تحاليلتونسثقافة

تحليل فني للفيلم التونسي “نحبك هادي”

أسامة عكنان

  

ستة وثمانون دقيقة من طبقة الإضاءة المنخفضة والمتوسطة الباعثة على الكآبة والحائلة دون الاستمتاع البصري الحقيقي، ومن الصوت المتذبذب صعودا وهبوطا على نحو مُنَفِّرٍ وغير مفهوم، ومن الأداء التمثيلي الهزيل الذي يُوَلِّد الانطباع أننا أمام أقل من هواة لا علاقة لهم بالتمثيل – إلا فيما ندر – وخاصة من الممثل الذي أدى دور البطل “هادي”، ومن أشياء أخرى سنتطرق لها في هذين المقالين.. نقول: ستة وثمانون دقيقة بهذه المواصفات نقضيها برفقة مشاهد فيلم “نحبك هادي” التونسي الذي حصد الجوائز في مهرجان برلين!!

إن ملاحظاتنا على هذا الفيلم تنصب كلها باتجاه الشكل في السياق الفني الصرف، بعيدا عن المضمون الذي سنجده واضحا منذ أن التقى “هادي” بالمرأة التونسية السائحة المهاجرة في فرنسا، والتي جاءت لقضاء إجازتها في تونس، رغم عدم قدرة صناع الفيلم على تجسيد هذا المضمون بشكل محترم ولائق فنيا إلا في مقطعين فقط، لا نملك إلا أن نعترف لهما فيهما بالعبقرية عندما عرفا كيف يربطان بين ما يريانه من المتناقضات جدا في أحدهما، وبين ما يريانه من المتطابقات جدا في الآخر، بصرف النظر عن موقفنا الفلسفي من الفكرة التي أرادا تمريرها عبر هذين المشهدين. فنحن عندما نُقَيِّمُ العملَ السينمائي من الناحية الإبداعية ننحاز إلى الحياد الفكري، ولا نحكم على الفن أيديولوجيا، لأن الفن وعاء إبداعي تملك الحق في توظيفه كلُّ الأيديولوجيات والمعتقدات والأفكار والفلسفات.

نستطيع إيراد الملاحظات الفنية الشكلية التالية على الفيلم، ما يجعله من وجهة نظرنا من الأفلام هابطة المستوى فنيا إذا ما قيس المستوى بمدى نجاح أو فشل صناع الفيلم في استخدام أدواتهما السينمائية:

1 – من بين الـ 86 دقيقة التي هي مدة الفيلم، هناك ما لا يقل عن 12 دقيقة مشاهد ولقطات للسيارات “ركوب، هبوط، قيادة، سير في الطرقات، جلوس وراء المقود، انعطافات في الشوارع، فتح وإغلاق أبواب.. إلخ”، لا توجد لها أي قيمة درامية، ولا تضيف أي معلومة سردية، ولا تبعث بأي رسالة فكرية أو فنية، في ضوء السياق الذي جاءت فيه، وفي ضوء ما سبقها وما تلاها من مشاهد. يضاف إليها ما لا يقل عن 4 دقائق مشاهد مشي في الممرات أو صعود سلالم أو انتقالات من مكان إلى آخر.. إلخ، وهو ما يجعلنا أمام مدة لا تقل عن “16” دقيقة من الفيلم، عبارة عن لغو سينمائي لا معنى ولا فائدة ترتجى من ورائه، بل هي مدة لغو أضرت بالعمل بتشويهه إبداعيا، وبجعله مُقَطَّعا، وغير متناسق، ومفصولة بعض مشاهده عن بعضها الآخر، فهي مجرد إقحامات يحسُّ المرء بأنها تهدف فقط إما إلى ملأ الفراغات بين بعض المشاهد بـ “فواصل” متصنَّعة ومتكلَّفَة، أو إلى إطالة الوقت ومطمطته، بشكل مُمِل وبعيد عن أي معنى.

2 – المشاهد الحوارية بين “هادي” وخطيبته هي مشاهد تم الحرص على تنفير المشاهد منها، بجعلها مشاهد بلا أي حركة، ميتة، ثابتة، في سيارة غالبا، معتمة جدا، ومملة، وطويلة جدا. هنا نتساءل: إذا كان الهدف من ذلك هو تصوير حالة “الخطوبة التقليدية التي تقوم بها العائلة” بأنها حالة كئيبة وسوداوية، فكان بالإمكان البحث عن أدوات سينمائية قوية تجسد هذا المعنى، لا أن يتم فعل ذلك بتغييب الحسن الفني عن المَشاهد.

3 – الانتقال في الإضاءة من مشهد إلى آخر لم يكن لا منطقيا ولا فنيا في الغالب. فعندما يدخل هادي إلى المطبخ تكون الإضاءة معتمة حتى في النهار، وعندما يدخل إلى غرفة أخرى في المشهد التالي تتغير الإضاءة فتصبح الطبقة أعلى قليلا، بل عندما يجلس أمام النافذة نرى طبقة الإضاءة خارج النافذة عالية وداخل الغرفة معتمة بلا أي رسالة درامية. إن التغيير في حيثيات الإضاءة طبقةً وتبايناً وشدةً، من مشهد لآخر، إن لم ينطوي على رسالة يُراد تمريرها عبره تحديدا، فإننا أمام حالة من الجهل بدور الإضاءة الدرامي.

4 – الانتقال بين الكثير من المشاهد يفتقر إلى قواعد السرد الفنية المنتجة للفكرة وللمعنى، بحيث نخرج من متابعة هذه المشاهد المتتابعة بلا أي إحساس فني بالرسالة المراد تمريرها. على سبيل المثال الانتقال من المشهد الذي كان فيه هادي في غرفته في الفندق بلباسه الداخلي إلى المشهد التالي غير مقنع وغير مفهوم، فلقد رأيناه مرتديا ثيابه ثم رأينا رقصا على خشبة مسرح، ورأينا فتاة تتمايل في غرفتها، ثم رأيناه يرسل رسالة دون أن نعرف هل خرج من الغرفة أم هو فيها، وكيف ظهرت هذه الفتاة، وهل أن الغناء هو على شاشة التلفزيون التي كان يشاهدها أم في مكان أخر.. إلخ؟. ثم في المشهد التالي نجده نائما يتلقى رسالة على الموبايل يقرأها دون أن نعرف ما فيها، لأنها مكتوبة بالفرنسية وبخط صغير، ثم يعود لينام وكأنها غير مهمة. ثم في المشهد التالي نراه يسبح على الشاطئ في مكان ما. ثم يتلقى مكالمة فيركض إلى الشاليه ليسمعها هناك، لا نفهم مع من يتحدث، ولا لماذا ركض نحو الشاليه!! وبعد المكالمة يعود إلى الشاطئ. ثم تسأله امرأة عابرة عما به كأنها تعاكسه، لكنه يجيب إجابة غير مفهومة ويذهب، ثم نراه خارج الشاطئ يقود سيارته، ثم نراه في مشهد مع فتاة محجبة تذهب به على السلم إلى مكان ما!! ثم نراه فجأة بلباس غير لبسه في مطعم ربما يكون مطعم فندق وربما في نفس الشاطئ الذي كان فيه، ثم يرى المرأة التي سألته عندما كان يركض عما به، فيذهب إليها ويحدثها فيما بدا أنه اعتذار منه على موقفه عندما سألته، وهي تشير بأن الأمر عادي.

ماذا أراد أن يقول لنا صناع الفيلم بهذه المشاهد المتناثرة غير المفهومة؟ لقد فشلوا في توظيف أدوات السينما لإرسال رسائلهم.

5 – من بداية الفيلم وحتى انتهاء الدقيقة 33 منه لا نفهم غير أن هناك شابا كئيبا عنده مشكلة ما!! تخطب له والدته ويرى فتاة تعجبه، ويأتي أخوه من فرنسا ليطلبها له رسميا. إن كل المشاهد بين اللحظتين لا قيمة درامية لها. وكان بالإمكان حصرها في مشاهد لا تتجاوز الخمس دقائق للوصول إلى مشهد الخطبة الرسمي. أي أن أكثر من 25 دقيقة هي مجرد حشو ولغو وملأ وقت بشكل لا إثارة ولا تشويق ولا معنى فيه.

6 – المشاهد الجنسية مقحمة إقحاما في الفيلم. إذ كيف يمكن لرجل أن يبدأ ممارسة جنسية مع امرأة في الماء ثم في غرفتها من أول مرة وبدون أي مقدمات عاطفية بينهما تؤدي إلى هذه النتيجة؟ أظن أننا أمام محاولة لإقحام الجنس بطريقة ما وبدون إقناع، خاصة وأن هذا الشاب كان طول النصف الأول من الفيلم منطويا خجولا كئيبا، فكيف ينقلب فجأة بعد الخطبة إلى هذا الحال، ليمارس الجنس مع امرأة لا يعرفها، بهذه السرعة وبهذه الطريقة؟!

7– هناك مشهد مدته أكثر من دقيقة فيه يهبط هادي من سيارته في منطقة مفتوحة واسعة لا معالم لها توحي بأي شيء لا جمالي ولا غير جمالي. ويمشي معطيا ظهره للكاميرا فيما بدا أنها محاولة من صناع الفيلم لإيصال رسالة بأنه يفكر أو بأنه مشغول ومهموم. دون أن نرى وجهه أو أي انفعال عليه، أو أن تكون في المكان تكوينات تساعد على تخليق تصور ما. منطقة فارغة بدون معالم ورجل يمشي لا نرى إلا ظهره. ودقيقة تضيع هكذا لمجرد ملء الوقت.

8 – مشهد انفجار “هادي” أمام الأم والأخ الأكبر بعد أن اختفى ليلة الزواج فجأة، هو انفجار مصطنع، مع تحفظنا على فجاجة ما أراد صناع الفيلم تمريره بهذه الحركة غير المفهومة، ألا وهي الاختفاء ليلة الزواج. فمثل هذا الموقف يحتاج إلى جرأة وشجاعة لم نرهما في “هادي” على مدى الفيلم كاملا إلا في ذلك الانفجار المفاجئ. لسنا ندري هل كان من الصعب على هادي الذي أعلن موقفه لأمه وأخيه عندما عثرا عليه بعد اختفائه بهذا القدر من الانفعال المفاجئ، أن يفعل ذلك بشكل عادي قبل ترتيبات الزواج، ليتم فسخ الخطبة، وهو أمر يحصل كثيرا دون أي ضرر بأي كان؟! إن لجوء هادي إلى هذا التصرف السخيف هو إقحام بلا قيمة درامية، فقد كان إعلان فسخ الخطوبة قبل الزواج بأيام أكثر قدرة على إثراء العمل بتجاذبات وحوارات ومناوشات وصراعات، يبدو أن صناع العمل لا يملكون أدواتها.

9– لم ينتبه صناع الفيلم إلى أنهما ارتكبا خطيئة سينمائية عندما فشلا في إقناعنا بالتغيرات الانفعالية وبالتقلبات في المواقف التي تعتري هادي من وقت لآخر، وهي التقلبات والتغيرات الفجة وغير المبررة والتي لا تنسجم مع طبيعة شخصيته كما عرفناها على مدى الفيلم. فهو يخطب وتعجبه خطيبته، ثم يتعرف على فتاة جميلة متحررة ومتفتحة ويقيم معها علاقة، لتنقلب بسببها مواقفه من خطيبته، ثم هو يقرر عدم إتمام الزواج، والسفر مع صديقته الجديدة إلى فرنسا، ثم يتصرف تصرفا غير متوقع منه وهو الاختفاء ليلة الزواج، ثم نراه وحشا كاسرا في لحظة الانفجار في وجه أمه وأخيه، لنفاجأ بدون أي فهم لماذا وكيف حصل ذلك، بأنه عدل عن موضوع السفر.. إلخ. تقلبات في المشاعر والانفعالات والمواقف بلا أي منطق أو تأسيس درامي مقنع يجعلها مفهومة لدى المشاهد من شخصية كان من الواضح منذ البداية أنها شخصية انطوائية وكئيبة ومهزوزة.. إلخ.

10 – وأخيرا فإننا رغم كل ما ذكرناه سابقا نعتبر أن صناع الفيلم وفقوا في إيصال رسالة بالغة الخطورة إلى المشاهدين – هذا إذا كانا قد قصداها فعلا ولم تظهر بشكل تلقائي لم يقصداه في ضوء عبثية تتابع المشاهد وانعدام الترابط بينها كما مر معنا في الملاحظات السابقة – وقد تجلت هذه الرسالة في مقطعين هما:

أ – المقطع المكون من مشهد المقبرة التي يمر هادي بجوارها بسيارته، ليتبعها مباشرة مشهد المسجد والصلاة ثم مشهد الخطبة الرسمية ومشهد الزغاريد، في ربط غريب بين المقبرة والصلاة والخطبة التقليدية. هل هي رسالة مفادها أن التدين والصلاة والمسجد والزواج التقليدي من جهة، والقبور من الجهة المقابلة، هي أشياء متشابهة من حيث اشتراكها في الموات مثلا؟

ب – مشهد المقبرة مرة أخرى، عندما يجلس هادي وعشيقته ليستريحا أمام مقبرة، ورغم أن المقبرة تقتضي الخشوع والتأمل في الموت، فإنهما يضحكان ويتحدثان ويتهامسان وتقبل عنقه وتحضنه.. إلخ دون أي اهتمام بأنهما يجلسان في مواجهة قبور وأموات، في أمور بعيدة كل البعد عن أخلاقيات عالم الموت والقبور. هل هي رسالة بأن نقيض القبر والموت هو هذه الحياة التي تجسدها العلاقة بين هادي وصديقته تلك؟

إننا نتجنب هنا ذكر أي موقف فكري أو أيديولوجي لنا إزاء الرسالة المراد تمريرها بهذين المقطعين من الفيلم، ونعترف بأن صناع الفيلم وُفِّقوا في خلق تتابع سردي شديد الدلالة والتعبير. مرة بتجسيد حالة التناقض عبر المشهد العاطفي المرغوب والمطلوب والذي هو الحياة بعينها في المقبرة التي هي مكان الموت بعينه. فمن أراد أن يخلق حالة حياة مناقضة لحالة الموت الذي تمثله المقبرة، فطريقه هو طريق هادي وعشيقته. ومرة أخرى بتجسيد حالة التطابق عبر مشهد الخطبة التقليدية المنبوذة وغير المرغوب فيها، والتي هي الموت بعد المرور إليه من المقبرة التي هي مكان الموت بعينه.

إن صناع الفيلم يقولون لنا: “من أراد أن يعيش حياة لا تختلف عما في القبور من صمت الموت، فإنما عليه أن يمر إلى علاقته بالمرأة عبر هذا الخيط التقليدي للخطبة والزواج، ومن أراد أن يعيش الحياة المناقضة للموت، فعليه أن يمر إلى علاقته بالمرأة عبر ذلك الخيط العاطفي الذي ربط هادي بعشيقته المهاجرة”.

المصدر: الرأي العام التونسية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق