تونسدراسات

تطوّر العلاقة التاريخية بين “الدساترة” والتيّار الإسلامي قبل وبعد الثورة (2 من 10)

Résultat de recherche d'images pour "‫تونس‬‎"

علي عبد اللطيف اللافي:

 

  • تمهيد:

        مثلما أكدنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، أنه لا خلاف أن الدستوريون هم من قادوا الحركة الوطنية و بنوا المنظمات الوطنية ولكن من الإجحاف إنكار دور الشيوعيين خاصة بعد تونسة الحزب بداية من سنة 1937 بعد أن كان مجرد فرع للحزب الشيوعي الفرنسي ( فهم أول من أسس “جامعة الصنايعية وصغار التجار بالقطر التونسي”)، إضافة للدور المحوري للتيار الديني في خوض معركة التحرير الوطني وبناء هياكلها بل وتأسيسها وأنه كان النواة الباعثة والفاعلة في بداية القرن الماضي ولكن بتماه كامل مع تأثيرات حركة الإصلاح وبدعم وتفاعل متبادل مع النواة الأولى للحركة النقابية التونسية ووفقا لمؤثرات الحداثة، واستلهاما  لمؤثرات  الليبرالية المعاصرة وبعدها التحرري أنذاك ونتناول في هذه الحلقة  موقع التيار الديني من الصراع اليوسفي البورقيبي…

الحلقة الثانية:

التيّار الديني وموقعه من الصراع اليوسفي – البورقيبي (1955-1962):

1- طبيعة الصراع اليوسفي البورقيبي:

           يعتبر الصراع بين جناحي الحزب الدستوري الجديد والذي عرف بالصراع اليوسفي البورقيبي، أي بين رئيس الحزب الحبيب بورقيبة ( والذي خلف محمود الماطري بعد انسحابه، وهو الانسحاب الّذي لم تُسلط عليه الأضواء إلى حد الآن)، من اشد القضايا حساسية في تاريخ تونس المعاصر، بل أن النظامين البورقيبي و النوفمبري مارسا الرقابة على كل من يقترب من الموضوع وتفاصيله رغم بعض المحاولات في 1988 مما أوجد شحا كبيرا في الدراسات والبحوث حول فترة الصراع وخاصة بين سنتي 1955 و 1957، وبالتالي يصعب تحديد طبيعة التشكلات داخل المحورين، إضافة إلى منع الندوات الخاصة حول الموضوع كما تمت عمليات ترهيب واحتواء لكل من يقترب من الموضوع….

أمّا من حيث طبيعة ذلك الصراع وفلسفته فقد كانت في البداية حول توخي المرحلية في الحصول على الاستقلال ثم أصبح صراعا إيديولوجيا( يدعي الحداثة وركوب موجة التقدم والعقلانية في المواقف السياسية)  بين التيارين الفرنكفوني والتيار العروبي الإسلامي ( متبنيا الفكر القومي العربي وعلاقة متينة مع النظام الناصري في مصر)…

وعمليا وقف أغلب مناضلي الحزب من ولايات الساحل مع بورقيبة  بينما وقفت أغلب الشعب والجامعات في ولايات الجنوب وخاصة الجنوب الشرقي مع تيار الأمانة العامة بقيادة بن يوسف و مع حسم الصراع لصالح شق بورقيبة، تراجع أغلب مناصري الحركة اليوسفية ليصبحوا مقربين من بورقيبة على غرار: “عبد الرحمان بوعواجة” و”الباهي الأدغم” و”المنجي سليم” و”البشير قريصيعة” وآخرين ….           

2- مكونات الحركة اليوسفية:

             من الواضح من خلال دراسة تلك المرحلة من تاريخ تونس المعاصر ومن خلال استقراء طبيعة ذلك الصراع أن “الحساسيات والشخصيات التي انخرطت في الحركة اليوسفية المعارضة لاتفاقيات الاستقلال الداخلي لم تعلن كلها انتماءها أو ولاءها لشخص صالح بن يوسف الذي كان يشغل يومها منصب “الأمين العام للحزب الدستوري الجديد”، بل تتفق فحسب على رفض تلك الاتفاقيات معتبرة إياها دون المأمول بما أنها لا تُحقق الاستقلال التام ولا تقطع مع فرنسا وتقر بالوجود الأمني والعسكري وتضمن المصالح الفرنسية في تونس لآجال معينة أو إلى ما لا نهاية له…”[1]

وعمليا ضمّت الحركة اليوسفية :

  • أ- أنصار تيّار الأمانة العامة: أي أتباع صالح بن يوسف والقريبين منه فكريا وإيديولوجيا أي من كان معه في الوزارة وبعض العروبيين المتأثرين بالفكر القومي أي الذين درسوا في المشرق العربي وخاصة في مصر وسوريا والعراق…
  • ب- أنصار الحزب الدستوري القديم: وهم الرافضين لأي مرحلية والمتشبثين بالاستقلال التام ودون تأجيل وهو الذين كان بورقيبة قد أطلق عليهم تسمية “الغرانطة”.
  • ت- عناصر أخرى من قواعد النظام القديم من دوائر العائلة المالكة المتخوفة على مستقبلها من قيادات دستورية : لم تخف ميولاتها الجمهورية عكس غريمها صالح بن يوسف الذي كان قبل اندلاع الانشقاق وخاصة في خضمه يكرر ولاءه للباي والأوساط المحافظة التي كانت تتخوف من الخطاب العصري واللائكي لبورقيبة وأتباعه.
  • ث – فريق من الزيتونيين: ورغم خلافهم مع صالح بن يوسف أثناء فترة نشاطهم في التيار الطلابي صوت الطالب الزيتوني حول بناء بعض المنظمات أو في عدد من القضايا الوطنية الأخرى، وهنا لابد من التأكيد أن كثير من الزواتنة لم ينتبهوا لطبيعة شخصية بورقيبة وتوجهاته ومشروعه فوقفوا معه في البداية ومنهم من انتبه مبكرا كالشيخ محمد صالح النيفر وآخرين ومنهم من لم يع ذلك إلا في وسط الستينات عندما استهدف بورقيبة الزيتونة والثقافة الدينية الإسلامية، وقد التحق بناء على ذلك الشيخ أحمد لزرق بالحركة اليوسفية وناصرها وهو الذي انتمى لاحقا للجماعة الإسلامية في نهاية الستينات…
  • 3- البُعد الديني في توجهات صالح بن يوسف:

            لقد كان “بن يوسف”، صاحب تجربة سياسية كبيرة قبل دخوله في غمار رفض الاتفاقيات وخوض الصراع مع بورقيبة فليس من باب الصدفة أن يختار بن يوسف الجامع الأعظم ليخطب فيه يوم 7 أكتوبر 1955 لحشد الأنصار[2]، وتأليب الرأي العام ضد حكومة الاستقلال الداخلي، وضد أتباع بورقيبة، كما أن حضور عناصر من تلك الشرائح المحافظة إلى جانب بن يوسف في التجمع الكبير الذي نظمه في 18 نوفمبر 1955 بملعب «جيو اندري» (الشاذلي زويتن) والذي دعا فيه للعودة إلى المقاومة المسلحة لا يدع مجالا للشك في وجود هذا التحالف.

  • رسخ التشدد الذي جابهت به حكومة الاستقلال الداخلي المعارضةاليوسفية (منع الاجتماعات والاغتيالات والاعتقالات) لدى العناصر الموالية لبن يوسف القناعة بضرورة العودة للمقاومة المسلحة لتحقيق غاياتها المتمثلة في مراجعة الاتفاقيات المبرمة وفرض الاستقلال التام والفوز بالسلطة، وكون اليوسفيون في هذه الفترة منظمة شبه عسكرية تعرف بالجبهة المضادة. كما تكونت لنفس الغرض منظمة أخرى كان هدفها الترهيب والدفاع عن الذات يشرف عليها احد المقاومين السابقين هو رضا بن عمار.
  • أصر بن يوسف على تجمع حاشد في القيروان بالقرب من جامع عقبة وقد ضم اجتماعه آلاف من الحاضرين في حين لم يحضر اجتماع بورقيبة الموازي إلا قلة قليلة لا تتجاوز ثلاثين فردا…
  • 4- الحركة اليوسفية وخيار المواجهة:

         لعل سرعة تحرك السلطة الجديدة مدعومة بميليشيات كونها “البورقيبيون” لملاحقة الخصوم والقضاء عليهم هي التي حدت من النشاط اليوسفي في الوسط الحضري لينكفئ نحو الأرياف وخاصة الجبلية منها حيث أنشئت وحدات عسكرية تنتمي إلى ما يسمى بجيش التحرير الوطني.
ويرى الأستاذ عميرة علية الصغير مثلا أن موقف صالح بن يوسف تغير تجاه مبدأ الاعتماد على العنف المسلح في خضم الصراع مع بورقيبة وبالتحديد بعد عودته من مصر إلى تونس في سبتمبر 1955 وليس قبل ذلك، فقد كان بن يوسف يرفض العمل المسلح في السنوات السابقة لخلافه مع بورقيبة، لكن تطوّر الأحداث وانحياز فرنسا إلى خصمه دفع بن يوسف إلى تغيير إستراتيجيته تحت تأثير الناصرية والثورة الجزائرية (نوفمبر 1954)…

أما القادة العسكريين للحركة اليوسفية كالطاهر لسود وحسين التريكي فكانوا يعتقدون أن السياسيين أمثال بورقيبة وبن يوسف لم يكونوا في مستوى المقاومة المسلحة وكانت تتحكم فيهم الانتهازية السياسية للوصول إلى السلطة.

 و عمليا كانت صائفة 1956 نهاية لجيش التحرير الوطني التونسي بعد التدخل الحاسم للقوات الفرنسية التي حطمت اغلب العناصر المقاتلة واستسلم البعض فيما انضم القلة إلى صف وحدات جيش التحرير الجزائري وذلك بعد أن انتهى غرض وجوده أصلا منذ إمضاء وثيقة الاستقلال التام وبعد أن أصر بورقيبة إلى جمع السلاح وبعث العديد من المقربين منه من الإشراف على ذلك ومن بينهم الرئيس الحالي “الباجي قائد السبسي” والذي ذهب إلى الشعانبي وسبيطلة لجمع سلاح المقاومين، في حين قضت الاعتقالات والتتبعات (1200 شخص تقريبا) إضافة إلى المحاكمات السياسية (1956 إلى 1959) على بقية عناصره الرافضة للاستسلام، وكان استسلام الطاهر لسود نفسه في 3 جويلية 1956 إيذانا فعليا وواقعيا بنهاية البُعد المسلح وهو ما عنى عمليا أن بورقيبة انتصر على خصومه وانه سيتجه إلى بسط نفوذه وهو ما يعني أنه سيسلك مسلك وتمش سيؤدي إلى حظر الأحزاب وضرب الزواتنة بمن فيهم من وقفوا معه وأنه سيعمد أيضا إلى إغلاق جامع الزيتونة المعمور كمؤسسة تعليمية …

وهو ما أدّى عمليا بعد ذلك إلى تحالف مكونات عدة من التحضير إلى محاولة الانقلاب عليه، والتي شارك فيها بعض من وقف معه سابقا على غرار لزهر الشرايطي وبعض أساتذة الزيتونة على غرار أحمد الرحموني ( فرع تالة) وبعض قادة الحركة اليوسفية ( الشيخ العكرمي والمسطاري بن سعيد وعزالدين الشريف وآخرين) وهي المحاولة التي تفطن إليها بورقيبة وأعدم أغلب قادتها في جانفي 1963 بعد محاكمة أقرب للصورية…  

5- الخلاصة:

           مع  هزيمة المعارضة اليوسفية دخلت تونس بداية الستينات مرحلة جديدة اتسمت بهيمنة نظام الحزب  الواحد، والفكر الواحد، والرأي الواحد، وأصبح بورقيبة محور كل الأحداث  فألغيت المظاهر  الديمقراطية على بساطة ما كان موجودا أنذاك  وقُمعت حرية الصحافة، وأغلقت صحف المعارضة، بل والتجأ النظام إلـى استخدام الإغراءات،  و إلى اعتماد أساليب الإرهاب والمطاردة والتصفية الجسدية، التي كان الزعيم  صالح بن يوسف أول ضحاياها، حيث تم اغتياله على يد  البشير زرق  العيون وعبد الله الورداني، وذلك في مدينة فرانكفورت بألمانيا الغربية عام 1961.
وعمليا لم يكن هناك وعي كبير لدى رواد التيار الديني لفهم طبيعة ذلك الصراع بين بورقيبة بن يوسف وأن فهمهم لذلك الصراع تأخر وجاء في اللحظات الأخيرة له بعد أن أصبحت نتيجة المعركة محسومة وقد حاول الزواتنة تدارك ذلك في محاولة 1962 إلا أن آمالها كان كما بينا الانكشاف وما تلاها من محاكمة غير عادلة وأحكام قاسية وانتقامية وهي النتيجة التي فتحت لبورقيبة توخي سياسية انتقامية وتصفية للشأن الديني لاحقا بل أنه وعند لقائه بأحد قيادات الأخوان قال أن الإخوان جنة أمام ما اسماه “دروشة وتخلف الزواتنة”… [3]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1]   محاضرة الأستاذ عميرة علية الصغير  في المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية …

[2]   للاطلاع على نص الخطاب أنظر العدد الثاني من نشرية “الخبر الإسلامي” – نوفمبر 2012 ، وهي نشرية أصدرتها وزارة الشؤون الدينية إبان فترة الوزير نورالدين الخادمي ( ديسمبر 2011 – جانفي 2014)…

[3]  كان ذلك اثر لقائه مع صلاح الشاوي أحد قيادات الأخوان والذي عرفه بورقيبة عند إقامته في مصر، وجاء الشاوي إلى تونس للوساطة بين بورقيبة وقيادات الاتجاه الإسلامي في الثمانينات…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق