تحاليلتونس

تونس: «حرب» الجباية في تونس

 

Résultat de recherche d'images pour "‫«حرب» الجباية في تونس‬‎"

 

:

 

     شهدنا في تونس بعد الثورة «حروبا» كثيرة جلّها تعلق بالهوية وبنمط المجتمع ثم بطبيعة النظام السياسي والتحالفات الحزبية والآن دخلنا لأول مرة في ما يمكن أن نسميه بحرب الجباية التي اندلعت مع إعلان الحكومة الجديدة لتصوراتها الأولية حول تحقيق التوازنات المالية الكبرى لسنة 2017 وتفاقمت الآن بعد إيداع مشروع قانون المالية لدى مجلس نواب الشعب…

مع اتحاد الشغل الخلاف كان من صنف آخر، إذ تعلق أساسا بإعلان الحكومة من طرف واحد تأجيل الزيادة في الأجور وأيضا في ما يتعلق بالتقاسم العادل للأعباء بواسطة الجباية وهذا ما تريد المنظمة الشغيلة أن تسعى إليه الحكومة الحالية بصفة جدية…

أما «حرب» الجباية الفعلية فقد أعلنتها يوم أول أمس الهيئة الوطنية للمحامين عبر بيان ناري وصفت فيه مشروع قانون المالية باللاوطني واللادستوري وأنه يستهدف الفئات الضعيفة ويمسّ من استقلالية المحاماة ولذا رفضته رفضا قطعيا ونهائيا ودعت منظوريها إلى يوم غضب وإضراب عام عن العمل غدا الجمعة 21 أكتوبر كما طالبت العمادة «جميع الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والهيئات المهنية إلى توحيد الجهود للتصدي لهذا المشروع الخطير وعواقبه الوخيمة على السلم الاجتماعي»..

ولكن عندما نعود إلى الفصل 31 من مشروع قانون المالية ونقرؤه بصفة متمعّنة مرارا وتكرارا لا نجد ما يبرر هذه النعوت المشطّة التي أوردنا بعضها من بيان الهيئة الوطنية للمحامين…

لا بد أن نذكر بداية بأنه لم يفرض أي معلوم إضافي على مهنة المحاماة.. وأن الفلسفة العامة تبقى هي نفسها… في نهاية كل سنة جبائية يقوم المحامي أو شركة المحاماة – ككل المطالبين بالضريبة في البلاد – بالتصريح على الدخل يضع فيه رقم أعماله ويطرح منه كل الأعباء التي يقوم بها ثم يدفع على ربحه الصافي الضريبة على الدخل وفق النسب الوطنية العامة المفروضة على المواطنين…

كل هذا مع وضع سقف 150.000 دينار لرقم المعاملات تكون دونه المحاسبة مبسطة وفوقه الالتزام بمسك محاسبة فعلية.

الجديد هنا فقط – وهذا اقتراح من هيئة المحامين ذاتها – هو فرض طابع جبائي يقترح مشروع الحكومة أن يكون من أصناف ثلاثة عشرون وأربعون وستون دينارا حسب طبيعة القضايا والمحاكم ذات النظر وتكون هذه الطوابع بمثابة تسبقة على الضرائب المستوجبة على المحامي…

فأين هو التعدي على مهنة المحاماة وأين هو المساس من استقلاليتها؟!

الموضوع الأساسي والذي ينبغي أن يناقش دون عدائية من أحد أو استهداف أيّة مهنة أو فئة من المواطنين هو: ما هي الضريبة المناسبة للمهن الحرة غير التجارية (محاماة، طب… هندسة معمارية وغيرها..)؟ هل هي الضريبة على الدخل بعد طرح كل المصاريف كما يطبق ذلك على الأجراء والتي تصل نسبتها القصوى إلى 35% للدخل الزائد عن 50.000 دينار سنويا أم الضريبة على الشركات ونسبتها الحالية (دوما على الربح الصافي) هي 25%؟ أم تخضع المهن الحرة غير التجارية إلى نسبة ضريبة خاصة قد تكون دون ذلك ولكن دون الإخلال بمبدإ عام وهو الإنصاف بين كل دافعي الضرائب وفق الفصل العاشر من الدستور «أداء الضريبة وتحمّل التكاليف العامة واجب وفق نظام عادل ومنصف»؟

لِمَ دفع البلاد نحو صراع إيديولوجي سياسي يستعمل أسلحة الكلمات الفتّاكة في حين أن الأمر يتعلق فقط إما بتطبيق القانون الحالي للبلاد على مهنة نجلّها ونحترمها ولكن لا يمكن أن نضعها فوق القانون أو خارج سياقاته أو نقاش جدي حول إيجاد نظام ضريبي يراعي خصوصيات المهنة دون أن يمسّ بالمبدإ العام وهو الإنصاف في دفع الضريبة والقطع النهائي مع كل تهرب ضريبي كلي أو جزئي..

لا يمكننا ألا نذكّر بالأرقام التي قدّمتها هيئة المحامين ذاتها في مذكرة أولى إلى رئاسة الحكومة في سبتمبر الماضي…

تفيد إحصائيات 2014 أن هنالك 7260 محاميا لم يصرح منهم بدخله لمصالح الجباية إلا 4234 بينما لم يقم بالتصريح (لأسباب عدة) 3.026 محاميا أي بنسبة تفوق 40 % (نعم هكذا!).
فهل هذا معقول ومقبول؟! ثم نواصل مع الأرقام لكي نرى بأن المصرحين قاموا جميعهم بدفع 10824 ألف دينار أي بمعدل شهري بـــ 213 دينارا فقط أما لو احتسبنا هذا المبلغ على جملة المحامين المسجلين فسنجده ينزل إلى 124 دينارا شهريا أي دون معدل ما يدفعه الموظف!!

عندما نذكر هذه الأرقام فنحن لا نريد التشهير بأحد ولكن نريد حوارا شفافا ومسؤولا مع أهل المهنة… هل يمكن أن يقبلوا بأن تكون مساهمتهم في الجهد الوطني بمثل هذه النسب المتدنية جدا وفي خرق واضح وصريح لمبدإ الشفافية والعدالة الجبائية؟!

ما يدهشنا فعلا هي المقترحات التي قدمتها الهيئة الوطنية للمحامين لوزارة المالية ففي المقترح الأول تقترح الهيئة أن تكون الطوابع الجبائية (20 و40 و60 دينارا) هي جملة الضريبة المستوجبة على المحامي فقط لا غير وأن دفعها يعفي المحامي من كل مراجعة جبائية للسنوات السابقة… وعندما رفضت الحكومة هذا المقترح لعدم دستوريته اقترحت الهيئة تخفيض الطوابع الجبائية إلى 10 و15 و20 دينارا فقط على أن يختار المحامي هل يخضع للأداء على القيمة المضافة أم لا وكذلك يختار بين النظام التقديري أو الحقيقي المبسط أي بعبارة أخرى تطلب الهيئة أن يُعامل المحامي كالتاجر الصغير في حين أنه لا يبيع ولا يشتري ! وذلك لكي يدفع للجباية من كان دخله الخام 100 ألف دينار (وهو الحد الأقصى للنظام التقديري) 3.000 دينار فقط لخزينة الدولة بدلا من حوالي 23.000 دينار المستوجبة عليه في هذه الوضعية!!

نقول ونكرر أنه بالإمكان التوافق على نظام جبائي خاص بالمهن الحرة غير التجارية ولكن لا يمكن لدافعي الضرائب الآخرين قبول ألا تدفع مهنة من المهن سوى سدس ما هي مطالبة به بالقانون الحالي وذلك دون طلب تضحية إضافية كما هو الحال مع كل دافعي الضرائب خلال سنة 2017

لا شك أن لا أحد يُسرّ بدفع الضرائب ولا شك أن كثرة الضرائب كما يُقال تقتل الضريبة وهذا معنى تذمر أصحاب المؤسسات الذين سيجبرون، وفق مشروع القانون، على دفع 32,5 % كضريبة على الشركات بدل 25 % السارية المفعول إلى حد الآن…
ولكن لو اعتقدنا أن مستوى الضرائب مرتفع جدا في تونس مقارنة بالدول الشبيهة بنا أو المتقدمة فنحن واهمون للغاية…

ففي بلد كفرنسا تصل الضريبة للشرائح العليا إلى 44 % وهي تصل في بلد نريد كثيرا مقارنة أنفسنا به وهو المغرب الأقصى إلى 38 % بينما لا تبلغ النسبة القصوى في تونس إلا 35 % أما الضريبة على الشركات فهي تصل إلى 33,33 % في فرنسا و30 % في المغرب الأقصى.. هذا مع العلم أن معدل ما تدفعه الشرائح العليا في عدة دول أوروبية من دخلها السنوي يصل في حالات عديدة إلى 60 %

فأين نحن من كل ذلك؟!
يقول لنا بعض الخبراء بأن الضغط الضريبي عندنا مرتفع للغاية لأنه يمثل حوالي 23 % من الناتج الخام… هل تعلمون ما هو معدل الدول الأوروبية؟ إنه 39,4 % سنة 2012 ويصل في بلد كالدنمارك إلى 48,1 % وإيطاليا إلى 44 % وفرنسا إلى 45 %

فعن أي «ضغط» جبائي نتحدث؟!
فقبل أن نتحدث عن النسب المشطة في الضرائب وأن ندخل في «حرب» ضدها كما فعل علي بن غذاهم في القرن التاسع عشر علينا أن نعي بأن الدولة العصرية في مجتمع ديمقراطي وفي بلد لا يملك ثروات طبيعية كما هو حال بعض أشقائه العرب يبقى الواجب

الضريبي هو الرابط الأساسي للمواطنة وهو الضامن الفعلي الوحيد لاستقلال إرادة البلاد لا الشقشقات اللفظية التي لا تصمد أمام أول امتحان جدي…

وبطبيعة الحال فالوضع الاستثنائي الكارثي للبلاد لا يُعفي الدولة والمجتمع من مراجعة جدية لحوكمة كل منظوماتنا الاجتماعية ومن محاربة الفساد والتهريب والتهرب الضريبي ولكن لكي تتمكن الدولة من كل ذلك لا بد أن يعطي القطاع المنظم المثال الحسن لا أن يتخفى وراء شعارات سياسية للتفصي من مسؤولياته أمام المجموعة الوطنية.

 

المصدر: ” المغرب” ، العدد 1577، 20 أكتوبر 2016،ص 3.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق