رأيليبيا

بحثتُ عن الشعب الليبي في فيلم “عمر المختار” فلم أجده

 التزييف يختلف عن التزوير، فالتزييف يستهدفُ الوعي، بينما التزوير يستهدفُ الواقع. فإذا كان التزوير صناعةٌ تلعبُ بالمعطيات في مُكَوِّنها المادي “الواقع”، فيكون تأثيرها محدودا زمانيا وذهنيا، فإن التزييف ثقافةٌ تتلاعب بتلك المعطيات في مُكَوِّنها المعنوي “الوعي”، فتجعل هذا الأخير طوعَ بنان إرادة المُزَيِّف.

في الانتخابات مثلا، يكون التزوير بأن نستبدلَ صندوقا بصندوق، وبأن نضعَ ورقة انتخابية مكان ورقة أخرى، فتظهر الأمور على غير حقيقتها التي حصلت. بينما يكون التزييف بألاَّ نمسَّ الأوراقَ والصناديقَ لا من قريب ولا من بعيد، وبألاَّ نُحدِثَ فيها أيَّ تغيير، بعد أن نكون قد صِغْنا وعيَ الشخص الذي سيضع ورقته في الصندوق، بحيث لا يضع إلا الورقة التي نريدها نحن، فيعفينا من مَغَبَّة التزوير في الانتخابات أصلا، لأنننا ضَمِنْا وجهة عقله ابتداءً.

المستبدون يعرفون أن التزوير قصير العمر، فإن لم تحدث بموازاته حركة تزييف متنامية للوعي، فإنه – أي التزوير – يتحول إلى أداة مكشوفة لا قيمة لها في فرض الوقائع عامة والثقافية منها بالدرجة الأولى بما يخدم نظام الاستبداد. ولذلك فإن النظام المستبد يحرص على الدوام على تحويل مُخرجات التزوير إلى ثقافة، عبر العمل على جعلها تصبح مُخرجات تزييف، ولا تبقى مجرد مُخرجات تزوير.

قد يبدو غريبا وغير مألوف أن نستهلَّ مقالَنا السينمائي التحليلي هذا حول فيلم “عمر المختار”، بهذه المقدمة ذات النكهة الفلسفية، لكنَّ القارئ سيكتشف أنها كانت مقدمة ضرورية لتأكيد وجهة نظرنا التي سنسوقُها في هذا التحليل.

إن المموِّل المؤدلَج لأيِّ عمل سينمائي يشتغل في العادة على الوعي مستهدفا تشكيلَه على النحو الذي يريده، فكيف الحال إذا كان هذا المُمَوِّل المُؤَدْلَج مسكونا بالأنا على نحوٍ شديد التضَخُّم، وموبوءا بجنون العظمة، مثل مموِّل فيلم “عمر المختار” لمخرجه الكبير الراحل “مصطفى العقاد”.

إن المستبِد الذي يريد أن تسودَ شخصيته على كلِّ ما سواها في المجتمع، والذي يحرصُ على أن يكونَ النجمَ الأوحدَ، يُنَقِّب في تاريخ شعبه وبلده بحثا عما يؤيِّد به أصالة وعراقة “ثقافة نجومية الفرد”، كي تكون هذه النجومية حالةً غير مُستهجنَة ناتجة في عقل كلِّ مواطن عن يقينه بأن تاريخ بلده ووطنه وشعبه، هو تاريخ أفرادٍ أبطالٍ ونجومٍ صنعوا شعوبا وثوراتٍ، وليس تاريخ شعبٍ أنجب وصنع نجوما وأبطالا. فيغدو من السهل على المستبد متضخم الأنا فرض كل السياسات والأفكار والممارسات التي تتماهى مع مُخرَج تزييف الوعي هذا.

ما موقع كلِّ هذا الكلام في سياق تحليلنا لفيلم “عمر المختار” لمخرجه “مصطفى العقاد”؟!

إن كلَّ المحاولات الاستعمارية التي هدفت إلى طمس حقيقة وعي الشعب الليبي بما كان يحاك ضده في الدوائر الاستعمارية من مؤامرات تستهدف أرضَه وخيراتِه قَبْلَ الاحتلال الإيطالي، هي محاولاتٌ مشبوهة ولا أساس لها من الصحة. فقد تمَّ استبعاد كافة الوثائق الوطنية التي تكشف عن مدى الوعي واليقظة اللذين كان يتمتع بهما هذا الشعب منذ وقتٍ مبكر سبق الغزو الإيطالي لأرضه بعقود.

إن الوعي الوطني بمخاطر التغلغل الأوربي في طرابلس وبرقة “ليبيا”، عرف طريقه إلى مختلف طبقات وفئات الشعب الليبي من مثقفين وعمال وفلاحين ورجال قبائل ورؤساء طرق صوفية. ولعل من أبرز مظاهر وعي فئات المثقفين الليبيين آنذاك بمخاطر المستقبل، في ضوء طبيعة الحاضر المشاهَد، ومن أكثرها دلالة على تطور الذهنية الحركية لدى الليبيين، هو ظهور أول جمعية سرية ذات طابع سياسي وثقافي وعسكري وتعبوي، على مستوى عال من التنظيم والتحرك وكفاءة الإدارة بالمقاييس الثورية. وقد عُرفت هذه الجمعية باسم “الجمعية الخيرية السرية”،

إن المتتبع لتاريخ هذه الجمعية من خلال تمحيص الوثائق الوطنية التاريخية المتعلقة بتلك المرحلة، يجزم بأن من أسسوها أدركوا أن إقليم “طرابلس وبرقة” آيل للسقوط كما سقط غيره، بفعل عدوان إمبريالي جديد. ولذلك كانت هذه الجمعية هي الإطار الحركي والتنظيمي الذي أسَّسَ لمقاومة الليبيين للاستعمار الإيطالي.

والخلاصة أن مقاومة الاحتلال الإيطالي كانت مقاومة الليبيين بوصفهم شعبا واعيا وناضجا تميَّزَ على الكثير من أقرانه العرب في تلك الحقبة من الزمن، وأن هذا الشعب المقاوم هو الذي أفرز قيادات مُقاومة، وليس العكس هو الذي حصل، كما حاولت الكثير من الأعمال الفنية والممارسات الاستبدادية أن تُرَسِّخ في العقل الجمعي لليبيين، كنوع من شرعنة أناها واستعلاءَها واستبدادها ونجوميتها الفردية.

في هذا السياق نُقَدِّم فكرتنا الخاصة حول فيلم “عمر المختار” لمخرجه “مصطفى العقاد”. فهو فيلم ركَّز على شخصية وحيدة هي شخصية شيخ المجاهدين “عمر المختار”، وأبرزه دون غيره، ونَجَّمَه على حساب إغفال نجومية الشعب الذي أنتجه وأفرزه. متجاهلا – أي الفيلم – أن “عمر المختار” كان رمزا لآخر مرحلة من مراحل الجهاد الليبي ضد الاستعمار الإيطالي، فيما كان هو شخصيا استمرارا لمرحلة دامت أكثر من عقد من الجهاد والمقاومة سبقته، وهو نتاج لها، فهي التي مهدت لظهوره كشخص، وعبدت له الطريق كمجاهد. كما أن البيئة الشعبية الحاضنة بنزعتها المقاومة والواعية هي التي جعلت ليبيا تنتج مثل هذه الشخصية.

إلا أن الفيلم لا يذكر الشعب الليبي في سياق أحداثه ومحطاته إلا بوصفه شعبا مقموعا أو مضطهدا أو مقتولا أو متفانيا، لكنه لا يبرز فيه أيَّ تجاذبات توحي بوعي ونضج وتفاعلات فكرية وأخلاقية وإنسانية كانت تعتمل في صفوفه، وكان من نتائجها “عمر المختار” وكل من كانوا معه وكل من سبقوه.

إن عرض شخصية “عمر المختار” في فيلم سينمائي روائي طويل كان يجب أن يركِّز على الجوانب الثورية التي سبقته، وعلى البيئات التي حضنته والتي جاء منها، وعلى القيادات التي سبقته في أعمال المقاومة، والتي تعلَّم منها وتتلمذ على يديها. أما أن يبدأ الفيلم من أخر مرحلة من حياة “عمر المختار” في محاولة لتصوير وكأن ليبيا قبله هو كشخص، بل وقبله هو ذاته في ذلك السن كانت قاعا صفصفا بلا تاريخ يذكر، وبلا نجوم وبلا حراك شعبي صانع للنجوم والأبطال والقيادات، إنما هي شكل من أشكال التآمر غير المعلن على نضالات الشعب الليبي وعلى قدراته وكفاءته الجماعية الواعية المنظمة.

وكأننا بإزاء هذه المعالجة التي قدمها الفيلم، أمام جهة موَّلَت مُشْتَرِطَة هذا النموذج الدرامي، وهذه الرواية للمقاومة الليبية، لأن من شأنها أمام بطولة ونموذجية وكاريزمية شخص “عمر المختار”، أن ترسِّخ في العقل الجمعي الليبي، وفي لا وعي الليبيين، فكرة أن ليبيا تاريخا وشعبا وحاضرا ومستقبلا تقوم على نجومية وكاريزمية الفرد القائد العظيم، وبالتالي يذوب الكل في الواحد، ويختفي المجموع في الفرد.

ولكن الأمر لا يقف في تصورنا عند هذا الحد، فانعدام البراءة في تمويل فيلم “عمر المختار” برواية كهذه لا يحتاج إلى فذلكة، لأن إبراز نجومية الفرد وذوبان نجومية الجماعة في هذا الفرد، ليست هي أسوأ ما في هذا الفيلم، بل إن خُلُوَّه من أيِّ تفاعل بين التناقضات الإنسانية والتجاذبات القيميَّة، يجعله فيلما فقيرا. إنه فيلم عسكري حربي بامتياز رغم هزال المشاهد القتالية فيه بالقياس لما حاول المخرج تقليده في أفلام الحركة الأميركية. إن أكثر من 50% من مشاهد ولقطات وأحداث الفيلم عبارة عن معارك وقتال وحروب ومواجهات، لا قيمة درامية لها أصلا خارج نطاق الإثارة الفَجَّة للغرائز وللمشاعر الانفعالية التي لا تنتج وعيا.

وأخيرا فإننا نخلص إلى القول بأن فيلم “عمر المختار” فيلم لم ينتفع منه على وجه الحقيقة سوى من مَوَّلَه، في حين أنه لم يقدم أيَّ منفعة تاريخية أو وطنية أو قيمية للشعب الليبي الذي تم التنكر له في الفيلم تنكرا شبه تام. لتكون النتيجة التي نكون قد توصلنا إليها في نهاية هذا التحليل، هي ذاتها التي انطلقنا منها في مقدمته.

فيلم “عمر المختار” لمخرجه “مصطفى العقاد” لم “يُزَوِّر” الوقائع التاريخية، لكنه وظفها توظيفا “زَيَّف” بها وعي الليبيين لكي يتماهوا تماما مع فكرة الفردانية، والنجومية الأحادية، وهي ذاتها النجومية التي كان يحرص نظام الاستبداد على ترسيخها في كلِّ صغيرة وكبيرة في البلاد.

فالكثرين يعلمون أن مباريات كرة القدم في ليبيا كانت تجري في الملاعب دون التعليق عليها بذكر أسماء اللاعبين، بل بذكر أرقامهم فقط. فالاسم يُنَجِّم صاحبه باعتباره كائنا بشريا، بينما الرقم لا يُنَجِّم أحدا. فإذا كان فيلم “عمر المختار” قد حرص على ترسيخ الاعتقاد بنجومية الفرد في الشعب الليبي ماضيا وحاضرا من ثَمَّ. فإن تنجيم الأرقام على حساب الكينونات البشرية في العهد السابق كان يقول لليبيين: “إنكم وإن كنتم تُنَجِّمون الفرد كما هو حال تاريخكم. فليس هناك الآن سوى فرد واحد يجب أن تنصبَّ باتجاهه كل أشكال النجومية هو الزعيم فقط”.

 أسامة عكنان

المصدر : العدد 03 من صحيفة رؤية ليبية بتاريخ 11 يونيو/جوان 2018

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق