إصداراتتحاليل

العودة للخفاء: مستقبل الإسلام السياسي بعد إخفاقات “الإخوان” بالإقليم

 

 

مع فوز جماعة “الإخوان المسلمين” في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المصرية عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وظهورها كلاعب أساسي على الساحة السياسية الوليدة في ليبيا عقب الإطاحة بالعقيد “معمر القذافي”، وتولي حركة “النهضة” التونسية السلطة على رأس حكومة ائتلافية في أعقاب ثورة الياسمين؛ بدا المشهد في المنطقة كما لو أنها على مشارف عصر إسلامي جديد، حيث جاء تيار “الإسلام السياسي” إلى المقدمة بعد أكثر من ثمانية عقود من العمل في الظل. والأكثر أهمية أن ذلك التغيير قد جاء من خلال صناديق الاقتراع، ولكن سرعان ما تحول مساره، ليشهد الإسلاميون ردة أعادتهم إلى نقطة أسوأ مما كانوا عليه قبل ثورات “الربيع العربي”.

وفي هذا الإطار، يسلط كتاب “أليسون بارجتر”، الباحثة المتخصصة في شئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والحركات الإسلامية، الضوء على التقلبات الدراماتيكية الذي شهدها تيار “الإسلام السياسي” عقب الإطاحة بجماعة “الإخوان المسلمين” في مصر بعد الثلاثين من يونيو 2013، وضعفها في ليبيا عقب محاولتها الفاشلة لتأمين مكانتها في النظام السياسي في مرحلة ما بعد “القذافي”، وتضرر مصداقية حركة “النهضة” وتراجع شعبيتها في تونس.

تناقش المؤلفة في كتابها كيف أصبحت جماعة “الإخوان المسلمين” لاعبًا رئيسيًّا في مرحلة ما بعد ثورات “الربيع العربي” التي شهدت اضطرابات إقليمية غير مسبوقة، وكيف لم تتمكن من الحفاظ على مكاسبها في مواجهة التحديات السياسية المتزايدة بدول الثورات العربية.

عوامل السقوط:

في تناولها لعوامل سقوط جماعة “الإخوان المسلمين” أشارت أليسون إلى أن الجماعة تنتهج النهج التدريجي في العمل السياسي وليس الثوري الراديكالي، الأمر الذي يُعد أحد الأسباب التي تُفسر عدم استعدادها وعدم كفاءتها لتولي السلطة عقب الربيع العربي. وفي ذلك، تسلط الضوء على كيف أن الجماعة بعد أن كانت في صفوف المعارضة لعقود لم تكن مستعدة لتولي السلطة، حيث افتقرت إلى البرامج الاقتصادية والسياسية اللازمة للقيادة السياسية. وقدمت المؤلفة عددًا من العوامل التي ساهمت في السقوط السريع لجماعة “الإخوان المسلمين” في دول الثورات العربية بعد فترة من الصعود المؤقت، والتي تتمثل في:

أولا- الأسباب السياسية: تجادل أليسون بأن فشل جماعة “الإخوان المسلمين” في عدد من الدول التي صعدت فيها عقب “الربيع العربي” يرجع إلى أسباب سياسية أكثر منها دينية؛ نتيجة نقص الخبرة السياسية، وقصور فهمها للواقع السياسي المتغير. حيث كشفت المشاكل التنظيمية عن ضعفها وافتقارها للرؤية السياسية الواضحة. كما أدى سوء قراءة الوضع السياسي، وتركيزها على الهيمنة السياسية بشكل سريع، إلى وقوعها في مجموعة من الأخطاء التكتيكية.

وتُضيف المؤلفة أن الجماعة لم تستطع أن ترقى إلى وظيفة الحكم، أو أن تعمل كقوة سياسية حديثة ومعاصرة، حيث لم تكن معتادةً على البحث عن مؤيدين خارج نطاق قاعدتها التقليدية، وهو ما يُعد أحد القصور الأساسية التي واجهتها بعد توليها أو مشاركتها في السلطة بعدد من الدول العربية في أعقاب موجات الثورات التي اجتاحت عددًا من دول المنطقة.

ثانيًا- الأسباب التنظيمية: ترى المؤلفة أن المصدر الأساسي لقوة جماعة الإخوان المسلمين المتمثل في القوة التنظيمية وقدرات الحشد، والذي مكن مرشحها الرئاسي في مصر الدكتور محمد مرسي من الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2012؛ كان -في الوقت ذاته- نقطة ضعف أساسية، حيث جعلها تغفل ضرورة العمل مع الفواعل السياسية الأخرى، وذلك ما سرع من سقوطها. فقد أوهمتها تلك القوة التنظيمية التي تتمتع بها عندما تولت السلطة أنها ليست في حاجة للتنسيق السياسي مع القوى السياسية الأخرى، ولذا عملت على السيطرة على مفاصل الدولة.

ثالثًا- الأسباب الفكرية والأيديولوجية: ترى أليسون أن جماعة الإخوان المسلمين اتسمت بالضحالة الفكرية والأيديولوجية وسطحية المبادئ الأساسية التي ترسخت في عقيدتها منذ إنشائها، والنهج “الانتهازي” والرغبة الشديدة في التضحية بأيديولوجيتها من أجل نصر سياسي قصير المدى. كما أنها تفتقر للقدرة على المرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات في الواقع السياسي.

وتضيف المؤلفة، أن الجماعة عقب توليها السلطة في عدد من الدول العربية عقب ثورات “الربيع العربي” انكشفت ضحالتها الأيديولوجية، حيث اكتشفت قطاعات جماهيرية عريضة الهوة الواسعة بين خطابهم الديني والتصرفات الواقعية لأعضاء الجماعة بعد توليهم السلطة، وأن ادعاءهم دومًا بأنهم ليسوا طلاب سلطة قد كشف عن تحايلهم السياسي والاجتماعي.

تتوقع أليسون أن براجماتية جماعة “الإخوان المسلمين” والادعاء بالاعتدال في أجندتها السياسية والاجتماعية، سيؤدي إلى ظهور جماعات أكثر محافظة من السلفيين، والذين اعتبرتهم الكاتبة مصدرًا مهمًّا للتغيير في المنطقة ستكون له تداعيات سياسية كبيرة. وتضيف أن الجماعات السلفية ظهرت ليس في فترات القمع ولكن مع منح المزيد من الحريات السياسية عقب الربيع العربي.

ولذا، ترى أنه من المهم تتبع المسار السياسي لتلك الجماعات في السنوات المقبلة؛ نظرًا إلى أنها لم تتعرض للمصير الذي تعرضت له جماعة “الإخوان المسلمين” بعد سقوطها، وتتوقع أن تكون منافسًا قويًّا للجماعة في الفترة المقبلة بالدول التي حققت فيها الجماعة فشلا ملحوظًا.

سقوط الإخوان وأزمة الإسلام السياسي:

يربط كثيرون بين سقوط جماعة “الإخوان المسلمين” ونهاية تيار “الإسلام السياسي”، حيث يرون أن عزل الإخوان المسلمين من الحكم في مصر، أدى إلى سقوط الإسلاميين في الدول العربية الأخرى، ودخولهم في متاهة الاضمحلال بشكل عام. لكن المؤلفة ترى أنه من السابق لأوانه الجزم بذلك؛ لأن الإخوان المسلمين قد تولوا الحكم في مصر في مرحلة انتقالية فوضوية ومفاجئة في منطقة كانت تتميز بالاستقرار لعقود. كما أن الربط بين سقوط جماعة “الإخوان المسلمين” ونهاية “الإسلام السياسي” يقصر الإسلاميين على حزب “الحرية والعدالة” الذي لم يتم إنشاؤه إلا بعد 2011.

وترى المؤلفة أن هذا الربط مختزل وغير صحيح؛ لأن سقوط جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر لا يعني أنهم لم يستمروا في دول عربية أخرى. فعلى سبيل المثال، برغم إضعاف حركة “النهضة” في تونس، إلا أنها ظلت فاعلا قويًّا في المجالين السياسي والاجتماعي.

وتؤكد أن الإخفاقات التي تمر بها جماعة “الإخوان المسلمين” في عدد من دول الربيع العربي بعد فترة من الصعود القصير، لا يعني نهايتها؛ لأن الإسلاميين عمومًا، والإخوان المسلمين خصوصًا، هم أولا وقبل كل شيء حركة اجتماعية، حيث تبنت التغيير الاجتماعي أساسًا للتغيير السياسي وشرطًا له، وأن قوتهم قد تجذرت اجتماعيًّا قبل أن تتجذر سياسيًّا، ما يجعل نهاية تيار “الإسلام السياسي” أمرًا مستحيلا.

شروط العودة:

وضعت المؤلفة مجموعة من الشروط التي تمكن الجماعة من العودة إلى الساحة السياسة مجددًا بعد فترة من التراجع، والتي تتمثل في:

أولا- الإصلاح من الداخل: على الرغم من استمرار تمتع الجماعة بالدعم بين قاعدتها التقليدية، والتي ستدعمها بغض النظر عن الخيارات التي تُقدِم الجماعة عليها، إلا أنها تحتاج إلى إيجاد طريقة للإصلاح من الداخل، والذي يعني الذهاب لأبعد من الكلام المعتاد عن المشاركة في المراجعات، حيث يتطلب ذلك إعادة التفكير في ماذا يُقصد بـ”الإخوان المسلمين”، وماذا تمثله اللحظة الراهنة لهم.

وتُشير إلى أن الجماعة بعد الضربة القوية التي تعرضت لها ما زال الخلاف داخلها يدور حول التغيير القيادي، ورفض الفردية، والمؤسسية وتعديل اللائحة، لكن ما يتعلق بالرؤية والمنهاجية ما زال غائبًا عن النقاش الداخلي. كما أن الجماعة لا تمتلك خطة واضحة المعالم حول إمكانية التعايش مع مؤسسات الدولة القائمة ومشاكلها وتعقيداتها.

ووفقًا للمؤلفة لن يكون الإصلاح الداخلي أمرًا سهلا؛ لأن جماعة “الإخوان المسلمين” مثل العديد من الكيانات السلطوية، لم تكن جماعة من قبل تميل إلى المراجعة الذاتية أو الإصلاح. وعلاوةً على ذلك، فإن أي محاولة لتنفيذ أي إصلاح جاد في مثل تلك البيئة المضطربة في منطقة الشرق الأوسط مهمة صعبة في أحسن الأحوال، وفقًا لأليسون.

ثانيًا- إجراءات استعادة الثقة: ترى المؤلفة أن على الإخوان اتخاذ عددٍ من الإجراءات لاستعادة الثقة على المستوى الجماهيري والسياسي، مثل بناء تحالفات سياسية تقوم على مطالب وشعارات وبرامج عامة تتجاوز ثنائية المدني/الديني.

وتخلص أليسون بارجتر في مؤلفها إلى أنه إذا كان الإسلام السياسي لم ينته، فإن ذلك لا يُنكر أن جماعة “الإخوان المسلمين” قد واجهت صفعة قوية، بسبب نقص الخبرة والفهم لبعض الجوانب السياسية والدينية، ونقص الرؤية السياسية والمشاكل التنظيمية، مما أدى إلى فشلها في التعامل بصورة إيجابية وفعالة مع السلطة عندما حكمت في عدد من دول الربيع العربي.

 

مروة صبحي منتصر (*)

المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة 

ـــــــــــــــــــــــــ

(*)– مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق