تحاليلتونسثقافة

قراءة نقدية لفيلم عصفور السطح

أسامة عكنان

 

بعدما علمت أن الفيلم التونسي “عصفور السطح” الذي أنتج عام 1996، أثار جدلا واسعا في الأوساط السينمائية، حتى خارج تونس، قررت أن أشاهد “هذه الرائعة السينمائية!!” التي أثارت كل ذلك الجدل، كي أعيش الحالة السينمائية المتميزة التي تفعل ذلك في النقاد وفي المشاهدين على حدٍّ سواء.

لكنني بعد الانتهاء من مشاهدتي للفيلم حزنت على السينما التونسية التي يُعتبر هذا الفيلم نموذجا من نماذجها المثيرة للجدل. اللهم إلا إذا افترضنا أن الجدل يثور حول ما لا قيمة فنية له، دفعا بصناع تلك السينما ليعيشوا وهمَ أنهم مبدعون فقط ما داموا ينتجون ما يثير الجدل بهذه الطريقة، ومن هذا الباب، ووفق هذه الأسس.

إن أي فيلم سينمائي يُقيَّم من زاويتي “الشكل” و”المضمون”. فأما من “زاوية الشكل”، فنقوم بتقييم مدى تَمَكُّن صُناع الفيلم – وهما بالدرجة الأولى “الكاتب” و”المخرج” – من توظيف أدواتهما بشكل ينطوي على القدر المقبول والمحترم من الإبداع السينمائي. وأما من زاوية المضمون، فنقوم بتقييم الرسالة الفكرية والمجتمعية والأخلاقية التي عمل الفيلم على تسويقها للمشاهد.

أولا: تقييم الفيلم من حيث الشكل

أ – السيناريو مهلهل ومهزوز:

ولا ينطوي على وحدة موضوع متناسقة كما يفترض ذلك مفهوم الحبكة السينمائية. ولا يُرَدُّ على ذلك بادعاء التجريدية والرمزية، فسيناريو الفيلم أبعد ما يكون عنهما. لقد كُتب السيناريو ارتجالا، أو أنه كُتِبَ ضمن “مفهوم الورشة” بقرار مسبق حدَّد مجموعة صور يجب أن تظهر على الشاشة، وأن كل ما سيكتب يجب أن يخدمها، وأن يكتب لأجلها. ما جعل الكتابة خادمة للصورة التي أريد عرضها وتحددت هي باعتبارها خالقة النص، ولم تعد الصورة خادمة للفكرة التي يفترض أن تتم الكتابة لأجلها. وهذا وضعٌ مقلوب للكتابة لا يستقيم في السينما بوصفها فنا، وهو مفهوم الكتابة بمنطق “السكيتش” والقائم على مبدأ تحديد “الصورة” أو “الموقف” أو “الإيفيه” التي يراد عرضها على المُشاهد، ثم البحث عن سياق نصي لها. لذلك يمكننا ملاحظة المسائل التالية في هذا السيناريو بكل بساطة:

1 – معظم المشاهد لا تتابع حدثي بينها، ويمكن لكل مشهدين أو ثلاثة مشاهد، أن تعتبر “سكيتشا” قائما بذاته، لا تقوم أي علاقة سردية بينه وبين ما سبقه أو بينه وبين ما سيليه. فكثيرة هي مشاهد الفيلم التي يتم الانتقال منها إلى التي تليها، لنجد أنفسنا أمام قصة جديدة نستطيع أن نبدأ مشاهدة الفيلم منها أو أن ننتهي بها، دون إحساس بالانقطاع. وهذا بؤسٌ قاتل في السيناريو.

2 – نستطيع بكل بساطة تغيير موقع أي حزمة ثنائية أو ثلاثية من المشاهد، تأخيرا أو تقديما، دون أن نشعر بأن شيئا ما قد تغير في الفيلم لا سردا ولا فكرة ولا صورة. وهذا دليل قاطع على أننا لسنا أمام “سيناريو” وإنما أما صور متتابعة، لا فرق بين أن نشاهد أولاها في منتصف الفيلم، وأخراها في بدايته دون أي إحساس بالنشازية.

ب – الإخراج فاقد لكل أدواته:

1 – فالكاميرا تهتز أحيانا، وزواياها لا إبداع فيها، وهي أقرب إلى الثبات الكامل من الحركة التي هي سمة الفيلم السينمائي أصلا.

2 – القطعات داخل المشهد الواحد كانت تتم غالبا بلا أي داعي لها بسبب كون معظم مشاهد الفيلم من النوع الهادئ الذي لا حركة فيه وهو ما يتطلب تحريك الكاميرا ذاتها دون قطع، لا تحريك المشهد بالقطع المتصنع لتوليد الانطباع بالحركة، وهذا عجز فادح يشي بأن المخرج لا يملك أدواته جيدا.

ثانيا: تقييم الفيلم من حيث المضمون:

إما إذا انتقلنا إلى المضمون، فسنجد أنفسنا أمام صناع فيلم كشفوا من خلال مضمونه عن فداحة الخلل في شكله الذي اضطرهم إليه مضمونٌ عجزوا عن تخليقه من خلال نص متناسق ومنسجم ومكتوب بشكل سينمائي سردي أساسا ومن البداية. إذ من الواضح أن صُناع هذا الفيلم كان يسيطر عليهم من اللحظة الأولى للتفكير في إنجازه هاجسٌ مَرَضي هَوَسي بعلاقة “الكبت والحرمان” بـ “التفريغ الجنسي المنحرف”. إننا أمام صورة نمطية لعرض تصور نمطي لتلك العلاقات لا جديد ولا إبداع ولا خلق فيها.

وكأننا أمام مخرج وكاتب قررا أن ينتجا شريطا من الصور المتحركة يعرض العناصر التالية:

أ – أكبر قدر من النساء عاريات الصدور والمؤخرات والأجسام، أو حتى غير ذلك إن أمكن.

ب – حالات الحرمان والكبت لدي الأطفال والمراهقين.

ج – علاقة الدين الذي يمثله الشيخ بالشعوذة والكبت الجنسي.

د – أكبر قدر من عدم الانضباط الجنسي لدى الرجال المكبوتين.

ولما لم يكن الكاتب مؤهلا لصياغة سيناريو محكم سرديا يصور هذه المسائل بإبداع حقيقي، فقد تم رسم مخطط قُرِّرَت فيه مجموعة من الصور تُحَقِّق الغايات السابقة، وتم ملأ الفراغات بعد ذلك بنص يربط بينها قدر ما يُستطاع، فجاء الفيلم “سكيتشات” لا رابط بينها لا شكلا ولا موضوعا.

أما المحطات التي تم تقريرها مسبقا والتي تمنح ثراء في الصور المطلوبة فهي:

1 – الحمام، ففيه يمكن التلاعب بالعري المبرر بلا ضوابط.

2 – الطفل “نورا” الوسيم، لإدخاله إلى الحمام وتحويله إلى صلة وصل بين عالم العري وعالم الكبت.

3 – صاحب محل الأحذية المغني، الذي جُعِلَ بوابة للانفتاح في العلاقات الجنسية.

4 – المطلقة الجميلة المثيرة التي تقع عليها شهية الرجال.

5 – الفتاة المصروعة كمدخل للشعوذة.

6 – الفتاة الجميلة الساذجة كمدخل للعري البريء.

وبعدما تم وضع هذه المحطات الأساس، تم البدء بكتابة السيناريو كمشاهد تربط بين هذه المحطات ليس إلا، فخرج علينا الفيلم على النحو البائس الذي شاهدناه.

ما يزال في حوزتنا الكثير مما ينبغي أن يُقال عن هذا الفيلم، ولكن ضرورات المساحة المقررة لنا توجب أن نتوقف هنا، واعدين بحديث أكثر تفصيلا عن مضمون الفيلم ورسائله وعلاقاتها بشكله في المقال القادم.

  •  الحمام الشعبي وهاجس العري الهَوَسي 

“عصفور السطح”، فيلم سينمائي تونسي مدته تسعون دقيقة لا يزيد عدد مشاهده الإجمالي عن مائة مشهد، أكثر من نصفها مشاهد جنسية بامتياز، تتراوح جنسيتها من الإيحاء الواضح، إلى الجنس متوسط السخونة، إلى الفعل الفاضح والجارح الذي ينطوي على العري بأقصى درجاته المتصورة. يحاول صناعه – “الكاتب والمخرج” – أن يصورا لنا الحالة الاجتماعية في حي شعبي في العاصمة التونسية بأنها حالة “هوس جنسي” مبني على الكبت والحرمان والرغبات المدفونة المرتبطة بالشعوذة والدجل القائمين في قلب الدين، من خلال استعراض يوميات طفل وسيم اسمه نور، تم الحرص على أن يكون أكبر سنا من أن يجهل ما أُريدَ إلصاقُه به، وأصغر سنا من أن يحولَ هذا السن بينهم وبين تمرير أحداثٍ يستحيل تمريرها عبر فيلم سينمائي لجهة عدم كونها مقنعة للمشاهد إذا لم يكن عنصر سن الطفل محبوكا على ذلك النحو المخادع.

فهل نجح صناع الفيلم في تمرير الخدعة عبر التلاعب بسن الطفل “نور”؟!

شخصية الطفل نور وجدلية الخداع:

في الحمام تتعرى المرأة تعريا كاملا أمام نظيرتها المرأة، وهي الفرصة المناسبة لتمرير العري كاملا إذا تم تبرير الدخول إلى الحمام بشكل مقنع لمشاهدة هذا العري. فلو لم يدخل إلى حمام النساء “ذكر”، فَقَدَ مشهد الحمام أيَّ قدرة على الإقناع، وتحول فقط إلى فرصة لعرض صور العري بلا أيِّ داعي غير الإثارة وتسويق العري الفاضح، فتفقد الدراما أيَّ وجود لها في العمل.

أما إدخال ذكر بالغ وكبير حتى لو كان مراهقا في بدايات مراهقته تعني له مشاهد العري الشيء الكثير، فكان أمرا مستحيلا. فلا مجال لإقناع أي مشاهد بأيِّ تبرير لدخول مثل هذا الذكر إلى حمام النساء.

كما أن إدخال طفل صغير “لم يطلع على عورات النساء بعد”، لم يكن ليؤدي الغرض المطلوب.

وأمام هذا الاستعصاء على الإمكان كان لابد من صياغة خدعة تقوم على إدخال ذكر يبدو كبيرا إلى درجة أن كِبَرَه يوحي بأن الجنس حاضر في عملية الدخول، وفي نفس الوقت يبدو صغيرا على نحو ربما يحقق قدرا من الإقناع في تبرير دخوله إلى الحمام. فجاءت شخصية الطفل نور الوسيم. وهذه هي الجدلية المتناقضة التي يقوم عليها الفيلم برمته، ما يجعله فيلما فاقدا لأيِّ قيمة درامية ولأيِّ إقناع سردي.

الأم تناضل لإقناع صاحبة الحمام بإدخاله رغم اعتراضها هي ومساعدتها على ذلك في البداية بالإشارة إلى رجولته وشاربه وطوله وإلى حبِّ الشباب في وجهه.. إلخ، ويدخل نور رغم اعتراض المساعدة على ذلك

ويدخل نور إلى الحمام مرتين بنفس الآلية:

فإذا كان رَفْضُ دخولِه راجعا إلى أنه كبير، فهل يُعتبر مبررا مقنعا أن يدخل لأنه يستعد لختان أخيه؟ تبرير بائس!

وإذا كان قد رُفِضَ دخولُه لأنه بطول الرجال، ولأن له شاربين ينبتان، فهل يُعتبر مبررا مقبولا أن يدخل لأن أباه لو أخذه معه سيعود به متسخا؟! تبرير أكثر بؤسا!

في الحمام بدا واضحا أن نور وفي المرتين يراقب كل التفاصيل.

ويُظْهِر لنا المخرج العريَ كما نراه في أفلام قنوات البلاي بوي. نساء عاريات يستعرضن أجسادهن أمام الكاميرا، أثداء، مؤخرات، بطون، أفخاذ، أعضاء حميمة أحيانا.. إلخ. ولأن المخرج على يبدو يدرك كيفية تحويل المخفي إلى مثير جنسي أكثر من إظهاره، لجأ إلى حركة لا معنى لها في حمام شعبي. فإذا كان قد أبرز لنا مشاهد عري كاملة بما فيها إظهار العضو الجنسي للمرأة، فلماذا يلجأ في لقطات أخرى إلى جعل بعض النساء يغطين أعضاءهن إما بإناء أو وعاء أو أداة تدليك، ويمشين عاريات في كل شيء ما عدا ما أخفينه؟ إن المخرج يريد لفت انتباه المشاهد إلى المخفي بعد أن شعر بأنه سيمل العري الفاضح في الحمام.

لقد تم الحرص على إحاطة نور في مختلف مفاصل هذا الفيلم بالجنس وبجسد المرأة وبالعري وبالعلاقات المشبوهة.. إلخ. كل ما حوله يقول ذلك. وهو – وهذا من المفارقات العجيبة – يتعثر دائما بهذه المواقف. وكأن التونسيين والتونسيات يمارسون الجنس في الطرقات وفي الغرف المفتوحة، وكأن النساء يتعرين أو يكن جاهزات للتعري بكل سهولة. وكأن نور لا يبالي بأن يدخل أي غرفة فيها امرأة نائمة ليقوم بتعرية جزء من جسدها لمشاهدته دون أن تحس به أو تراه. ويراد لنا أن نقتنع بأن هذا الطفل المهووس باكتشاف الجنس والمرأة طفل صغير غير مدرك يتم بسهولة إدخاله إلى حمام النساء كمبرر للمشاهدة الفاضحة.

فإذا كان نور ناضجا جنسيا كما بدا واضحا خاصة في المشهد قبل الأخير الذي دخل فيه على ليلى اليتيمة الممددة في سريرة ليكشف عنها الغطاء فيجدها عارية تبتسم له وتطفئ النور، ليخرج بعدها راقصا مزهوا كأنه يخرج من مغامرة متعة غير عادية.. نقول: إذا كان نور ناضجا إلى هذا الحد، فكل المشاهد التي قامت على إدخاله إلى الحمام وما بني عليها، هي مشاهد تمتهن عقل المشاهد وتكذب عليه وتستدرج سذاجته وتزيف الحقيقة. وإذا كان نور غير ناضج جنسيا ولهذا تم إدخاله إلى الحمام، فلماذا كل هذا القدر من تصويره مهووسا برؤية النساء عاريات في المجلات وفي الغرف المغلقة ومن النوافذ السرية ومن فوق الأسطح دون أن يتردد في دخول غرفهن وكشف أجسادهن ومحاولة تعريتهم في أكثر من عشرين مشهدا.. إلخ.

إننا باختصار شديد أمام بالوعة من الجنس الفوضوي غير المنظم وغير الموظف، يتعامل معه بقدر كبير من الإسفاف!!

أما حكاية مدى علاقة المشهد الجنسي المصور من حيث المبدأ بالفن وبالضرورة الدرامية وبحرية الإبداع كما يزعم المخرجون والكتاب دائما، فإن لنا معها وقفة فلسفية مطولة عندما يأتي الوقت المناسب في تحليلنا للأفلام التونسية في مقالات قادمة.

المصدر: الرأي العام التونسية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق