تونسرأي

ملاحظات في الشخصية التونسية

 

 

 

لم تنشر دراسات كثيرة بلغة الضاد في العقدين الاخيرين حول الشخصية العربية بمعناها القومي او القطري. ففهرس مجلة المستقبل العربي لفترة أيار مايو 1978 الى نيسان ابريل 1998 لا يذكر الا ثلاث دراسات نشرتها هذه المجلة. وتحمل هذه الدراسات العناوين التالية: الشخصية العربية: النسق الرئيسي والأنساق الفرعية ملاحظات أولية، الشخصية العربية للجزائر بين الثقافة الفرنسية والسياسة الثقافية العربية، والشخصية الثقافية في عالم متغير: نموذج تطبيقي في البيئة التونسية. أما الكتابان العربيان المعروفان اللذان يتمحور موضوعهما حول الشخصية العربية القومية فهما “ملامح الشخصية العربية في التيار الفكري المعادي للأمة العربية” محي الدين صبحي و”الشخصية العربية” للسيد يسين.

ان قلة الدراسات العلمية بالعربية للشخصية العربية في مستوييها القطري والقومي تمثل أحد عيوب العلوم الاجتماعية العربية المعاصرة، اذ ان فهم ظاهرة الشخصية الجماعية يعتبر مفتاحاً رئيسياً يسهل على الباحثين دراسة وفهم حركية المجتمعات البشرية. ونطرح من جهتنا في هذه الدراسة مفهوماً جديداً هو مفهوم الاستنفار لدراسة الشخصية التونسية وسلوكاتها اليومية. انه مفهوم استنتجناه من الملاحظات الميدانية التي قمنا بها في هذا المجتمع. وهو في نظرنا مفهوم لا يثري رصيد العلوم الاجتماعية المهتمة بدراسة المجتمع التونسي فحسب بل يصلح هذا المفهوم أيضاً للاستعمال في المجتمع الجزائري والمغربي أيضا.

وكما ينادي رواد علم الاجتماع اليوم، أمثال “بيار بورديون” فان مفوم الاستنفار ليس مجرد حصيلة لملاحظات ميدانية بل يسمح أيضاً بالتنظير للشخصية التونسية. فدعنا إذن نستكشف معنى وملامح هذا المفهوم وكيفية استعماله في تحليل السلوكات اليومية الشائعة عند الفرد التونسي في خضم تيارات الحياة الاجتماعية.

أولاً: مفهومنا للشخصية التونسية القاعدية المستنفرة

ان ملاحظاتنا على الشخصية التونسية الأساسية Basic personality ليست سوى ملاحظات أولية لبعض ملامحها. فعلماء الاجتماع والنفس المحدثون يعترفون بأن ظاهرة الشخصية القاعدية معقدة الطبــيعة تتطلب جهوداً مكثفة ومتواصلة لسبر أغوارها سبراً علمياً. ان تراكم البحوث والدراسات في العلوم الاجتماعية والسلوكية في الشخصية الفردية والجماعية، خصوصاً منذ الحرب العالمية الثانية، أثبتت ان علماء الأنتروبولوجيا والاجتماع والنفس يلقون صعوبات جمة في إرساء فهم علمي ذي مصداقية بخصوص ظاهرة الشخصية على المستوى الفردي والجماعي.

وكما أشرنا، فان الشخصية التونسية شخصية مستنفرة السلوك في تعاملها مع ما أطلقنا عليه بالتونسي “الغريب” او “الآخر” أو “البراني” كما يقال في اللجهة العامية التونسية. ويبدو ان كلمة الاستنفار هي أكثر الكلمات دقة في اللغة العربية لوصف الشخصية التونسية القاعدية قيد الدرس هنا فالاستنفار في لغة الضاد تعني شدة النفور أي الجزع والابتعاد اللذين طالما يحدثان في عالم الحيوانات. وهو ما تصوره الآية الكريمة “كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة”.

فاستعمال كلمة مستنفرة في هذه الملاحظات حول الشخصية التونسية الأساسية هو استعمال مجازي قصد به القرب من الدقة اكثر ما يمكن من نمط سلوك التونسي العادي أثناء تفاعله الاجتماعي مع التونسي “الآخر”. وبعبارة اخرى فالشخصية التونسية القاعدية المستنفرة ينقصها حافز التعاطف والتقارب مع التونسي “الآخر” يتصف عموماً بالحذر والتوتر والخوف والتوحس. أي عندما يلتقي التونسيون كغرباء “كبرانيين” عن بعضهم فالمجتمع التونسي يلاحظ على تصرفاتهم في بداية تفاعلاتهم حالة من عدم الارتياح الذي يعكس وجود نوع من التشنج الباطني واللاشعوري.

ان هذا الموقف الخفي يبدو مرتبطاً بظاهرة كثرة السلوكات العدوانية التي يعرف بها هذا النمط من التفاعلات الاجتماعية بين التونسيين. وهي تصرفات تتفق أساساً وطبيعة القوانين التي تتحكم في عمليات الاحتكاك بين بني البشر. فحضور “الآخر” الغريب، البراني طالما يثير القلق والتوتر والحذر عند من لا يعرفون هذا “الآخر”. ان تلك الحالات النفسية العلاقتية كثيراً ما تكون سبباً في ظواهر السلوكات العدوانية بين الأفراد.

وهناك اتفاق بين علماء النفس والاجتماع والانثرويولوجيا على أنه في كل مجتمع عدد من السلوكات المختلفة سواء على مستوى الفرد او على مستوى الجماعة. وعلى رغم الاختلافات التعددية في السلوك فان الكثير من تلك السلوكات يمكن إرجاعها الى بنية المجتمع أو الى نمط تركيبة الشخصية القاعدية السائدة في هذا المجتمع.

ثانيا: تفشي العنف اللفظي والجسدي عند التونسيين:

يتصف واقع المجتمع التونسي بظاهرة تنوع وتعدد الــسلوكات العنيفة والعدوانيين بين التونسيين أنفسهم. فمعروف عن الفرد التونسي سرعة لجوئه حتى لأتفه الأشياء أحياناً، الى العنف اللفظي والجسدي إزاء التونسي “الآخر”. فخطاب الشتم والسب و”السفاهة” الكلام المشحون بمفردات جنســية بذيــئة عند الـتونسي الذكر مشهود له ببذاءته وكثرة تداوله أثناء التـفاعلات الاجــتماعية مع الغريب والصديق على حد سواء، فمن من التونسيين لم يشاهد أو لم يسـمع أو لم يتبادل التراشق اللفظي البذيء في حياته منذ سن مبكرة؟

اما الأنثى التونسية فتساهم هي الأخرى في ظاهرة التراشق بكلمات وعبارات السب والشتم مع التونسيات والتونسيين “الغرباء”، يغلب على الخطاب النسائي استعمال “الدعاء” وهو يختلف عن خطاب “السفاهة” الذكوري الذي يعكس لدى الجنس الذكوري ملامح العنف والتعنت وعدم احترام المقدسات والمحرمات من تقاليد الدين والجنس. فخطاب “الدعاء” يمثل لجوء الإناث التونسيات الى استعمال كلمات وعبارات يطلبن بها او يتضرعن بها الى الله او الى الجان او الى الأولياء الصاحلين لكي يعاقب لهن الطفل العاصي لأمر والديه أو لكي يلقى الفرد المغضوب عليه ما يستحقه من عقاب على أيدي تلك القوى الماورائية. فكلمة “الدعاء” تعنى هنا أساساً الدعاء عليه وليس الدعاء له. فالعبارات التالية عينة نمطية لخطاب “الدعاء” عند التونسية الغاضبة على طفلها الذكر على الخصوص: “الله رزيني يفقدني فيك” و”يعطيك ليصبك جن”.

ان طبيعة الخطاب الأنثوي هذا ذات دلالات بعيدة بالنسبة الى وضعية المرأة التونسية. فالخطاب “الدعاوي” يبرهن أن هذه المرأة غير قادرة على التعامل مباشرة بنفسها مع الأحداث التي تمسها وتشغلها خصوصاً تلك التي تمثل تحدياً لها. ومن ثم تكلف غيرها للتدخل لصالحها. ومما يزيد الطين بلة أنها تولي مسؤولية شؤونها الى عالم الغيبيات. وهكذا تتضاعف حالة عجزها عن تغيير حالتها المتردية. فالوسطاء الذين تتوجه اليهم لا ينتمون الى واقع عالمها والى حياتها اليومية. و”بالدعاء” فهي تتوسل في النهاية عالم الخيال.

أما ممارسة تعنيف “الآخر” تعنيفاً جسدياً فهي تنتشر عموماً في عالم الذكور. فحوادث “العرك” بين التونسيين “الغرباء” عن بعضهم بعضاً لا تحتاج الى كثير من البيان خصوصاً في المراكز العمرانية. ان تفشي ظاهرة “العرك” بين هذا النوع من التونسيين أصبح موضوعاً للنكات للشارع التونسي. فهذا طالب تونسي قضى سنوات في العراق حيث يبدو أنه لم يكتب له ان شاهد ولو “عركة” واحدة في الشارع العراقي، وما ان وطأت أقدامه مطار تونس – قرطاج حتى عاين لتوه “عركة” حية بين التونسيين على أرض المطار. ان معظم التونسيين الذين قضوا مدة خارج المجتمع التونسي سواء في مجتمعات الوطن العربي في الشرق او المجتمعات الغربية عموماً يتفقون على ان ظاهرة “العرك” ظاهرة تميز الى حد كبير المجتمع التونسي عن سوا من المجتمعات. ان مفهوم الشخصية التونسية المستنفرة يساعد، في رأينا، على فهم جذور ظاهرة العرك المتفشية في واقع المجتمع التونسي. وهذا ما تتضح معالمه في بقية هذه الملاحظات.

ثالثا: ظاهرة “الدزان”

من الظواهر الاجتماعية الأخرى المنتشرة في المجتمع التونسي ظاهرة ما يطلق عليها بالعامية التونسية “بالدزان” وهي ميل الأفراد التونسيين في ظروف معينة، كحالة الاكتظاظ مثلا، الى دفع بعضهم بعضاً. فمن يا ترى من التونسيين لم يسمع أو يشاهد أو لم يمارس أو لم يتعرض هو نفسه الى هذه الظاهرة في الحافلات العمومية أو أثناء محاولته الحصول على مقعد في سيارة أجرة او تاكسي؟ فلو سألنا التونسية والتونسي عن سبب تفشي ظاهرة “الدزان” في الحافلات العمومية مثلا لكانت لهم تفسيرات متنوعة للظاهرة. فمنهم من يعلل ذلك بوجود الاكتظاظ المزمن في الحافلات وسيارات الأجرة والتاكسيات. ان مثل هذا التفسير لا يعدو ان يكون بسيطاً وبالتالي غير مقنع. وكيــف يكون مقـنعاً والحال ان التونسـيين طالما يلجأون الى دفع بعضهم بعضاً حتى اذا كانت الحافلات شاغرة أو شبه شاغرة؟ قد يفسر فريق آخر ظاهرة “الدزان” بأنها ترجع الى انعدام الأخلاق وفقدان الشعود باحترام الآخر. ان هذا السلوك في نظر فريق ثالث هو ضرب من التهور والتخلف… مما لا يشك فيه ان في مثل هذه الردود مسحة من الأحكام الشخصية المنفعلة الغاضـبة وهي بهذا قاصرة عن اعطائنا تفسيرات علمية بالنسبة الى ظاهرة “الدزان”.

ان الملاحظ الاجتماعي الدارس يستنتج ان ظاهرة “الدزان” لا تقتصر على الحافلات وسيارات الأجرة والتاكسيات فحسب. بل هي عامة في هذا المجتمع. فالوقوف في الطوابير لا يخلو من ظاهرة “الدزان”. كما ان شوارع مدن المجتمع التونسي لا تندر فيها الظاهرة بين المشاة. فتواجد هذه الظاهرة في ظروف مختلفة تؤدي بالباحث الاجتماعي الى العمل على اكتشاف السبب المشترك او مجموعة الأسباب التي تقف وراء ظاهرة “الدزان”.

ونرى ان ما أطلنا عليه صفات “الحذر والخوف والتوجــس والتوتر في التفاعل مع التونسي “الآخر” المتصفة بها الشخصية التونسية القــاعدية تسـاعد كثيراً على فهم ظـاهرة “الدزان” فدعنا نحلل اذن العوامل التي تسبق تجسم ظاهرة “الدزان” في محطات ركاب الحافلات العمومية على سبيل المثال. فالمعطيات السابقة لبروز الظاهرة هم الركاب والحافلة.

فمن جــهة، لا يعرف عادة جل الركاب المنتظرين للحافلة بعضهم بعضاً. ومع ذلك فهم يجتمعون في مـكان واحــد ووقت واحــد من أجل هدف واحد. ومن جهة ثانية، فهم ينتــظرون وصول الحافلة التي يزمـعون الصعود الى متنها كل قاصد وجهته. فعناصر الفرقة بين الركاب تتـمثل في ان معظمهم لا يعرفون بعضهم بعضاً. أما عناصر الوحدة بينهم فهي الزمان والمكان والحافلة. وهكذا فمعطيات تجمع الركاب في انتــظار الحـافلة تتسـم بـشيء من التناقـض وكأي وضــع متناقض التركيبة فهو غالباًَ ما يؤدي الى حــالة من التوتر بين عنـاصره البشرية. فنحن هنا أمام نوعين من عوامل التوتر المؤثرة على سلوكات الركاب إزاء بعضهم بعضاً.

تواجد التونسي مع التونسي “الآخر” الغريب، البراني وهو الواضح الذي يغلب عليه الحذر والتوجس والتوتر بينهما كما أسلفنا، والتوتر الذي تفرزه طبيعة تجمع الركاب التي تخلو تركيبته وظروفه من ملامح التناقض كما بينا. ولهذين الصنفين من التوترات انعكاسات ارباكية على نمط تعامل الركاب في ما بينهم عند وصول الحافلة. فمن يعطي الأولوية للصعود والحصول على المقعد؟ هل هي العجوز؟ هل هي المرأة؟ هل هو الطفل الصغير وأمه؟ لقد أثبت علماء الاجتماع في أكثر من دراسة ان سلوكات وأعمال المجموعات البشرية، حتى اذا كانت مجموعات عابرة، تصبح فوضوية إذ لم تتقيد بمعايير اجتماعية متفق عليها.

ففي بعض المجتمعات التي لا تعرف أساساً ظاهرة “الدزان” يتقيد الركاب المنتظرون بمبدأ الاصطفاف فيضعون بذلك حداً لاحتمال ظهور الفوضى وبالتالي لظاهرة “الدزان”. فالاصطفاف للمجتمع الكندي مثلاً ليس نتيجة لقانون. وإنما هو أصبح سنة متبعة سواء كان الناس في انتظار الحافلة أو في انتظار الدخول الى المطعم او المسرح… فالاصطفاف هو إذن ممارسة عملية وحضارية أيضاً لإنهاء حالة التوتر والضيق والخوف والتوجس التي طالما تسود تعامل “الغرباء” وهو سيلة تعامل ذكية على كل المستويات. هي تعلم المصطفين مبدأ الاحترام والمساواة بينهم وباختصار، فان انتـشار ظاهرة الاصــطفاف في المجــتمع تسهل على أهله التعامل غير المتشنج مع “الآخر” كممارسة سلوكية يربي الاصطفاف في عقلية الفرد الإحساس بالتعاطف مع الغريب “البراني”. ان مقولة هذه الملاحظات تعيننا على فهم جزئي على الأقل لسبب غياب ظاهرة الاصطفاف كلياً تقريباً في محطات الحافلات العمومية في المجتمع التونسي. فالشخصية التونسية الأساسية، كما رأينا، مستنفرة من “الآخر” وبالتالي فتعاملها معه بهدوء ولطف ولياقة غير منتظر على العموم. فالفرد التونسي على هذا المستوى لا تزال تفصل بينه وبين روح الحداثة في التعامل مع “الآخر” فجوة غير هينة.

رابعاً: رؤية نفسية اجتماعية للاستنفار

تغلب كما بينا، المجتمع التونسي على التفاعلات الاجتماعية بين “الغرباء” التونسيين سمة التوتر والحذر والخـوف فان عامل الخصوصية Particularisme بتعبير بارسنز Parsons هو المرشح لمدنا بتفسير سوسيولوجي للظاهرة قيد الدرس: استنفار التونسي من الـتونسي “الآخر”. فالتونسي المثالي المفهوم الفبيري يغلب عليه الانزعاج أثناء تفاعله مع التونسي “البراني” الغريب أي “الآخر” وبعبارة اخرى فالتونسي يكون كذلك في تفاعله مع التونسي “الآخر” الذي تربطه به علاقات ثانوية بالتـعبير السوســيولوجي، فـهناك ألفاظ يستعملها هذا التونسي في تعامله مع التونسي “الآخر” تؤكد كلها مدى انشراحه وتعاطفه نفسياً مع الناس الذين تربـطه بهم علاقات اولية. فتوجيه للتونسي “الآخر” بكلمات: يا خوي، يا اختي، يا بابا، يا أمي، يا ولدي، يا بنتي… تكشف مدى عجز التونسي عن اتتلتعامل مع هؤلاء الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقات ثانوية. فالتونسي يلوذ الى استعمال تلك الألفاظ كمدخل او كمفتاح لبدء عملية التفاعل الاجتماعي الهادئ مع التونسي “الآخر” أي انه يحول بذلك العلاقات الثانوية الى علاقات أولية تغلب عليها روابـط الدم والقرابة قبل ان يكون قادراً على مبادرة التونسي “الآخر” والدخول معه في تفاعل اجتماعي لا يتسم بالتوتر. انها كلمات شائعة الاستعمال في المجتمع التونسي الحديث في القرى او المدن الكبـيرة. فاللباس الذي يرتديه التونسي والتونسية يمكن ان يكون يمثل آخر صـيحة اوروبيــة او امـيركية، وان مكان سكناهما يمكن ان يكون من أحدث طراز، وقد يكون مسـتوى تعليـمهما من أرفع المســتويات الجامعية. ومع ذلك فان تصرفـهما أثناء التفاعل مع التـونسي “الآخر” يظل تقليدياً: أي أنهما غير مرتاحين في تعاملهما مع التونسي “البراني” ومن ثم لن يستـعملا مـفردات: يا سيد يا ســيدة في توجههما الى التونسي “الآخر” كما يفـعل الفرد الأوروبي او الأمـيركي عـادة عندما يتوجه بالحديث الى الأوروبي او الأميركي “الآخر” بل يجنحان وبكل عفوية الى اسعمال مفردات العلاقات الأولية الدموية المتمثلة في يا خوي، يا أمي، يا ولدي، يا بنتي… كما بينا.

ان ذلك التونسي او تلك التونسية مثال كلاسيكي لتواجد الحداثة والتقليد في آن واحد. انها ازدواجية تضاف الى قائمة الازدواجيات الطويلة التي يعرفها المجتمع التونسي المعاصر وأفراده.

خامساً: انعكاسات الاستنفار على التونسي ومجتمعه

ان تفشي سمة الاستنفار هذه بين المسؤولين والمواطنين، كتونسيين “غرباء” عن بعضهم بعضاً، لا يساعد بالتأكيد على العمل دائماً على سيادة القانون. فمبدأ احترام سلطان القانون يصبح مبدأ يصعب الالتزام به بطريقة مطلقة. أي ان المواطن والمسؤول التونسيين يلجآن في كثير من الأحوال الى استعمال “الوساطة” و”الاكتاف” لقضاء شؤونهم بعيداً عن الــتقيد بروح ونصوص القانون. أما على مستوى سيرة العملية الديمقراطية في المجتمع التونسي الحديث فان دور الشخصية التونسية الأساسية المستنفرة في ذلك دور سلبي عموماً. اذ كيف تتجسم على أرض الواقع ممارسة الديموقراطية اذا كانت الأحزاب والتنظيمات السياسية متخوفة ومنزعجة ومستنفرة من بعضها بعـضاً. ان سمة “الاستنفار” لها تأثيرات سلبية أيضاً على المسيرة التنموية للمجتمع التونسي، فمردودية عمل وانجاز المؤسسات العمومية على سبيل المثال، يبقى متأثراً سلبياً باستمرار العلاقات المتوجسة والمستنفرة بين المواطنين والعاملين في تلك المؤسسة. ففي مثل هذه الظروف العلاقية يكون المسؤول في المؤسسة أقل تحفزاً ومبادرة لخدمة المواطن “الآخر” من جهة وتحاشي هذا الأخير – ما استطاع – التعامل والاحتكاك بالعاملين التونسيين في المؤسسات العمومية من جهة ثانية. ان هذا التضارب بين الطرفين لا يمكن إلا ان يعرقل الدور الحاسم للمؤسسة بالنسبة الى دفع عملية التنمية الى الأمام. ان مفهومنا للشخصية التونسية المستنفرة يساعد على فهم وربما تفسير ظاهرة ما أصبح يسمى اليوم “بتصلب فردية الانسان التونسي” فيتهم بالأنانية. أي أنه لا يهتم الا بشوؤنه الخاصة. إذ هموم “الآخر” هي هموم إنسان غريب “براني” لا يسهل عليه التعاطف معه. ان حياة الفرد التونسي اليوم تتعرض لكثير من التوترات أثناء تعامله المتزايد مع التونسيين “الآخرين” بسبب الازدياد المتواصل لكثافة السكان في المراكز العمرانية. وليس من المبالغة في شيء ان يكون لذلك العديد من التأثيرات السلبية على حالته النفسية والصحية. وهو وضع يحتاج بالتأكيد الى التشخيص العلمي من الأطباء وعلماء النفس والاجتماع. انهم مطالبون بتحديد درجة مدى الإرهاق التي يعانيها المواطن التونسي المتعامل والمحتك بازدياد مع عينات تونسية “غريبة” عنه.

وبعبارة علم الاجتماع، فانه يمكن القول ان الشخصية التونسية المستنفرة لا تقوم بوظائف ايجابية وبناءة لصالح المجتمع التونسي الذي يطمح الى التأهيل الذي تتطلبه الحداثة والعولمة.

ان تاريخ المجتمعات الصناعية الحديثة في الغرب على وجه الخصوص يفيد ان تلك المجتمعات نجحت بدرجات مختلفة في إفراز شخصية قاعدية متجاوبة مع روح وبنية ظاهرة الحداثة. ولكن ذلك لم يحصل إلا بعد مرور تلك المجتمعات بتحولات حقيقية مست الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. واحتاجت تلك التحولات الجــوهرية الضـخمة الى ردح من الزمن. وهكذا فان عوامل الزمن والظروف الموضــوعية والخــصوصـيات الثقافية التراثية للمجتمع التونسي المعاصر لا يبدو انها تسمح بتلاشي ملامح الشخصية الأساسية التونسية المستنفرة في الأمد القريب.

لا يمكن الحديث عن التنمية والتحديث للمجتمع التونسي المعاصر من دون الأخذ بعين الاعتبار دور الانسان في ذلك. فالانسان في نهاية الأمر هو محرك وموجه مسيرة التنمية والتحديث. ان الشخصية التونسية القاعدية المستنفرة، كما وصفناها في هذه الملاحظات العاجلة، عامل سلبي بالنسبة الى انجاز مشروع التنمية والتحديث فالشخصية المستنفرة مصدر للتوترات وعدم الانسجام في علاقات الافراد والمجموعات. وعلى المستوى المجتمعي الكبير فالشخصية المستنفرة تعطل مقدرة الأمة على الانجاز والتقدم، كما رأينا، ان أي تشخيص لمشاكل المجتمع التونسي اليوم يكون غير مكتمل اذ أهمل الدور المركزي للشخصـية التونسية المستنفرة في ذلك.

محمود الذوادي(*)

 

المصدر: الحياة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(* )-استاذ علم الاجتماع – جامعة تونس الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق