رأي

مقال في السياسة : دربي ”الكرسي” و ”الروتي” … آيات صهيل وآيات أنين

 

المغاربي للدراسات والتحاليل ___

بقلم الدكتور أبو أحمد بن حمد:

 

هذا مقال في صميم السياسة رغم ما يبدو في عنوانه من انفصال عن هذا المجال والذي يبدو من خلاله أقرب الى مجالات أخرى نحصرها في ثلاثة بعدد مكونات العنوان الأصلي ونحصرها في ثنائي بعدد مكونات العنوان الفرعي فله صلة حسب المكونات بعوالم الرياضة والأثاث والطهي والفروسية والآلام. ولكن هو خال منها جميعا وما حضور معاجمها إلا حضور رمزي إحالي، وهو ما سنجتهد في تفكيكه وتحليله على امتداد الفقرات الخمس المبوّب وفقها…
إن صك العناوين أو بناءها لا يقلّ شأنا عن المضامين ذلك أن العناوين هي مضامين مختصرة لمضامين منتشرة وعادة ما يقع تحقيق عملية التكثيف في العناوين بالاستعانة بالرموز وإيحاءاتها فلا يخفى على النبيه أن الاستعمال المعجمي الوارد في العنوانين الأصلي والفرعي قد رحّل من ميادينه الأول ودلالاته الصريحة الى عوالم أخرى ودلالات استعارية ورمزيات وإشارات، فالرمز إشارة ودلالة وسلطة قبل أن يكون فحوى ومعنى، إنه معنى عليّ أو معنى أعلى.

فقد قمنا بترحيل له تجليات خمسة، تجلّ رياضي فالدربي أليق بهذا المجال وكثيرا بل ”اغلب استعمالاته في هذا المجال حتى بات حكرا عليه ومطابقا له ويتغافل الناس عن أنماط أخرى من مقابلات أجوار ليس بمعنى المكان بالضرورة مثل التنافس الحزبي بين اليمين واليسار أو بين التوجهات الليبيرالية والتوجهات الاشتراكية أو بين حزب الفيل وحزب الحمير، فللسياسة دربياتها وكلاسيكياتها غير أننا لم نتعود على إجراء هذه التسميات عليها، ويُحيلنا طرفا الدربي على مجالين أساسيين، مجال الكرسي وهو يقوم من السلطة والعرش والرئاسة بكل ما فيه من تداعياته وآية الكرسي في القرآن هي آية العرش، ولعل أهم هذه التداعيات هي العظمة والعنفوان والعنجهية والهيمنة وبكل ما تحدثه هذه التداعيات من تداعيات أخرى: اللذة التي تعمي أبصار أصحابها ويصبحون ويُمسون غير قادرين على الالتزام بالحدود فيجعل منهم “الكرسي الهزاز” (عذرا لأمال مختار على توظيف اسم رائعتها الروائية)، كائنات تعتقد انها تحتكر العالم وتُسيطر عليه فهو لعبة عندها تعيث فيه فسادا في ثرواته وأمواله ومُقدراته وتعيث فيه ظلما واعتداء على الكائنات جميعا وخاصة الإنسانية منها….

اما الطرف الثاني في العنوان الأصلي فيُحيلنا على ايحاء مطبخي وعلى أكلة مشهورة ونحن اذ نختطفها من هذا المجال العادي ونرحل بها الى مجال السياسة باعتبار أن طرفي الصراع هما فاعلان سياسيان فــ”الرُوتي” هو أكلة شعبية وهو أيضا اكلة أخرى يتلذذ بها أصحاب الكراسي ويشقى بها المعذبون اذ باتت عنوان عقاب للمحكومين السياسيين يسُوسهم السياسيون به…

فــ”الرُروتي” نخرج به من دائرة المطبخ والنيء والمطبوخ le cuit et le cru على حدّ عبارة “كلود لفي ستراوس” (الانتروبولوجي العالم)، لنضعه في دائرة أخرى عجيبة ‘فـــ”الرُوتي” Roti، أكلة ولكنها ليست كذلك في السياق الذي نحن بصدده هي أكلة وإن اصررنا على تسميتها كذلك فهي نوع آخر يُقدمها السفاحون والجبابرة وأعوانهم للمحكومين والمسجونين والحيارى والمظلومين السياسيين، ويتمثل في تصنيفات من التعذيب يجعلون الضحية في وضع دوّار تماما كما يُدار الدجاج المعدّ للأكل، ونكون قد وقعنا في خطإ كبير ان لم نقم بتفريق أساسي ما بين “الروتي” العادي و”الروتي” الاصطلاحي الذي هو موضوع الحديث فالروتي الأول هو لدجاج مذبوح بينما الروتي الثاني هو لإنسان حيّ يقع تسليط هذا العذاب عليه ولو توسعنا في عملية الحفر لقلنا إن الجلادين من آكلي لحوم أخوانهم أحياء فتصوروا ماذا تُرى يحصل لهذه الضحية التي يجرى عليها ما يجرى على الميّت أو المذبوح من نفي وإلغاء ومحو فتكون الذات ههنا مشطوبة l’être barré وممحوة l’être gommé لا قيمة لها عند القائمين على التعذيب فيقع الهتك بها جسديا ونفسيا وأخلاقيا والأدهى من ذلك أن يكون الآخر الفاعل في وضع آخر وضع المُلتّذ والمتمتع والمنتشي والمتتصر في هذا الدربي ولكن هو الانتصار نقول في شأنه ملاحظتين: هو انتصار لا متكافئ أولا وهو انتصار مظهري فحسب بحيث سيكون في عمقه وفي سياق الحفر هو هزيمة في غير لفظها بل في مقابل لفظها، والأهم من كل هذا هو ما تصبح فيه الذات في وضع الانتهاك فتكون ذاتا مشطوبة وذاتا معذبة وذاتا محروقة وذاتا مشوية ونتيجة لهذا الوضع الذي وجدت فيه الذات ذاته ذاتها ما يركن في قرارات النفوس وأعماق الأفئدة من انكسار وانهيار وضغائن وأحقاد على الذات الفاعلة لشتى هذه الأفعال فنكون قد وقعنا في دائرة الكره والتباغض وذلك لما حصل من ظلم واستقواء بالجهاز ولقد صكّت الدارجة التونسية عبارة موحية جعلت فيها فرط الكره في فرط الحب حينما قالت ”انحبَك مشوي”، وهو تعبير عن فرط الكره، فالظلم هو ّأساس الانقسام وهو المُحدث للفتنة كما سنرى ذلك في تحليل أوسع في سياق لاحق.

هذا التقابل بين المعذّب والمعذب هو تقابل جوار هو مقابلة دربي بين طرفي السلطة، الحاكم والمحكوم، وقد فصلت الكتابة السياسة موضوع التعذيب وأدار عليه السياسيون مؤلفات أنظر “فتحي بلحاج يحيي” و”أحمد كرعود” و”لطفي زيتون” و”الهاشمي الحامدي” و سمير ساسي” و”البشير الخليفي” و”محمد الكيلاني” …
ونحن إذ فكرنا في الكتابة في هذا الموضوع لم نحتكم في ذلك إلى المحاكمات السياسية والتي تجاوزت قبل تجاوز الألفية الثانية وقبل افتتاح الألفية الثالثة 100.000 (مائة ألف) محاكمة في تونس….
ونحن نعتبر هذا الرقم صحيحا حينما نعلم أن ملفات الضحايا التي قدمت لهيئة الحقيقة والكرامة تجاوزت الستين ألفا، وان كان هذا التراث لا نستطيع تجاوزه ولكن نحن نحتكم في زمن الثورة إلى ما حصل من حبك خطة للتخلص من العدالة الانتقالية قادها أصحاب الكراسي التفافا على الضحايا ولكن المفارقة أن هذا حصل زمن الحرية فيكون الألم مُضاعفا ألم الظلم عامة وألم الظلم زمن التحرر خاصة….
وكأن الثورة أبطلت وظائفها فزادت الظالمين ايغالا في ظلمهم وزادت المظلومين رسوخا في داخل هذه الدائرة دائرة العذاب والذي يُدّمر المعنويات هو ما اتسم به هذا الفعل الصادر عنهم من عناوين الانتصار وكسب المعارك وصهيل خيولهم وكسر ألجمتها أو لجومها وفي المقلب الآخر ما اتسم به الفعل الواقع عنهم والسيوف المعمولة فيهم من تباريح الآلامو آيات أنين يتلذذها أو يزداد بها الأولون تلذذا ولا يضير المتضررين أن يقع اجلاسهم على كراسي وقت التعذيب فشتان بين كرسي العذاب وكرسي اللذائذ والرغائب….

لمسألة العدالة الانتقالية في تونس على قصرها أشياء غيبها الخطاب المُلتف وذلك في سياق عملية التزييف والمراوغة والخداع ولهذا سنُحاول التذكير بها علَنا نكشف بعض زيفهم ومكرهم فلها تاريخ على قصره طويل وولادتها كانت جدَ عسيرة ولكن ما إن تشكلت قانونا ومؤسسة حتى وُلد مولود آخر هو مولود قديم أظهر في مظهر الجديد فالبنت المولودة أي العدالة الانتقالية جاءت في إطار خاص نذكر انها جاءت طلبا من الجلاد وليس بطلب من الضحية، ونحن في فورة ما حدث بعد 14 جانفي عشنا على شعارات dégage وعلى التهديد المُباشر لصنف من السياسيين خاصة من التونسيين فوقع اقصاؤهم من الانتخابات الأولى اقصاء قامت به هيئة عُهد لها تسيير البلاد ووقع التفكير في إحداث قانون لتحصين الثورة فارتفعت أصوات مُنادية بالتعقَل وعدم المعاملة بالمثل(القروي/ صفر/مرجان /الغرياني )وعبروا عن استعدادهم للمحاسبة تمهيدا للمصالحة وهنا وقع انشاء العدالة الانتقالية، ولكن ما إن وقع إرساء العدالة الانتقالية والتنصيص عليها دستوريا وتشكيل هيئتها حتى حصلت المفارقة فيوم ولادتها وُلد توأمها وعنيدها ولد “نداء تونس” أدام الله ورئيسه صاحب التاريخ الطويل/القصير، الطويل في السياسة القصير في الحياة الديمقراطية وإن كان رئيس تحرير لمجلة “الديمقراطية” (démocratie)، بينما العدالة الانتقالية كانت قصيرة في العمر قديمة كامل وكمطلب ولكن التفاوت الحاصل في التجربة هو الذي قلب الموازين وحقق الشق الأول أهدافه.

 حيثيات التراجيديا:

الحيثية الأساسية هي خلق نداء تونس بكيفية عجيبة وعن طريق خلطة عجيبة حتى إذا ما فرقت بينهم السياسة بُعيد التنصيب وحّد بينهم مطلب الإجهاز عن العدالة الانتقالية وقتل من يُريد فتح الملفات والحقائق ففروع النداء المُتشظية وحتى من لم يُروضه النداء كان يجمع بين الشتات وبين الحوار وكلمة السر الرابطة بين الجميع هي إيقاف مسار العدالة الانتقالية وبكُل الطرق حتى وان كان بالخروج عن القانون وقد كانت مكنتهم قُدرتهم على تجييش الأدلة وعلى اغتصاب الدليل من الخصم فالرئيسة والهيئة عندهم خارقة للقانون وخارقة للمطلوب، وقد أوصلهم الأمر الى إضمار النقمة على “بن علي لماذا” لأنه تركنهم وغادر البلاد ولم يُمكنهم من المواجهة، مواجهة من؟ مواجهة هؤلاء الضحايا أنفسهم وقد كانت هذه الشخصية الجماعية الجلادة ذات قسمات وسمات هند عُتبيّة نسبة الى هند بن عتبة زوجة ابي سفيان أكّالة الكبد فهؤلاء لم يطفـأ فيهم الغليل لأنهم لم يشربوا من دم الضحايا ولم يأكلوا من أكبادهم ولم يُيتموا كل صغارهم ولم يُثكلوا كُل اراملهم ولم يطلقوا كل حرائرهم ولو يُجوّعوا كل جياعهم ولم يجّهلوا كل جهالهم.

وقد استعمل صنّاع التراجيديا بيداغوجيا أخرى وهي الضغط على السياسيين جميعا حتى يتبعوا ملَتهم وتحقيق مطلبهم الأسمى هو القضاء على المسار فأصبح السياسيون مجرد قاطعي طرق على المرزوقي وأصبح السياسيون يطالبون بالعفو الإداري أو الصلح الإداري ونسوا أو غاب بل غُيّب عنهم أن كل هذا ليس سوى حيثيات تُمهد للتراجيديا التي حصلت فيما بعد وهو التصويت على عدم التمديد، فكانت العدالة الانتقالية أساس تبعيد للمتقارب والمتوائم وأساس توحيد للمشتت والمتباعد، فمثلما وقع الجمع بين شتات النداء المتشظي وذلك بأن اجتمعوا على التصويت ضدّ التمديد وقع جمع آخر بين طرفين لم يجتمعا قط كانت العدالة أساس جمع بينهما وذلك بالتصويت لفائدة التمديد، وهذا يدل على ديناميكية العدالة الانتقالية.

 تراجيديا “الغول” القرطاجنية الإخراج

ان تراجيديا “الغول” القرطاجنية الإخراج قامت على هذه الحيثيات وقام بها فواعل عديدون ولكن مخرجها واحد فهو البطل الخفي يصمت ويتكلمون مُكتفيا بإعطاء أمر التنفيذ فقد عبّر الرئيس الباجي قائد السبسي طويل العمر وأطال الله عمره عن خوفه من تغوّل الهيئات الدستورية التي أصبحت “عصية حتى على الدستور” وما كان الحديث بصيغة الجمع سوى مسرحية ذلك أن المقصود هي “هيئة الحقيقة والكرامة” وكانت هذه الكلمة واردة في سياق الواجب الدستوري الذي جعله ضرورة حاميا للدستور، وفهمنا من يومها أن هذه العبارات هي محضر التنفيذ والذي سيظهر في الركح عن طريق فواعل آخرين نكتفي بذكر بعضهم كنساء قرطاج ولعل بروزهن في الركح هو ردّ على إمرأة الهيئة وقد تذكرت قول احداهن ليلة 14 جانفي وهي عرابة خطاب “فهمتكم توا فهمتكم” je suis sous le choc وتجييش نساء قرطاج يحمل رمزيته الخاصة أيضا ذلك أن امرأة الهيئة الحديدية لها نساء حديديات يُقارعنها حتى لا تبقى محتكرة لوحدها صفتي “الانثوية” و”الحديدية” والفاعل الثاني هم المؤرخون والذين تربعوا في الشاشات جميعا وامضوا على العرائض تسفيها لقول رئيسة الهيئة ونحن إن كُنَا لهم من الشاكرين على غيرتهم الظاهرة على الحقيقة الا اننا نستدرك عليهم مرتين لماذا بقيت هذه الحقيقة مكتومة طيلة تاريخ الاستبداد رغم أن ما قيل قد قاله اليساري والبعثي والقومي والإسلامي فجميعهم قد حوكموا بسببها والاستدراك الثاني هو أن الحديث عن صفقة الاستقلال وإن كان قديما فإن ما يهم العدالة الانتقالية هو كُلفته على الضحايا إذ حوكم طيف كبير من الضحايا بسببه فهل يراد منا أن ننتصر للتزييف، هكذا أرى فيما صدر عن المؤرخين.

الفاعل الثالث هو السياسي الذي عمل على الاستخفاف بالضحايا مرة والتشكيك في مشروعية مأساتهم مرة ثانية، بل إن النظام كان حليما معهم إذ أبقى منهم على قيد الحياة وهذا هو روح فكرة جزء من الدستوريين الأحرار وبعض الفوضويين الذين يرون في الضحايا مجرد مُخادعين ومُتربصين بقوا ينتظرون 62 سنة حتى سمحت لهم الحرية بالكلام ونسوا أن هؤلاء الضحايا لم ينتظروا 62 سنة وانما الجمت افواههم والغريب أنهم يعتقدون انهم قد غطوا بهذا عن وضع الارتباك الذي وجدوا أنفسهم فيه فان كان بعض الدستوريين قد وعوا بالحالة الجديدة الذين وجدوا أنفسهم في موضع الضحية بعد أن كانوا في موضع الجلاد فإننا إزاء صنف آخر من السياسيين قد غيروا مواقعهم من موقع الضحية الى موقع الجلاد أو على الأقل الناطقين بخطابه فاصبحوا على جرأة كبيرة في الدفاع عن الاستبداد وعلى مقدرة خارقة في تجويد الأدلة واختلاقها على غير أصول مقدرة فاقت قدرة الجلادين في الدفاع عن انفسهم ولكن مع فارق جوهري فالجلادون حينما يدافعون انما يدافعون عن مصالحهم بينما هؤلاء يدافعون عن ضد المصلحة ويعتقدون أنهم أحسن بذلك صنعا …

والسياسي الآخر الذي عمد الى صهينة الهيئة ورئيستها وكأنه قد صادق على قانون تجريم التطبيع حينما دعا بعض السياسيين الى سنّه وتتقاطع قضية “الصهينة” هذه مع صهينة أخرى قام بها التجمعيون الذين يريدون النزول من الكرسي وأسقط في يدهم يوم سقوطهم واعتبروا ان ما حصل في الباد ليس سوى ربيع عبري….
الفاعل الرابع هو المؤسسة التشريعية التي فعلت ما فعلت من أجل إيقاف المسار ولكن ليس بالقوَة وإنما بالقانون حتى يظهر للعالم المُتعاطف مع التجربة شرعية كل ما حصل وان كلف هذا الأمر خيانة الرئيس لرئاسة مجلسه وخيانته لهدوئه المتعارف عنه…

الفاعل الخامس: هو الإدارة والمكلف بالنزاعات الذي تعلَل بإفلاس الميزانية وسنبين أنه وقع امضاء آمر صندوق الكرامة الذي سيتكفَل بدفع المستحقات بعيدا عن الميزانية وأبوابها.
ان الفاعلين جميعا ليسوا سوى مُنفذين لأوامر عدل التنفيذ لتنفيذ الحكم الصادر عن الرئيس ذات خطاب في قرطاج، وقد فهمنا على أخرة، والحمد لله اننا فهمنا خصائص شخصية سياسية “بو/بنعلية” أي بورقيبية وبن علي في الآن نفسه ورثت عن الأولى الدهاء السياسي وورثت عن الثانية القدرة الخارقة على التنفيذ وتوظيف الكل ضد الكل ولكنها لم نرها ورثت عن الثورة الشيء الكثير.
وهذا الكل فواعل لأمر آمر يشتركون في حالة من الصلف والكبرياء والقدرة على الاقصاء وعدم الاستعداد للنقد الذاتي وانكار حصول جرائم فما مات الذي قتلوه وما جاع الذي جوعوه وما دمر الذي دمروه ونسوا أن ما اقترفوه في حق للضحايا والذي يشهد به التاريخ يتجاوز ما حصل لمانديلا وما حل بقرامشي والسجلات دليل عليهم…

توصيات ورغبات:

أود أن أورد مقتبسين اثنين مقتبس قديم والآخر حديث، أما القديم فقد جاء في التاريخ بما أن هناك حضورا للمؤرخين وإن كان ليس المقصود هم دون غيرهم، أن عليّا بن ابي طالب قال لقد هتكت بميمنة جيش معاوية وأن معاوية بن ابي سفيان قال لقد هتكت بميسرة حبيش علي، فقال الاخر الداهية – أنا الذي وصفته بهذا قصدا لأننا تحدثنا في سياق المقال عن الداهية – وهو “عمرو بن العاص” فلننقذ الباقي، وهذا هو الطلب والرغبة اذ ندعو الجميع رأفة بالبلاد والعباد أن نُنقذ ما يتيسر لنا إنقاذه والا فإن الكارثة ستعم الجميع وتأتي على الكل فلا يعتقد البعض بأنهم سيكونون من الناجين فالثورة إن أسعفتهم مرة فلن تسعفهم دائما فحذار فقد تكون ردة الفعل بكيفية لا يُمكن التحكم فيها ونعتقد ان الحكماء لابد أن يقُوموا بشيء ما وليس ذلك بعزيز عليهم وإن كان عسيرا….

اما المقتبس الثاني فهو حداثي أورده رائد الانشائية “تزيفتن تودروف” في رائعته théories des symboles الصادر عن seuil وفي تفكيكه للرموز وسلطتها، قال ان ما يميز الانسان عن سائر المخلوقات هو الوحيد من بينها من يرفع رأسه وينظر الى السماء، وفي هذا بعد رمزي فنحن نربو بالإنسان ونربو بالإنسان المُسيّس والديمقراطي أن يكون ساميا ويرتفع عن المُحايث والحيثي ويخرج من دائرة الوقائع التي أرادوا أن يربط بعضهم بينها وبين الرئيس الباجي قائد السبسي، وننظر الى الأعلى والبعيد فالسياسي لابد أن يكون واسع العقل بعيد التفكير لا تُنكصه الوقائع والحيثيات وأن الذي يركن الى الصغائر يموت صغيرا بمعنى يموت حقيرا ولا تحتفظ الشعوب من أبنائها الا بالكبار والعظماء قال المتنبي:

على قدرأهل العزائم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

وله أيضا:

إذا كانت النفوس عظيمة تعبت في مراده الاجسام

والكبير من اتبع الحق والعدل ونأى بنفسه عن الظُلم والكذب، وليعلم الجميع أن الشعوب تُقاس بمقراتها المادية واللامادية ولم يخلّد منها الا من آمن بالعلم باعتباره أساس الابداع والعمل باعتباره أساس الإنتاج والثروة والعدل باعتباره أساس ديمومة الحضارة وخلودها والحرية باعتباره أساس التكوين السليم للذات والوعي، ونعتقد أن العدالة الانتقالية عُنصر ديناميكي مهم في حياة الشعوب ويصنع بها ويُرقَيها بكيفية تفُوق فعل الثروات المادية اذ أنها من صنف الثروات ولكنها ثروات لا مادية من أجلها تقوم الثورات فهي نعم ثروة لنعم ثورة وبدونها لا يكون إلا ديمومة للاستبداد وديمومة الافساد ولا منجي لها منهما الا العدل باعتباره المناهض الأكبر للفساد و إلا الحرية باعتبارها المناهض الأكبر للاستبداد، وليكن مثال جنوب افريقيا حاضرا في الاذهان اذ بالعدالة الانتقالية وقع التحوّل في هذا البلد من بلد عُنصري الى بلد رمز للعمل وهذا بفضل ثروة ليست من صنف “المانيزيوم” انه ثروة لا مادية قوامها العدل وتوزيع الحقوق على أصحابها وفق العمل ولا شيء آخر سواه.
فكسبت جنوب افريقيا بالعدالة الانتقالية هذه الثورة اللامادية ما لم تكتسبه من ثروة المانزيوم المادية فاصبح لها بفضلها شهرة ومكانة وضعتها في موضع الاحترام الذي لم ترتق اليه الا بفضلها …
إن قرّاء الخطاب البورقيبي لم يتفطنوا الى ما هدف إليه هذا الخطاب حينما كان يختار الكلمات والمصطلحات وهو خطاب له اصطلاحيته الخاصة ولم يسألوا أنفسهم لماذا رحّل بورقيبة مصطلح “الفتنة” حينما كان يشهر على اليوسفيين اثناء تنظيمه للمحاكمات، ومن المحاميل المضمّنة في هذا المصطلح حتى يُؤلب الناس ضدهم ويبرز بالتالي افعالهم ويصبح تقتيلهم أحسن من الفتنة التي يُمثلون رؤوسها وهو اذ يفعل ذلك يربط بين الفتنة الأولى أو الفتنة الكبرى والفتنة الحاضرة فالفتنة الكبرى نعرف تأثيراتها والخرق الذي حصل بسببها في المسار العام للحضارة الإسلامية التي مازالت مشدودة الى تلك اللحظة، ان الخطاب البورقيبة وهو يربط بين لحظتين تاريخيتين لحظة الفتنة الأولى ولحظة الفتنة الثانية الذي كان قد جرّد نفسه لوأدها يكون قد ربط بين ما يحدث في المستوى الكل الحضاري أو في مستوى الماكر و الحضاري macro civilasionnelelle والميكرو الوطني، ولكن ما سها عنه الخطاب البورقيبي وقراءه أو ما تعمد تغييبه أن ما حصل في الصراع بين شُقي الحركة الوطنية البورقيبي اليوسفي كان له تأثيرات عميقة مازلنا نعيش تجلياتها الى الآن فقد حصل شرخ في المجتمع لم يحدث مثله على امتداد تاريخ هذه البلاد من قرون بل من ألفيات خلت فقد جاؤوا جميعهم “وندال” و”بيزنطيون” و”قرطاجيون” و وبربر وعرب مسلمون ثم هلاليون وعثمانيون واسبانيون دون أن يقدروا على المسّ من حالة الانسجام والوحدة، فبقينا شعبا واحدا ولكن إن لم يقدر الخارجي على إحداث انقسام في بنية الأمة فإن الانقسام الداخلي فعل ما لم يفعله الخارجي ذلك أن استبداد جزء من الكل على جزء الكل الآخر له تأثيراته الوخيمة والتي قد لا تظهر في إبانها وإنما يكون ذلك وبفعل التراكم على آخر من الزمن، وما انتشار مصطلحات في الخطاب البورقيبي الأصلي وفي امتداده الخطابي في وقتنا الحاضر من قبيل نحن وهم، أو نحن والآخرون وليسوا منا ولسنا منهم ولا علاقة لنا بهم الا دليل على عمق الجروح…..
إن الاستبداد هو أساس الفتن و كسار لوحدة الشعوب وهو واحد وليس متعددا فلا وجود لناعم وقوي كما يذهب الى ذلك بعض المؤرخين المولعين بتشقيق الأوصاف وتفريع الأصناف وغاب عنهم درس البنوية فما دامت البنية واحدة فلا شيء يصنف الا اجرائيا ولكنه أي الاستبداد له قدرة عجيبة على اظهار الأمور في غير صورها الصحيحة انه ملكة عجيبة من الاستعارات لا تفيد الا أضدادها فقد انقلب عنده “لا ظلم بعد اليوم” و “لا مكان للحقد والبغضاء والكراهية” الى أن كل اليوم ظلم وكل المكان والعالم حقد وبغضاء وكراهية و “ربي يحنونو على أمتو” الى “زد بها قسوة بلا رحمة وشفقة” …
والعدل هو صمّام الانسجام والوحدة والتعايش والتواؤم وليس العدل سوى إعطاء الحقوق لأصحابها بناء على الحقيقة وهو جوهر العدالة الانتقالية ومضمونها النبيل والحرية هي صانعة الوعي لدى الشعوب والعمل هو المحدث لثرواتها ونموّها والعلم هو أساس حسن التسيير والقدرة على إدارة الشأن الذاتي فعلى غير هذا الرباعي لا تحصل الا الفتن ولا ينشر الا الخراب ونحن نرجو بالعقل السياسي التونسي الحديث أن يخرج من مدارات العقل القديم وبالتالي أن يغتنم لحظة التحرر التي حصلت بفضل الثورة وينحو منحى بناء ولا يرتكس الى تأويل ما قبل الثورة واعتماد مبرراته الواهية في استعمال القوة فالشعوب لا تنضج الا بالحرية ولا تُجدد الا بالعدل، ولا تحرير للإبداع الا بالثورة فلولاها لما كتبت رواية “الطلياني” ولا ما قراناها وأن نفكر في المفترض فماذا لو لم يتقاتل المسلمون وجنحوا للحوار والتفاهم هل يكون قد حصل ما حصل فلا تغرنك المظاهر ان المظاهر عادة ما تكون زائفة …
إن الخطاب السياسي يكون قد فشل فشلا ذريعا إذا لم يخرج من مضائق رؤية الاستبداد ويكون قد فوّت على نفسه وعلى البلاد لحظة لا تحصل دائما، ونعتقد أن الأصوات التي يشدها الحنين الى الماضي ماضي الاستبداد هي فاشلة لأنها غير قادرة على السباحة خارج مسابح الاستبداد وأن مصلحتها في الاستبداد…
ونحن نعتقد أن العقل السياسي قادر على تخطي الدائرة القديمة لّأنه عليه أن يكون متماهيا مع مطالب الذات الجماعية مطالب الحقيقة والعدل والحرية والعمل لأنها رباعي الخلاص كما قلنا سابقا وقد أثبت التاريخ فشل الاستبداد والفساد في صنع أي خير فهلا التقطنا هذه اللحظة وهلاّ نعمنا بوظائفها النبيلة…..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق