تونسدراسات

قصة التنظيمات والأجهزة السرية والخاصة للتيارات الفكرية والسياسية التونسية (1918-2018)(ج6)

علي اللافي (كاتب ومحلل سياسي)

 

الحلقة السادسة : أنشطة البعثيين السرية والعلنية في تونس قبل الاستقلال (1940-1956)

  • رؤية البعث للقومية العربية ونشوء وتشكل الوعي القومي في تونس   

صاغ مؤسس حزب البعث المرحوم ميشال عفلق في بداية ألأربعينات رؤيته للفكر القومي وللقومية العربية على أسس مشابهة للأسس التي بني عليها كل من ساطع الحصري وزكي الارسوزي رؤيتهما للفكر القومي، إلا أن مؤسس “البعث” فرق منهجيا بين “القومية العربية”، و”النظرية القومية”، فالفكرة العربية بالنسبة إليه هي فكرة بديهية، أما النظرية القومية فهو التعبير المتطور عن تلك الفكرة حيث أكد كتابه المعروف “في سبيل البعث” أن “القومية العربية لدى البعث واقع بديهي، يفرض نفسه دون حاجة إلى نقاش أو نضال، أما مجال الاختلاف وضرورة النضال….”، والقومية بنظر عفلق تقوم على مقومات الشعور المشترك والمصلحة المشتركة “فنحن نسمي عربا هذه المجموعة من البشر التي استلمت من الماضي تلك المقومات والشروط الابتدائية والضرورية، للشعور المشترك وللمصلحة المشتركة، لا لتقف عند هذا الحد، بل كنقطة انطلاق تبدأ منها حياة جديدة، تملؤها بكل المثل الإنسانية التي توحي بها، أو تدفع إليها تجربتها الحاضرة”[1]،  غير أن حزب البعث عاد بعد اندماجه بالحزب الاشتراكي أكرم الحوراني، فأدرج النظرة الاشتراكية في برنامجه وفي نظريته السياسية….

وعندما أسس ميشال عفلق “حزب البعث”، كانت أفكار القومية العربية والوحدة العربية قد انتشرت في أوساط الطلبة والمثقفين في سوريا ولبنان، من خلال كتابات زكي الأرسوزي، وساطع الحصري، وقسطنطين زريق، ولم يكن تأسيسه سوى الإعلان عن انتقال الممارسة القومية من المجال النظري إلى مجال التأطير السياسي وعمليا أثرت أدبيات حزب «البعث العربي الاشتراكي» في مجمل الحركة القومية العربية، ومعلوم أن ثورة 23 جويلية/يوليو قد تأثرت بالأدبيات الأساسية للفكر البعثي بل وحملت الكثير من أبعاده ورؤيته لعدد من القضايا الفكرية والسياسية[2]، ومن خلال ذلك استطاعت أن تحسم النقاش حول هوية مصر باعتبارها هوية عربية، في قطيعة معرفية مع مفهوم المصرية السياسية السائد في النصف الأول من القرن العشرين، وتنص المادة الأولى من الدستور الجمهوري للعام 1956 على أن “مصر دولة عربية مستقلة ذات سيادة، وهي جمهورية ديمقراطية، والشعب المصري جزء من الأمة العربية[3] ومن المقتطفات التي وردت في خطاب عبد الناصر الافتتاحي: “القومية العربية نداء عاطفي، ورابطة تاريخية، ومصلحة مشتركة، ثم بعد ذلك ضرورة إستراتيجية..”[4]

ولم تكن في تونس المقاربة بعيدة من حيث الإرهاصات الأولى ومن حيث تطور الوعي القومي منذ بداية القرن العشرين حتى منتصف الخمسينات، حيث ساهمت أدبيات حركة الإصلاح وأدبيات شيوخ الزيتونة وطبيعة سياسات الاستعمار الفرنسي تجاه الشعبين الجزائري والتونسي ونتاج السياسيات الاستعمارية للايطاليين في ليبيا في بوادر وعي بأهمية التقارب بين الشعوب العربية والمغاربية بالأساس  وهو ما أوجد لحمة مغاربية وخاصة بين التونسيين والليبيين من جهة وبين التونسيين والجزائريين من جهة ثانية وقد تجسدت في التالف وروح الأخوة والتواصل اللوجستي في التصدي للقوى الاستعمارية ثم تجسدت لاحقا في مكتبي المغرب العربي في كل من القاهرة ودمشق، وأيضا من خلال الجمعيات الطلابية المغاربية في فرنسا وعمليا كانت بعض قيادات الحزب الدستوري التونسي الذي تعايشت فيها كل التيارات الفكرية والسياسية، عروبية من خلال ثقافتها ورؤيتها وعملها الميداني واهتمامها بالقضايا العربية وعلى رأسها الشيخ عبد العزيز الثعالبي ثم تكرست في مواقف كل من الدستوري القديم بقيادة صالح فرحات والدستوري الجديد من خلال مواقف الحبيب ثامر وصالح بن يوسف وفرحات حشاد ومن خلال مواقف جمعيات واتحادات الطلبة الزواتنة…

  • ظهور البعثيين في تونس خلال عقد الأربعينات

           تعتبر الأربعينات بداية لظهور مناضلين بعثيين ذلك أن هذا الظهور تجسد فعليا بقدوم مفكر عراقي يدعى الأعظمي والذي قدم إلى تونس آواخر الثلاثينات وشرع يتصل بالمناضلين الوطنيين ويحثهم على الانخراط في الحركة القومية بل أنه علمهم يومذاك نشيد “بلاد العرب أوطاني” (وهي رواية أكدها الوزير الأول التونسي الأسبق المرحوم الباهي الأدغم سنة 1980[5])، إلا أن ذلك الظهور خلال عقد الأربعينات وانتشار فكر حزب البعث العربي الاشتراكي ارتبط بعوامل عديدة فكرية وسياسية وثقافية من بينها:

  • “حزب البعث العربي الاشتراكي”، هو صاحب المحاولة الأولى تاريخيا لتعريف القومية العربية بالقطع مع ما كان سائدا في بداية القرن العشرين حيث تمتع طرحه بوضوح نسبي، بل أن رؤيته لمفهوم الأمة متقدمة بالنسبة للطرح الذي ساد العالم العربي خلال عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين بل حتى بمفهوم الأمة الذي طرحته حركة القوميين العرب والتنظيمات الناصرية.[6]
  • عودة الطلاب الذين درسوا في جامعات دمشق وبغداد منذ الأربعينات والذين كان لهم الدور البارز في نقل أفكار حزب العبث إلى تونس ونشره بين الجماهير الشعبية وبعضهم تولى لاحقا مناصب سياسيا عليا في المؤسسات السيادية ولكنه فضل عدم الإعلان عن علاقاته السابقة بحزب البعث أو الإفصاح عن ذلك على غرار المرحوم عبد الله العبعاب، إضافة إلى آخرين …
  • الحرب العالمية الثانية التي ما إن قاربت على نهايتها حتى انخرط العديد من الزعماء الوطنيين في التيار القومي العام وأنشئوا هيئات سياسية كانت قناة اتصال وتواصل مع المشرق، أين يسود فكر حزب البعث من مثل مكتبي المغرب العربي في دمشق وفي مصر…
  • أنشطة البعثيين في تونس خلال عقد الخمسينات

ساهمت عوامل عديدة في التحاق العديد من السياسيين والمثقفين بحزب البعث وتعدد أنشطتهم:

  • أصدر “محمد أبو القاسم كرو” عام 1955 سلسلة كتب شهيرة عرفت بسلسلة “كتب البعث” وقد كان عضوا في حزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد وقد تضمن العدد الأول بعنوان “نداء إلى العمل”، تعريفا لحزب البعث ودستوره وأفكاره ودعوته الوحدوية وقد لاقى رواجا بين الكتاب والمثقفين وبين الشرائح الطلابية، وقد أدلى سنة 2004 بشهادة أمام مؤسسة التميمي شرح فيها ذلك بالتفصيل…
  • بعض التونسيين احتكوا بالأفكار العروبية وتبنوها من خلال مشاركتهم في الثورة الجزائرية على غرار الباحث السوسيولوجي بشير صفية ….
  • الصراع اليوسفي البورقيبي حول اتفاقيات الاستقلال الداخلي والعلاقة مع مناضلي حركة التحرر الوطني الجزائرية جعل بعض الطلاب التونسيين يجدون في أفكار حزب البعث حلولا لتساؤلاتهم لواقع العرب والمسلمين وللظرفية السياسية للقضية التونسية، وهو ما جعل الكثير من النخب يقتبسون من البعث أفكاره وينخرطون فيه على المستوى التنظيمي وخاصة في مدن ماطر والرديف والمتلوي وقفصة والقصرين والكاف والعاصمة وصفاقس…

أما على المستوى التنظيمي المباشر فقد تأخر تشكيل تنظيم حزبي يضم البعثيين بناء على مقولة تهم حزب البعث العربي الاشتراكي وهي أن “التنظيم بالنسبة للبعث هو مدرسة بل هو جامعة للتكوين الفكري والسياسي ولتخريج المناضلين وتعهدهم بالتربية والتثقيف، فالتنظيم الحزبي يأتي قبل الشخص أو الزعيم أو القائد ويقوم فكرها على الربط بين أهداف الجماهير وأهداف الأمة في الوحدة والحرية والاشتراكية…”[7]، مما يعني أن الفاعلين الرئيسيين قد اختاروا منطق الاستقطاب المباشر قبل إنشاء تنظيم موسع وأفقي، وحتى في وقت لاحق تم إنشاء أكثر من واجهة تنظيمية وكل منها وقع ربطه بالقيادة القويمة وبأجهزة النظام العراق بالنسبة لشق البعث العراقي وتم تقسيم الأفراد القياديين إلى أشخاص واجهة  وآخرين واجهيين وهو ما أكده القيادي الحالي في حزب الطليعة العربي الاشتراكي الحالي “خيرالدين الصوابني” في مؤسسة التميمي أن المرحوم “الميداني بن صالح” كان واجهة وواجهي في نفس الوقت….

وفي بدايات 1956 بدأ البعثيون في تشكيل النواة التنظيمية الأولى ضمن إطار المعاهد الثانية والأساتذة والموظفين في عدد من الولايات، وكان من أهم الخلايا الناشطة هي خلية المرسى وكان أهم الناشطين هو الصادق العبيدي والذي تم إيقافه في وقت لاحق سنة 1957 واعتبر أول سجين سياسي بعد الاستقلال من غير اليوسفيين[8]

  • يوسف الرويسي ودوره القيادي والتأطيري

 يوسف الرويسي، هو أحد أهم الوطنين التونسيين الذي دافعوا عن تحرير تونس من نير الاستعمار الفرنسي وقد انتمى مبكرا لحزب البعث ومن خلاله التحق العديدين بالحزب في كل من القاهرة ودمشق وسهل التحاق الطلبة التونسيين بجامعات سوريا والعراق والقاهرة، وهو من أهم الذين ساهموا في التحاقهم بالبعث على غرار المرحوم محمد المسعود الشابي والذي أصبح عضوا في القيادة القومية وقريبا من عفلق والقيادات المؤسسة للحزب حيث أقام في دمشق ثم في بغداد…

وقد التحق بالحزب آخرون منذ نهاية الأربعينات وأصبحوا أعضاء قياديين في القيادة القومية بل أن محمد أبو القاسم كرو قد أدار في مراحل معينة تنظيم حزب البعث العراقي وخلاياه السرية…

المصدر: الرأي العام العدد 91 بتاريخ 17 جانفي2019 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:   

[1]  عفلق (ميشال)، “في سبيل البعث” –  دار الطليعة بيروت 1959 ص 179

[2]  الجوادي (علي) مقال في صحيفة الشعب التونسية تحت عنوان  “ولادة وتطور الفكر القومي العربي مواجهة الاستبداد ومقاومة الاستيطان والمدّ الاستعماري الجديد” – بتصرف – تاريخ نشر المقال 10-10-2009

[3]  عن أنيس صايغ تطور الفكرة العربية في مصر مطبعة هيكل الغريب بيروت 1969 ص 292 ، نقلا عن علي الجوادي ( أنظر المصدر المذكور أعلاه)

[4]   نفس المصدر ص 294….

[5]  مجلة “الموقف” ( لسان حال الحزب الاشتراكي التقدمي) العدد 56 ( بتاريخ 03 أفريل 1984) ص 06 ملف “الحركات القومية في تونس”

[6]  يؤكد هذه الفكرة أيضا كل من “غريب حسن خيرالدين” في كتابه “العروبة والإسلام” (ص 348) و”شرف الدين فهيمة” في كتابه “الاشتراكية العربية” ( ص 84)

[7]  الفتايتي ( خيفة) ، المنهج في التكوين والتنظيم والتربية الحزبية ج 1 المؤيدين والأنصار ، منشورات حزب البعث العربي الاشتراكي / القطر التونسي 2014 ، ص 72-73

[8]  راجع نفس المصدر ص 73 – بتصرف –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق