تحاليلليبيا

أكبر الأحزاب الليبرالية في ليبيا : واقع وآفاق حزب “تحالف القوى الوطنية”

 

 

علي عبداللطيف اللافي

 

بناء على ترتبات العقود الماضية ونتاج غياب فعلي للتيارين القومي واليساري  انحسر الصراع الفكري والسياسي في ليبيا بعد 2011 بين التيارين الإسلامي والليبرالي، ويعتبر “تحالف القوى الوطنية” (برئاسة الدكتور محمود جبريل)، أهم مُمثَلي التيار الليبرالي،  ولكن السؤال المطروح عمليا في ظل المشهد السياسي المتقلب ووسط غلبة البُعدين الأمني والعسكري على الوضع العام في ليبيا، ما هو واقع وآفاق حزب “تحالف القوى الوطنية”، وماهي رؤيته لليبيا اليوم والمستقبل، وماهي رسالته سياسيا وفكريا واجتماعيا، وأي مستقبل لعلاقته مع الإسلاميين ومدى ارتباط ذلك بإصطفافات الحزب الإقليمية وقراءاته للوضع الدولي؟

1- في تعريف تحالف القوى الوطنية

“تحالف القوى الوطنية في ليبيا، هو تحالفٌ سياسي ليبي معارض يتشكل من مجموعة من الاحزاب السياسية الصغيرة وبعض الشخصيات الليبية…، ويميل هذا التحالف إلى الفكر الليبرالي الذي ينادي “بإسلام معتدل وديمقراطية ودولة مدنية وقد تأسس رسميا في 21-06-2012، ويعرف الحزب نفسه بأنه “نتاج وطني ليبي أصيل يضم شخصيات ليبية من مختلف انحاء الوطن ومن ثقافات واعراق مختلفة يجمعهم حب الوطن وحلم ازدهاره ونمائه وإرساء دعائم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، من اجل دولة القانون والرخاء والفصل بين السلطات التشريعية ،التنفيذية ،القضائية ، والأمنية، والرقابية وتضمن حقوق شعبها وتساوي بين الجميع وتخلق تنمية مستدامة لنا وللأجيال القادمة بالعلم والمعرفة والاهتمام بالموارد البشرية وتطويرها حتى تفتح بوابة مستقبل مزدهر ونماء دائم”[1]

2- ماهي رؤية الحزب وماهي رسالته السياسية؟

تنبني رؤية “الحزب/التحالف”، في أن يكون كحزب “كياناً سياسياً يجمع كل أبناء وبنات الوطن الساعين الي بناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على الفصل بين السلطات وسيادة القانون، تساوي بين مواطنيها في حقوق المواطنة في نظام دستوري لامركزي فاعل يتبنى المعرفة كأساس لتحقيق التنمية المكانية المستدامة القادرة علي خلق تنافسية الاقتصاد وأمن المواطن ورفاهه، والأمن القومي للوطن”[2]

ويعمل “الحزب/التحالف”، في أن تكون رسالته هي “نشر قيم المساواة و التمدن والمواطنة و حقوق الإنسان و التداول السلمي للسلطة وإيلاء اهتمام أكبر للمعرفة والتعليم كأساس لإعادة بناء الوطن والمواطن وإقامة اقتصاد بديل قائم على المعرفة تكون ثمرته الرفاه و العيش الكريم لكل الليبيين وبما يحفظ حق الأجيال القادمة… [3]

3- قراءة “تحالف القوى الوطنية” لتطورات ما بعد 17 فبراير

عمليا كان محمود جبريل (الرئيس الحالي للتحالف)، أهم الفاعلين في المجلس الوطني الانتقالي حيث تراس يومها المكتب التنفيذي كما كانت أغلب قيادات الحزب الحالية مساندة للمجلس الانتقالي وفعله السياسي والاجتماعي والعسكري  واشترك الحزب/التحالف مع بقية مكونات تيار فبراير في العمل  على إقامة “دولة المؤسسات والقانون تساوي في الحقوق بين مواطنيها دون إقصاء أو تهميش أو تمييز لأي فرد أو فئة أو جهة أو قبيلة”،  بل أن الحزب وشركائه في تيار فبراير وبسبب ما توافر من موارد مالية وطبيعية وبشرية راودتهم جميعا  الأحلام في “تنمية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة من حيث سرعة إنجازها ونوعيتها واستدامتها”…

                                                                                       محمود جبريل 

إلا أن الحزب ووفقا لتقييم مؤسساته وهيكله يرى أن “المؤشرات بدأت تؤكد و منذ وقت مبكّر في أوت/أغسطس 2011، أن الأمور تسير عكس الأحلام والتوقعات ، فقد أُجهضت جهود تفكيك المليشيات المسلحة وجمع أسلحتها منذ سبتمبر 2011 ، وبدا أن هناك مشروعاً خارجياَ يساند طرفاً بعينه و يدفعه تجاه مزيد من المغالبة و الإقصاء ، وترجمت هذه المساندة في تدفق غير مسبوق للأسلحة و من كل الاتجاهات في وطن فقد دولته واستبيحت حدوده و ذلك لفرض نظام سياسي بعينه على الليبيين وهو ما قاومه ولايزال يقاومه أغلب الليبيين ، وكانت النتيجة اقتتالاً واحترابا داخلياً قد يودي بالوطن إلى غياهب المجهول”[4]

ويتبنى الحزب قراءة مكونات الكرامة للوضع ولطبيعة الصراع اليوم، كما له قراءاته للإرهاب في ليبيا حيث يؤكد في توطئة قانونه الأساسي المنشور في موقعه على شبكة الانترنات “أثناء ذلك انتشرت تيارات متطرفة عابرة للحدود لا تعترف بالدولة المدنية أو بقبول الآخر، بل انتهجت العنف طريقاً وحيداً ضد كل من يخالف مراميها …”

وللحزب/التحالف قراءته التشخيصية حول انعدام الأمن والاستنزاف غير المسبوق للاحتياطيات المالية للبلاد، كما يرى الحزب أن ” شيوع ثقافة الاستهلاك و رسوخها في ظل الانهيار الاقتصادي قد يدفع بممارسات الفساد إلى معدلات غير مسبوقة و يقف عائقاً ضد أية محاولات للنهوض الاقتصادي مستقبلاً” أما سياسيا فيرى أن ” عدم نضوج مفهوم الديمقراطية في المضمون الليبي حيث يُنظر إليها كهياكل متمثلة في صناديق الاقتراع و الدعاية الانتخابية أو ما شابه فقط ، و لم تتحول بعد الى ثقافة تسود في المجتمع تقوم على التسامح و قبول الاخر، ولقد تسبب انعدام الممارسة السياسية و الديمقراطية طيلة العقود السابقة في خلق مناخ سياسي متصحر يتكيء على الولاءات الضيقة كالقبيلة و الجهة والمنطقة والتي لا تتسق أبداً مع مفهوم المواطنة و مع تغليب المصلحة العليا للوطن ككل.”

كما يرى ان ما حدث عمق “التلاشي المتزايد لشعبية وشرعية انتفاضة 17 فبراير نتيجة للممارسات التي تلتها وحنين البعض إلى نظام ما قبل الانتفاضة من منظور القبول بظلم أقل لدفع ظلم أكبر وكأن الظلم قابل للتجزئة حسب التواريخ والشهور”

ويرى أيضا أن كل ذلك تسبب عمليا في “رسم صورة سلبية لليبي عن نفسه، وفي انتشار الروح الانهزامية داخله، وهذا في حد ذاته خطرٌ آخر وتحدٍ أكبر يقف عائقاً أمام الانطلاق والانبعاث والإبداع….”

4- مُستقبل علاقة تحالف القوى الوطنية بالتيار الإسلامي

أ– تعايش التيار الليبرالي مع الإسلاميين قبل ثورة 17 فبراير، حيث شكل إسلاميون وليبراليون عدد من التنظيمات الوطنية على غرار “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا”، كما تحالفت مكونات عدة من التيارين أثناء أحداث ثورة 17 فبرار وأيضا في إطار المجلس الانتقالي وتم التعايش السياسي بين المحطتين الانتخابيتين في 2012 و2014 رغم التجاذبات والصراعات تحت قبة “المؤتمر الوطني”، وحدث الخلاف حول التمديد له من عدمه سنة 2014، إلا أن الاسقاطات الإقليمية وحرص أذرع إقليمية على حرق ثورات الربيع العربي  مكن البعض من الدفع الى حرب بالوكالة على أطراف إقليمية، بين مكونات تيار فبراير، وانتهت بذلك مرحلة التعايش رغم امضاء اتفاق الصخيرات والذي أمضته قوى ليبرالية وقوى إسلامية ولكن التجاذب تواصل عمليا مما عطل فاعلية الاتفاق الممضى بل وتكرس الانقسام وسط وجود حكومات ثلاث ليحدث التمايز لاحقا بين حكومتي الشرق الليبي في البيضاء وبين حكومة التوافق في طرابلس ….

ب– موقف التحالف القوى الوطنية من الإسلاميين ليس إيجابيا ولكنه لا يتبنى المنطق  الاستئصالي لكل مكونات الساحة الإسلامية في ليبيا، فهو واضح تجاه بعض التنظيمات الجهادية،  ولكن الحزب متغير عمليا تجاه حزب العدالة والبناء ويختلف الموقف من حزب الى آخر ومن مكون الى آخر مع أن الحزب يكرر في خطابه السياسي مقولات العداء للتيار الاخواني أي تكرار أسطوانات الإعلام المصري  وبقية دول نفس المحور الاقليمي….

ت– سيبقى موقف الليبراليين في ليبيا متغيرا ومختلفا من حزب الى آخر، وسيرتبط موقف “تحالف القوى الوطنية” بطبيعة مواقف الإسلاميين الليبيين من عدد من القضايا المطروحة اضافة الى افق الصراع بين المحورين “القطري – التركي” من جهة والمحور “الاماراتي  – المصري-  السعودي” من جهة ثانية وأيضا بمستقبل المؤسسة العسكرية في وبمستقبل دور البعثة الأممية في ليبيا ومدى نجاحها في الوصول الى اجراء انتخابات خلال السنة الحالية ….

ث– لن يستطيع جبريل وحزبه التخلص من الاصطفاف الإقليمي الحالي الذي أوقع فيه نفسه خاصة في ظل أن مدير مكتبه إضافة الى بعض قياديين آخرين لهم ارتباطات غير خفية مع الاماراتيين ومع دحلان  وظهر في تسجيلات لمدير مكتبه يستهدف فيها الثورات العربية في أكثر من بلد ….

5- واقع وآفاق حزب “تحالف القوى الوطنية”

يبحث الحزب مثل غيره من القوى الليبية عن حل للازمة الليبية التي ترتبت على خلاف “الكرامة/فجر ليبيا” منذ منتصف سنة 2014 وعن تحيين اتفاق الصخيرات وقد عقد السنة الماضية مؤتمره في العاصمة التونسية، وقد فقد الحزب جزء من اشعاعه الداخلي نتاج إعطاء الازمة الليبية واختصارها في ثنائية “السراج –حفتر”، رغم أن الأول أقرب سياسيا لجبريل ورفاقه والثاني حليف لهم حاليا من حيث الاصطفاف الإقليمي….

أما مستقبل التحالف فهور مرتبط بعدد من العوامل المختلفة:

أ- قدرته على الدفع في اتجاه الحل السياسي وتكريس لرؤيته السياسية في بناء دولة مدنية وتحقيق اهداف ثورة 17 فبراير واستكمال مهامها، وأساسا تكريس المصالحة الوطنية ودفن لآلام الماضي وذلك عبر إرساء العدالة الانتقالية…

ب- قدرته على التخلص من تبعيته السياسية في الاصطفاف الإقليمي والاستفادة منه دون مزيد من الارتهان لها عندما تتعارض مع مصالح ليبيا اقليما ودوليا …

ت- قدرته على الاستفادة من التيار الوطني داخل أنصار القذافي وتنظيماتهم الثلاث (النضال الوطني-الجبهة الشعبية – جبهة الخلاص)، واستمالة بعض الليبراليين غير المصطفين حزبيا من الكفاءات الليبية في مجالي الإدارة والثقافة ….

ث- قدرته على الدفع في اتجاه الخيار التونسي من حيث التعايش بين الإسلاميين والليبراليين وكل القوى السياسية، بدون فقدان علاقات الحزب مع المجتمع المدني المصري وبعض القوى الفاعلة في الساحة المصرية أو الخليجية ….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 01 مارس 2018.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش: 

[1]  الصفحة الرسمية للحزب….

[2]  موقع تحالف القوى الوطنية على الإنترنت: (www.nfalibya.org)

[3]  نفس المصدر …..

[4]  نفس المصدر ،  توطئة “القانون الأساسي للحزب”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق