رأي

الاسلاميون والمشغل النقابي

المغاربي للدراسات والتحاليل ___ بحري العرفاوي

1:مبررات المبحث

ـ مبررات واقعية: ضعف حضور الاسلاميين في المجتمع المدني / اتحاد الشغل/ اتحاد الكتاب/ اتحاد المرأة/ رابطة حقوق الانسان.

ـ مبرر نظري: الكشف عن الأسس النظرية لغياب الاسلاميين في تلك المنظمات وإبراز ما يخالف تلك الأسس ومن نفس المرجعية الإسلامية.

2:غياب الإسلاميين في المنظمات

إن حسن معالجة الظواهر يستدعي حسن تشخيصها وكشف العلاقة بين المقدمات والمآلات ولا يُجدي الإكتفاءُ بإلقاء المسؤوليات على أطراف خارجية كالسلطة مثلا.

غياب الإسلاميين أو ضعف حضورهم في المجتمع المدني مرده سببان:

أ: سبب موضوعي سياسي متعلق بما تعرضوا إليه من محاكمات وملاحقات وإقصاء، وهو سبب هام ولكن قد يكون هو نفسه نتيجة للسبب اللاحق.

ب: سبب ذاتي متعلق بالبِنية الذهنية والنفسية للإسلامين.

ـ الجماعة والدولة

عرف الاسلاميون العمل الجماعي ضمن “الجماعة” داخل المسجد أو في اللقاءات السرية وظلوا يصطحبون شعورا بالملاحقة من قِبل أجهزة البوليس وشعورا بالغربة عن الناس مستحضرين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ”.

لقد مارس الإسلاميون على أنفسهم الغربة والإقصاء قبل أن يُقصيهم خُصومهم حين اعتبروا أنفسهم “غرباء” عن المجتمع بثقافته ومشاغله ومطالبه ومؤسساته…كانت مطالبنا نحن الإسلاميين خارج مسالك الدولة ومنطلقات القانون فكنا نتوجه مباشرة إلى الله تعالى بالدعاء ولا نحتاج في ظننا نقابيين ولا مُحامين يدافعون عن حقوقنا وعن مطالبنا المشروعة فكنا فعلا نتحرك خارج من “الدولة” بل وننظر للدولة على أنها خصمٌ لا يمكن أن يُطلب منها شيء رغم خضوعنا لها في واقع الأمر.

الديني والدنيوي

وكما كانت مطالبنا خارج الدولة فإنها أيضا كانت خارج الدنيا فكنا نطلب الرفاه في الآخرة ونساهم في صرف أنظار الناس عن مُتع الدنيا التي هي حقوقهم ونرغبهم في السعي إلى متع الآخرة وكأننا نستقذر ملذات العيش بل ونجعل رزق الناس لا مسؤولية للدولة فيه ولا للعمل والمطالب لكونه مُقَدرا بمقادير من الله ولا نستحضر الآيات الحاثة على التمتع بطيبات ما خلق الله لنا وفي الآية:” قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” الأعراف 32
إن القرآن الكريم يرفض التصور الحرماني الذي يتلبس كثيرا من المتدينين ويؤكد على أن الذين آمنوا همُ الأحق بزينة الله وطيباتِ رزقه، فالمؤمنون ليسوا مُخيَّرين بين نعمة الدنيا ونعمة الآخرة كما تقول الكنيسة حين يتحايل رجالها على البسطاء المفقرين.

رواه الترمذي وحسنه “إنَّ الله يُحِبُّ أَن يَرَى ءاثَارَ نِعمَتِه على عَبدِه”وفي الحديث أيضا:.
هذا الإنجذابُ الذهني والنفسي لدى الإسلاميين إلى الآخرة هو الذي جعل نِظرتهم إلى الدنيا تكاد تكون نظرة دونية ظهرت آثارها في عدم الإنخراط في النضال الاجتماعي وفي المطلبية النقابية وكأن ذلك مما يُفسد على المؤمن إيمانه وتقواه.

التعبدي والنضالي

الفصل الذهني والنفسي بين الدولة والجماعة، الديني والدنيوي هو الذي سيُنتج فصلا نفسيا وذهنيا أيضا بين التعبدي والنضالي، فلا يرى الإسلاميون في النضال الإجتماعي عبادة ولا يرون في بذل الجهد لتحسين ظروف عيش العمال عبادة ولا يرون صرف الوقت في الاجتماعات النقابية عملا يُسترضى به الله تعالى
ورغم أن الإسلاميين هم أكثر الناس استعدادا للتضحية والبذل وحتى للإستشهاد فإن تضحياتهم تلك ليست في سياق صناعة التاريخ وإبداع الحياة وتحقيق العدالة وإنما هي في سياق الذهاب إلى الجنة وتحقيق مرضاة الله وكأن الله لا نتعبده إلا خارج التاريخ والزمن والأرض والحال أنه سبحانه قد أهبطنا إلى الأرض لنعمرها ونُقيم عليها دولة العدالة والحرية والعلم والرفاه والقوة والعزة.

إننا نلحظ غياب خطاب النضال الاجتماعي في أدبيات الإسلامين وغياب تمثيليتهم في النقابات ـ وحتى إن دخلوها فليس من منطلق الوعي الإجتماعي وإنما من منطلق غير نضالي ـ على خلاف ما نجده لدى اليساريين الذي استطاعوا تقديم أنفسهم حماةً لحقوق الناس ومعاشهم.

إننا لا نعبد الله تعالى في أمكنة وأزمنة محددة ولا نعبده بطقوس معينة إنما نعبده في العمل الصالح الذي له أثره في التاريخ وفي نفع الناس وتحقيق سعادتهم…إن الناس هم محاريب متحركة نجد فيهم مرضاة الله حين نخدمهم وحين نسهم في رفع الأذى عنهم وحين نُدخل عليهم الأمل والأمان وفي الحديث الشريف: عن بن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال
“أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أوتقضي عنه ديناً، أوتطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل”.

إننا نغفل عما يوجد في الحديث والقرآن من نصوص تحث على النضال الإجتماعي وترقى به إلى مستوى العبادة بل وتعتبر من مات دفاعا عن ماله شهيدا تماما كما شهداء الوطن والعقيدة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : قَاتِلْهُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ . قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ هُوَ فِي النَّارِ”

وفي القرآن الكريم نهي عن نسيان نصيبنا الذي قسمه الله لنا في ما أودع في الطبيعة من رزق لكل من عليها من البشر قال تعالى:” وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[ سورة القصص: 77]

وفي قوله تعالى “لا تنس” ليس مجرد نُصح بعدم نسيان النصيب أو كراهة لهذا النسيان وإنما هو نهي يرقى إلى درجة التحريم ليكون بمعنى الوجوبية الشرعية للنضال الإجتماعي
ليس بوجه العدو الخارجي فذاك “جهاد دفع” وإنما بوجه النظام السياسي غير العادل وبوجه رأس المال المتوحش وبوجه أرباب العمل حين يسرقون حقوق الأجراء ويمتهنون كرامتهم
قال رسول الله صل الله عليه وسلم)وفي الحديث القدسي
قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بى ثمَّ غدر ، ورجل باع حراً فأكل ثمنه ، ورجلٌ استأجر أجيراً ، فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجرَه”

النقابي والسياسي

طبيعة المهمة التي يعتقد الإسلاميون ـ عند نشأتهم ـ أنهم معنيون بها وهي مهمة إقامة الدولة الإسلامية على أنقاض الدولة غير الإسلامية هي التي جعلتهم يستنزفون كل طاقاتهم في ابتداع جهاز تنظيمي تغلب عليه السرية في مواجهة رقابة البوليس وتغلب عليه روح المواجهة التي يرونها حتمية…هذا ما جعلهم ينشغلون عن النقابي والحقوقي وعن المطلبيات كلها بالهدف الأقصى وهو إسقاط النظام…الإسلاميون لم يكن لديهم الإستعداد الذهني والنفسي لممارسة التسرب الهادئ في النسيج المدني خلاف ما فعله ويفعله خصومهم.
هذا العزوف عن الجمعيات والنقابات هو الذي سيجعل الإسلاميين أشبه ما يكونون ب”الحركة الإنفصالية” في المجتمع رغم ما يعتقدونه من كونهم يمثلون هوية الشعب…لقد كان من السهل دائما على أنظمة الحكم وفي ثلاث مناسبات الإجهاز على الحركة الإسلامية فلا يكون لها صوتٌ مدافع في المجتمع المدني بل وحتى منظمة الإتحاد العام التونسي للطلبة ورغم جماهيريتها فقد كان يسيرا على النظام تصفيتها عام 1991لكونها لم تكن ضمن نسيج جمعياتي مدني بل كانت أشبه ما تكون بتنظيم عقائدي غير متمرس بالنضال المدني وآلياته وغير مُشبّك مع مفاصل الدولة.

هذه الوضعية هي التي ستجعل الإسلاميين بعد 14 جانفي عاجزين عن ممارسة شرعيتهم الإنتخابية حين وجدت الصناديق نفسها في مواجهة المنظمات والجمعيات والنقابات.

لقد تأكد بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 بأن الإسلاميين ليسوا سوى أرقامٍ أو كتل بشرية تُفلح في التعبئة وتفشل في التنشئة…تنشئة نظام سياسي وجهاز حكم قادر على تصريف الشأن العام وتحقيق انتظارات الناس وفرض هيبة الدولة ومنع الخروج عن القوانين والتصدي للمخربين والمتآمرين… وتنشئة الجمعيات والمنظمات والرابطات بما تقتضيه تلك الجمعيات من آليات هي من جنس وظائفها لا من جنس العمل السياسي الذي أصبح مغريا للجميع بما يحققه من سرعة الظهور خاصة لأصحاب الأنفس الضعيفة ـ وكثير ما هم ـ .

لا أحد من الخصوم يُنكر كونَ الإسلاميين سيظلون رقما مهما في الصناديق ولكن لا أحد من الإسلاميين أنفسهم سيُنكر بكون ضعف حضورهم في النسيج المدني هو الذي سهل دائما تصفيتهم في زمن الإستبداد وسهل لاحقا إفشالهم في زمن الحرية والديمقراطية.

المصدر: الصفحة الرسمية للكاتب بتاريخ 17 جانفي 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق