويروي قصة النضال الفلسطيني في “كباريهات تونس” بعد قدومهم إلى تونس سنة 1982 ويكشف أنّ منظمة التحرير كانت أغنى “دولة” عربية.
ويشير الكاتب إلى أسلوب بن علي الذي توخاه للوصول إلى السلطة ولتبرير الاستبداد بها: “قيل كلام كثير عن ممارسات بن علي الاستخباراتية ومؤامراته التي حاكها لإقناع بورقيبة للوثوق به. تذكر عديد المصادر أنّه لمّا كان وزيرا للداخلية يذهب صباحا لبورقيبة وفي يده قنبلة يدوية أو سلاح ما ليستظهر له به على أنّه تم اكتشافه في عملية مداهمة لدى “إرهابيين”. زادت حظوته لدى بورقيبة الذي كان يكره الإسلاميين بشدّة ويعتبرهم عقبة أمام مشروعه الحضاري”. وعن فزّاعة الإرهاب يروي الكاتب قصة كان شاهدا عليها عندما حاول نظام بن علي عبر مبعوثين من فرقة أمن الدولة توظيف حادثة اعتداء بسلاح أبيض عليه سنة 1986 (يعتقد الكاتب أنّها مدبّرة من أجهزة الداخلية لترهيبه) لاتهام الإسلاميين بها وذلك بعد مرور أكثر من 15 سنة عن الواقعة. يقول ماهر عبد الرحمن: “تساءلت في نفسي كم عملية تورط فيها الإسلاميون حقيقة وكم عملية قامت بها مخابرات الداخلية لإلصاقها بهم؟ لم يبق لي شكّ أنّ جزءًا من الإرهاب المسمّى بالتطرف الديني كان من صنيعة أجهزة بن علي نفسه، وقد يكون بعضها خرج عن السيطرة لاحقا”.
(2)
ويروي الكاتب كيف كان يرى منذ بداية مسيرته المهنيّة في مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، تساقط الرؤوس كلّما سقط حاميها وتصعد رؤوس أخرى لتسقط هي الأخرى بعد كل تغيير في السلطة. “كانت المؤامرات والدسائس عديدة ومتكررة.. لا أحد يتعظ من كبوات سابقيه في لهثهم على المناصب فيعيدون ارتكاب الأخطاء نفسها وبالأساليب نفسها أحيانا”.
وينقل ماهر عبد الرحمن قصص الرقابة في المؤسسة وتداخل الفاعلين فيها وكيف طالته الرقابة حتى خلال عمله في MBC بلندن وكيف تدخل النظام التونسي لمنع حوار مع راشد الغنوشي.
وعن دهاليز التلفزة وصحفييها طرق أيضا باب مغامرات بن علي العاطفية في القصر وارتباطه بمذيعات في التلفزة بترتيب من “مستشار العلاقات الحميمية” صاحب البرنامج الإذاعي الأكثر كرها أثناء حكم بورقيبة والذي شارك في ما بعد في انقلاب 7 نوفمبر مشرفا على إذاعة “بيان السابع”. وتحدث الكاتب عن مذيعة ارتبطت ببن علي حتى لفظها ووصفها بالمختلّة. وكان الدور أيضا على صحفيّة طلقت زوجها وأصبحت على صلة “بالمستشار الوسيط” وأصابتها لاحقا حالة انهيار عصبي شبيهة بما حصل لزميلتها المذيعة فاستقالت من عملها وغادرت المؤسسة..
وإذا كان عدد من المتابعين اليوم يشير إلى هيمنة رجل الأعمال كمال لطيف على جزء من الإعلام التونسي، يؤكّد ماهر عبد الرحمن أنّ للطيف يد طولى منذ عشرات السنين. ويروي كيف حاول صاحب أكبر برنامج دعائي لبورقيبة “التنمية الريفية” استقطابه تحت ظلّ كمال لطيف بعد تعيينه رئيس تحرير بالتلفزة الوطنية: “ردّ بحالة ضغط عصبيّ شديد وعلى عجل: كلّم الرجل كلّم الرجل.. تخيّلت من حالة الاحتقان التي كان عليها أنّه بن علي.. أجابني الشخص على الهاتف أنّه على يقين أنّني سأكون في مستوى المهمّة (..) سألته عن الرجل الغامض في التلفون قال: إنّه سي كمال اللطيف.. ألا تعرف من هو سي كمال؟ ألا تعرف أنّه هو الذي يعيّن ويعزل الوزراء؟”.
وتحدث الكاتب عن الصحافيين المأجورين الذين لم يكتفوا بأموال الحزب الحاكم وقصر الرئاسة ووكالة الاتصال الخارجي بل امتدّ طمعهم إلى دول الخليج وإلى الدول المنسوبة إلى “القومية والممانعة”، من ذلك أنّ بعض الصحافيين الذين تخصصوا في الدفاع عن نظام صدّام حسين امتلكوا سيارات فخمة مثل سيارات الوزراء ولم يبلغوا سن الثلاثين عاما.
وقد يتساءل الصحافيون الشبان وخاصة في القطاع السمعي البصري العمومي، قرّاء هذا الكتاب، أيّ جيل نكد ورثنا عنه المهنة؟ ويلخص ماهر عبد الرحمن أزمة الإعلام العمومي اليوم بصورة ساخرة: “لمّا طلعت أوّل صورة في التلفزة التونسية كانت رأسا على عقب. وبقيت وضعية التلفزة من يومها ذاك برمزية الصورة تلك. ولم تتغيّر كثيرا، لا في طرق عملها ولا في التصرّف المالي والبشري بها”.
ويشير ماهر عبد الرحمن إلى أنّه عندما تعفنت الأوضاع المهنية داخل التلفزة التونسية وقبل أن يهمّ بالرحيل إلى مؤسسة عربية في لندن فكّر في الاتجاه نحو الصحافة المكتوبة ولكن “كانت الصحافة المكتوبة من التعاسة بدرجة لا يمكن لي معها أن أندمج فيها”.
(3)
ولا يخفي الكاتب خيبة أمله عندما قتلت ثورة الحريات الإعلام، وينتقد بشدّة عمل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ويلخّص ما آل إليه وضعها قائلا: “سقطت الهيئة في تناقض مع كراسات الشروط التي وضعتها.. أعادت منح ترخيص لقناة “تلفزة تي في” في اليوم نفسه الذي أعلن مدير القناة عن عدم قدرة القناة على مجابهة مصاريفها. وأكّدت الهيئة ترخيص قناة “الحوار التونسي” بعد أن باعها لفرد من مجموعة “كاكتيس” الذين كان يحاربهم في السابق بسبب الفساد ولم تحرك الهيئة ساكنا لتعترض على أن الترخيص هو باسم المالك ولا يمكن نقله دون موافقتها. ولم تحرك ساكنا إزار انتقال ملكية قنوات تونسية إلى رؤوس أموال أجنبية بما يتعارض مع القوانين.. وأفشلت تدخلات الاتحاد العام التونسي للشغل فرض كراريس الشروط على قناتي “حنبعل” و”نسمة” الحاصلتين على تراخيص البث من عهد ابن علي.
(4)
في أحد فصول الكتاب يتحدث ماهر عبد الرحمن عن التغيّرات التي شهدها المجتمع التونسي وعاينها عند عوته النهائية من لندن بداية العام 2000. يسوق الكاتب ملاحظات دقيقة عن التحوّلات التي طرأت على التونسيين خلال عشرية كاملة غاب خلالها عن البلاد.
ما قاله الكاتب ورد بصيغة ملاحظات عالم اجتماع، لا نبالغ إن قلنا إنّه وصف حالة لا نزال نعيشها. وتدحض ملاحظات ماهر عبد الرحمن أقاويل كثير من الإعلاميين بل والسياسيين أنّ الثورة هي التي تسببت في ظهور القيم السلبية في مجتمعنا، فعلى العكس يمكن القول إنّ الثورة فشلت في محو القيم والأخلاقيات التي ورثتها تونس عن عشريتين سوداوين.. “تغيّرت أخلاقيات أهلها (تونس) كثيرا في ظرف عقد من الزمن، انهارت القيم وسقط تقديس الفضائل والأخلاق، لم يعد النجاح للأفضل، بل لفئة جديدة لم أكن أعرفها من السماسرة واللاهثين على الربح السريع. انتهى تمجيد العمل والعلم، وأصبح العامة يريدون أن يكونوا مثل الطرابلسية الذين اختصروا طريق الثراء والسلطة رغم مستوياتهم التعليمية المتدنية. لم يعد الكريم كريما ولا العالم محترما. أصبح نظيف اليد في البلاد يوصف بالأبله، ورافض الفشاد بأنّه لا يفقه في أصول الأعمال. ولّى الزمن الذي كان يشار فيه بالبنان للمرتشين والفاسدين. أصبح هؤلاء سادة القوم في البلاد”.

المصدر : الضمير، السبت 17 أكتوبر 2015، العدد 777

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق