تونسرأي

هكذا يُمكننا تفكيك الدولة العميقة

 

علي عبداللطيف اللافي:

 

رغم أن هناك وجهة نظر سائدة في عالم السياسة والسياسيين، تذهب إلى أن الدول العميقة لا يمكن أن تنتهي، وإنما يُعاد إنتاجها وفقا لتحالفات جديدة بأطراف جديدة، وحتى في أمثلة الديمقراطيات الراسخة و المستقرة فإن الحكام المنتخبين لا تكون لديهم كافة السلطات، وهنا يستدل البعض بأن رئيس الولايات المتحدة لا يستطيع أن يفوز في انتخابات إلا بدعم من مؤسسات بعينها، قد تتضمن جماعات ضغط أو وسائل إعلام نافذة، أو شركات كبرى، أو حتى مؤسسات رسمية فيما يصطلح على تسميته بالــــــــــــmilitary-industrial complex.

وحتى يتمكن شباب الثورة التونسية من هدم و وأد الدولة العميقة لابد من فهم أسباب اضمحلالها و أيضا فهم أسباب استمرارها ولا قدر الله تمدّدها، لأن ذلك عامل أساسي لا غنى عنه في تحقيق أهداف الثورة التونسية التي نجحت يوم 14 جانفي 2011 في إجبار المخلوع على الفرار ونسعى اليوم لتحقيق أهدافها واستكمال مهامها.

أن الدولة العميقة كمفهوم ارتبط أساسا بحالة الدول حديثة العهد بالديمقراطية، و يسهل بل يمكن القول إن حجم تأثير الدولة العميقة يتأثر إذا ما طرأ عدد المتغيرات، أهمها:

1- إذا ما أفرزت العمليات الانتخابية أغلبية حزبية بهوامش كبيرة؛ فعندئذ إذا ما أرادت هذه الأغلبية التحرك ضد مؤسسات “الدولة العميقة”، فإن ما يساعدها على ذلك استنادها إلى شرعية كبيرة، وتملكها لتفويض قوي ومباشر من الناخبين، يساعد ذلك كثيرا إذا ما تم انتخاب هذه الأغلبيات الكبيرة بناءً على وعود انتخابية تضمنت مواجهة مؤسسات الدولة العميقة. الوجه المقابل للعملة هو أنه طالما عجزت العمليات الانتخابية عن إفراز أغلبيات قوية، وطالما كانت النخب المنتخبة -الراغبة في مواجهة تحالفات “الدولة العميقة”- مفتتة، كلما أطال ذلك عمر هذه التحالفات، وعزَزَّ من شوكتها.

2- ثاني هذه المتغيرات هي اكتساب النخب المنتخبة ديمقراطيًّا شرعية من مصدر آخر، غالبا ما تكون شرعية الإنجاز، وهو ما لم تتوصل إليه الحكومة الحالية لأسباب عدة منها االتردد والتخبط والارتجال رغم النجاح النسبي في بعض الملفات، والنموذج الشهير الذي اكتسب عامل الانجاز هو حالة حزب العدالة والتنمية التركي، ومعدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي حققها في سنوات حكمه الأخيرة. لا شك أن القدرة على الإنجاز، بمعنى إحداث تغييرات نوعية في مستوى المعيشة الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين بصورة يشعر بها هؤلاء المواطنون يرتبط بالقدرة على تشكيل حكومة قوية موحدة، ونأمل في تونس أن نحقق ذلك خلال الانتخابات المقبلة لان هذا المتغير يساعد النخب المنتخبة التي تريد مواجهة مؤسسات الدول العميقة على بناء قاعدة مؤيدة لها، يمكن الاستناد إليها عند الشروع في هذه المواجهة. من ناحية أخرى، فإن ارتفاع المستوى الاقتصادي للمواطنين يؤدي في أحيان كثيرة إلى زيادة درجة التأييد الشعبي للديمقراطية، وهذا عامل يقلل من الميل نحو السلطوية، بما يقلل من الأساس المنطقي، وبالتالي أيضا الاجتماعي، لمفهوم الدولة العميقة ومؤسساتها.

3- لابد من استيعاب أهمية العامل الثقافي في تفسير نشأة الظواهر السياسية، وكذلك أيضا نهايتها الحتمية ، وهو ما ينطبق على دورة حياة “الدولة العميقة” يذهب اتجاه إلى أن مدى وجود ثقافة ديمقراطية من عدمه – و درجات هذه الثقافة – قد تكون عنصرًا حاسمًا في استمرار نموذج “الدولة العميقة” أو وضع حدٍّ له، وقد تم بالفعل تطبيق مثل هذا المنظور على نماذج الدولة العميقة بأمريكا اللاتينية، وهنا لابد من وجود عوامل تصد تعتمد البعد الثقافي وبناء عقليات قادرة على وأد الدولة العميقة، وهنا يمكن استحضار المقولة الشهيرة التي تذهب إلى أنه لا توجد ديمقراطية دون ديمقراطيين، No democracy without democrats
وهو ما يعني أنه طالما ظل المواطنون في دولة ما مستعدين لتأييد شكل من أشكال السلطوية على حساب حكم ديمقراطي؛ لأن هذا القدر من السلطوية يحقق لهم مصالحهم، على الأقل الآنية، بدرجة أعلى -يكون على رأس هذه المصالح غالبا الأمن والاستقرار وربما أيضا ارتفاع في مستوى المعيشة- فإن البيئة الخصبة لاستمرار نموذج الدولة العميقة تكون موجودة.

والخلاصة أنه لا شك أن تمتع تحالفات ما بوضعية خاصة تفوق ما يقرره صندوق الانتخاب هو وضع يتعارض مع آليات الديمقراطية والمحاسبة، والتي تقتضي بأن صندوق الانتخاب هو من يحدد مَن يحكم، وأي سياسة يتم اتباعها. في المقابل، من المهم التمعن في مفهوم “الدولة العميقة” في ضوء حقيقة هامة، هي أن النظم السياسية لا تموت موتا مفاجئا، وإنما هي مثلها مثل العديد من الظواهر الاجتماعية الأخرى لها دورة حياة، تبدأ بالتدرج وتنتهي أيضا بالتدرج، ومن ثم فمن الطبيعي جدا، وبل ومن الحتمي، أن تستمر تحالفات وشبكات كانت لها مصالح في إطار نظم سياسية معينة في السعي للحفاظ على هذه المصالح، حتى بعد وضع نهاية شكلية لنظم الحكم السابقة.

المعيار الحقيقي هو الوقت الذي تتخذه هذه التحالفات – أو مؤسسات “الدولة العميقة” – لكي يتم تفكيكها، وهو أمر علمتنا التجربة في الديمقراطيات الجديدة أو كل التجارب الانتقالية أنه غالبا ما يأخذ سنوات، وهي فترات على الرغم من أنها قد تبدو طويلة نظريا؛ إلا أنها في عمر الشعوب، أو عمر النظم السياسية، ليست بالضرورة كذلك.

 

المصدر: الجمهور ، 25 جويلية 2013.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق