تقاريرتونس

في ندوة فكرية عن التيار القومي في تونس: وعي بالتشتّت وحلم بتجاوز عثرات الماضي

 محمد ضيف الله:

        

            انتظمت يوم السبت 9 أفريل 2016 بتونس العاصمة ندوة فكرية تحت عنوان “التيار القومي في تونس: الواقع والآفاق”، نظمتها “مجلّة البناء الاستراتيجي”، وقد حضرها مجموعة من المفكرين والباحثين وبعض القيادات في أحزاب قومية تونسية.

وأدار هذه الندوة مدير المجلة المنظّمة “علي اللافي”، وإستهلها الدكتور ”توفيق المديني” بمداخلة بعنوان “مستقبل المشروع القومي في تونس” تعرض فيها إلى واقع هذه التيارات وما تعرفه من تشتت وفرقة وصعوبات في التأقلم مع الحاضر بسبب الإرث التاريخي، مشيرا إلى هزائمه المتتالية، مشخصا لنقائصه المتعددة.

وقد عقب على مداخلته الأستاذ “زهير الجويني”، متفاعلا معها، مشيرا إلى أنها أصابت في أشياء وبالغت في أخرى، مشددا على أن تلك التيارات قد تعرضت إلى مؤامرات كبيرة استهدفتها وعرقلتها وهو ما حال دونها ودون الانجازات خاصة اقتصاديا واجتماعيا، مؤكدا على ضرورة إحياء التجربة القومية ولمّ شمل مختلف التيارات القومية على مشروع واحد.

ليأخذ بعدها الأستاذ ”محمد الصادق بن عمر” الكلمة بمداخلة تحت عنوان “البعث واقعه وآفاقه في القطر التونسي” والتي تعرض فيها إلى تاريخ البعث في تونس، والذي يعد حسب قوله ثالث حزب عرفته تونس منذ نهاية الأربعينيات إلى جانب الحزب الدستوري التونسي والحزب الشيوعي، وقد عرف من وقتها إلى اليوم أربعة مراحل هي التبشير، فمرحلة الظهور السياسي ثم مرحلة التنظيم والهيكلة وأخيرا مرحلة التأطير والتكوين.

 وأشار إلى أن تأخر الإعلان عن الحزب 6 عقود كان بسبب الواقع القطري والواقع القومي العام الذي بني على شيطنة الفكر القومي وقمعه وحجر نشاطه.

وختم بالقول أن البعثيين مازالوا يعيشون هذا الحجر إلى الآن، فظهورهم في المشهد الإعلامي إلى اليوم منعدم.

العلاقة بين القوميين والماركسيين:

 أمّا الأستاذ “عثمان بالحاج عمر” فقد تحدث في مداخلته عن علاقة اليسار الماركسي بالقوميين العرب في تونس بالإشارة إلى أن هذا الموضوع هام جدا وأنه على القوميين اليوم التحاور والتباحث دون أي استعجال للوصول إلى هدف الوحدة والتجمع على مشروع واحد. كما أكد أن العلاقات لم تكن متباعدة، أما عن اليسار فقد كان ضد القوميين خاصة في ما حدث بين بورقيبة وبن يوسف حيث انتصروا إلى الأول وحمّلوا بن يوسف كل المسؤولية ونعتوه بنعوت مشينة، وأيضا اللنينية والماركسية التي وقفت ضد العروبة وخاصة ضد اللغة العربية التي تم إفتكاك اعتمادها بفارق صوت واحد.

 إلا انه في ما بعد جاء مجموعة من الماركسيين الجدد خاصة ذوي التوجهات الماويّة  “الشعلة وفي ما بعد الوطديون” والذين فتحوا باب تقارب مع القوميين خاصة وان هذا اليسار هو الغالب الآن، وقد اتفقنا معهم في نفس المواقف في عديد القضايا الكبرى منها قضية فلسطين وصياغة لائحة 1988 تخص الصراع العربي الصهيوني، وأيضا وجودنا اليوم في الجبهة والالتقاء في عدة مواضيع.

أما عن المستقبل فقال انه لابد من إبعاد الخلافات وفتح آفاق حوار قوي وجاد من اجل خلق مشروع موحد في ما بيننا أولا ثم يأتي النظر في النقاش مع الأطراف “الأصولية” أي الإسلاميين.

تطور الحراك القومي الديمقراطي في تونس :

وبعد ذلك تدخل الأستاذ ”عمر الماجري” الذي تحدث عن تطور الحراك القومي الديمقراطي في تونس، وركز على أسباب ضعف الأداء السياسي للقوميين، حيث أشار إلى دور الصراعات التي قادها هؤلاء ليكون أول صراع لهم مع التيار البورقيبي، في 1955 ورفض بن يوسف للاستقلال المعروض وقتها. ومن ثمة بني العداء الكبير بين بورقيبة والتيار القومي وتعرضوا لشتى أنواع القمع والهرسلة.

وأضاف الأستاذ الماجري أن التيارات القومية في تونس تأثرت أيضا بمحيطها العربي خاصة بعد هزائم الناصرية في 1967 والتي هزت الأمة وشكلت منعرجا كبيرا في تاريخ القومية. أما عن مستقبل هذه التيارات فلابد من بناء أسس جديدة ومشاريع أخرى مختلفة دون القطع مع الجيد من تلك التجارب المنتهية واعتمادها كأرضية للانطلاق.

الاشتراك بين الجميع في بناء الوطن:

أما الأستاذ ”عبد العزيز التميمي” فقد أشار في مداخلته المعنونة ب “أي علاقة بين القوميين والإسلاميين؟” مشيرا إلى أن أهم ما يجب أن يقال هو أن القومية هي جزء من الجميع بشتى الاختلافات الفكرية، فكلنا قوميون بطبعنا، أما القوميون اليوم فإنهم يتحدثون في توصيف مشاكلهم عن شيطنة الإسلاميين والى درجة التملص من الحديث عن الإسلام في بعض الأحيان.

وأضاف التميمي أنه لابد اليوم من الاشتراك في بناء الأوطان وتحصينها من الاستعمار وتأسيسها على التكامل بعيدا عن المشاحنات والتقاتل وخوض المعارك الفكرية بكل ديمقراطية وبكل وطنية، وفي تلازم تام بين الوطنية والديمقراطية .

وعقب على المداخلتين مشارك من الشقيقة ليبيا والذي أشار إلى أن سبب عدم نجاح التيارات القومية هو تعرضها لعراقيل كبيرة من مختلف الأطراف الداخلية والخارجية منعتها من التقدم والعمل.

وقد كانت مداخلة الطالب شريف الزيتوني في ختام الندوة حول مختلف مسارات التيارات القومية خاصة منها التيار الناصري.

تصريحات على هامش الندوة:

المجلة فكرية سياسية تقف على نفس المسافة مع كل الأطراف:

 في تصريح للفجر أشار مدير مجلة البناء الاستراتيجي علي اللافي” إلى أنها مجلة فكرية سياسية تم بعثها من أجل رصد النشاط الفكري والسياسي في تونس وهو نشاط مغيب في وسائل الإعلام التونسية، والغاية منها هو خلق أسلوب جديد في متابعة الأنشطة الفكرية والسياسية.

 وقال: هذه المجلة ستصدر مرة كل شهرين في بدايتها ثم ستصبح شهريّة وسيصدر العدد الأول في غرّة جوان القادم،  وستنعقد ندوة كلّ شهر ويكون مضمونها في كل عدد.

وسنحاول إرساء هذا التقليد من أجل إحاطة الرأي العام الوطني بالمستجدات الفكرية والسياسية في تونس وفي المغرب العربي والغاية هي تعويد الشباب التونسي والنخب الجديدة على التحاور والتناقش من أجل دعم الجميع ودعم مسار التحول الديمقراطي وهو مسار طويل  لا يمكن بناءه سياسيا فقط أو نقابيا فقط، بل يجب أن يكون متعدد المجالات ومتعدد الزوايا.

أما عن اختيار موضوع القوميين العرب في هذه الندوة فأشار علي اللاّفي إلى أنّه تم تغييب هذه التيارات في المشهد السياسي والإعلامي الحالي، فالظهور بقي مقتصرا على اليسار والدستوريين والإسلاميين دون التيار القومي الذي يتحمل هو نفسه مسؤولية تغييبه.

هذا التغييب أو الغياب أوجدته ظروف موضوعية وذاتية وبالتالي يجب أن يسعى أن يكون حاضرا، كما أننا كإدارة للمجلة رأينا أنه من الحكمة في تونس أن لا تبدأ من اليسار ولا من اليمين حتى لا تحسب على أحد الطرفين، فالمجلة فكرية سياسية تقف على نفس المسافة مع كل الأطراف.

مشروع قومي ديمقراطي تعددي:

وفي حديثه للفجر قال الدكتور “توفيق المديني” أن هذه الندوة هي محاولة جادة ومسؤولة في إدارة حوار موضوعي بين تيارات قومية وفي نقد هذه التيارات وفي بلورة مشروع مستقبلي لها داخل البلاد التونسية لاسيما أن تونس بلد عروبي بامتياز وفي نفس الوقت هويتها عربية إسلامية، وهي تندرج في نطاق ما يشهده العالم العربي من إستراتيجية تفكيكيّة للدول الوطنية على أساس مذهبي وعرقي وطائفي.

وأكد أيضا أنه مادامت تونس على الأقل هي الاستثناء كما يراد له أن يكون متميزا يجب أن تضطلع بدورها الحقيقي على المستوى الإقليمي وعلى مستوى فكري وثقافي لكي تجسد مشروعا حقيقيا للمستقبل، بمختلف التيارات ومن هذا المشروع هو بلورة مشروع قومي ديمقراطي تعددي يتفاعل مع بقية التيارات الأخرى.

إعادة التفكير في الواقع بطرق جديدة:

من جهته قال الأستاذ ‘عبد العزيز التميمي” في حديثه للفجر أن مثل هذه الندوات ضرورية وهي فرصة جيدة ومهمة، فكل جدل وكل صراع ديمقراطي من أجل النهوض بشعبنا وبلادنا هو فتح لمفاعيل الوعي التي من الممكن أن تحدث قفزة وتحولات في واقعنا.

وأما عن القومية فهي يجب أن تكون أجندة لكل الوطن العربي بإسلاميتها وليبيراليتها ، وعلى التيار القومي اليوم عوض التباكي على الماضي وعلى زعماء رحلوا وترديد ما  قدموا من أشياء ايجابية، أن ينطلقوا في بناء أفكار جديدة تقف على ما ارتكبه هؤلاء من ثغرات وما كان لهم من سلبيات كثيرة.

على هذه التيارات اليوم البحث عن كيفية إعادة التفكير في الواقع بطرق جديدة تتجاوز هزائم وأخطاء الماضي ونقاط ضعفه وتنسجم مع تحديات الوضع الراهن خاصة في ظل هذه العولمة التي تفكك العالم ولا توحده كالكونية التي هي مختلفة عنها.

وأضاف: لابد من البحث عن التحرر الوطني الصحيح والتحرر الاجتماعي والتحرر الفكري من الأشياء المطلوبة في إطار الكونية وهذه هي مهام التيارات السياسية بمختلف مشاربها قومية إسلامية ويسارية وماركسية وبشكل مشترك تحت مسمى أنهم أبناء وطن واحد لا تفرقهم المسارات، ويكفينا جدار الصهيونية في غزة على أن نجعل جدرا بيننا نقفل معه أبواب التواصل و نسدها بإكراهات وعوائق تحاصرنا.

السؤال الحقيقي: هل سيكون وجود القوميين مؤثرا في المشهد التونسي؟

تحدث للفجر الطالب ”شريف الزيتوني” مشيرا إلى أن هذه الندوة الفكرية هي فرصة لمختلف هذه التنظيمات أن تلتقي وتتدارس أوضاعها وتنظر في أخطاء الماضي وتبني من خلالها وتأسس لمستقبل جيد، ونطمح دوما إلى تكرار مثل هذه الندوات والملتقيات الهامة.

أما عن التيار القومي في تونس فأشار الزيتوني أن هذا التيار وجد في الماضي وهو موجود في الحاضر وسيبقى موجودا في المستقبل لكن السؤال الحقيقي المطروح هو هل سيكون هذا الوجود مؤثرا و له دور كبير  في المشهد التونسي؟ وهل هو قادر على تأسيس كتلة موحدة تفتح آفاق حياة سياسية فاعلة  في تونس مستقبلا.

 

   المصدر: أسبوعية الفجر العدد 258 السنة السادسة –  15 أفريل 2016

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق