تونسدراسات

قصة التنظيمات والأجهزة السرية والخاصة للتيارات الفكرية والسياسية التونسية (1918-2018)(ج7)

علي اللافي (كاتب ومحلل سياسي)

 

الحلقة السابعة / الحركة اليوسفية: التوجهات القومية والأنشطة السرية قبل الاستقلال (1955-1956)

  • تشكل الوعي القومي في تونس خلال النصف الأول من القرن العشرين

تشكلت الإرهاصات الأولى لتطور الوعي القومي في تونس في بداية القرن العشرين حيث ساهمت أدبيات حركة الإصلاح وشيوخ الزيتونة وطبيعة سياسات الاستعمار الفرنسي والايطالي تجاه الشعوب المغاربية في بوادر وعي بأهمية التقارب بين الشعوب العربية وهو ما أوجد لحمة بين التونسيين والليبيين من جهة وبين التونسيين والجزائريين من جهة ثانية وقد تجسدت في التآلف وروح الأخوة والتواصل اللوجستي في التصدي للقوى الاستعمارية ثم تجسدت لاحقا في مكتبي المغرب العربي في كل من القاهرة ودمشق، وأيضا من خلال الجمعيات الطلابية المغاربية في فرنسا كما كانت بعض قيادات الحزب الدستوري التونسي عروبية التوجه ورؤيتها وعملها الميداني واهتمامها بالقضايا العربية وهو الحزب الذي تعايشت فيه كل التيارات الفكرية والسياسية[1]، وعمليا تشكل الوعي القومي في تونس والمغرب العربي بخصوصية عن مثيله في المشرق العربي على اعتبار أن القومية العربية في الشرق قد ظهرت كصيغة جديدة من التكتل والوحدة لدفع الهيمنة الأجنبية في غياب السند والحماية وبناء على عوامل جغرافية وسياسية تهم المشرق العربي، و”القومية العربية” مفهوم يشترك كل من “زريق” و”عفلق” و”الحصري” و”الارسوزي” في التأكيد أنها حركة تهدف بالأساس للتحرر بأبعاده السياسية والاجتماعية والدينية وخاصة من التدخلات الأجنبية في كل المنطقة وهو ما يعني أن الوعي القومي في المشرق له مضامين وحدوية وإيديولوجية وهو وعي تجسد عمليا في ظل قيام كيان صهيوني في فلسطين وأيضا عبر ظهور الناصرية وتبنيها للايدولوجيا القومية العربية ومناهضتها العملية للاستعمار عسكريا وسياسيا واقتصاديا ومناداتها بالوحدة العربية، بينما الوعي القومي في تونس كما أسلفنا أعلاه وفي الحلقة السابقة من هذه الدراسة، هو ذو توجه فكري ولكنه يتميز بالخصوصية في ملامسة النزعة الوطنية تماهيا مع الوعي القومي في كل من الجزائر والمغرب وقد كان قويا خلال العقدين الأولين من القرن العشرين ولكنه كان ضعيفا منذ منتصف الثلاثينات حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي فرضت على بعض قيادات الحركة الوطنية التونسية الهجرة للمشرق على غرار الحبيب ثامر ورشيد ادريس والطيب سليم ويوسف الرويسي وآخرين، كما لابد من التأكيد أن الوعي القومي العربي الذي اكتسبه عدد من الوطنيين التونسيين في الخارج لم يؤثر فكريا وسياسيا في الحركة الوطنية في الداخل وخاصة خلال عقد الثلاثينات وبداية الأربعينات وهو عامل سيؤثر لاحقا على أداء الحركة اليوسفية وعلى جغرافية انتشار أنصارها في ربوع البلاد ومن ثم هزيمتها أمام البورقيبية، وعلى العكس من ذلك ظهرت في بداية الخمسينات بوادر تطور الوعي القومي نتيجة ما عرفه الشرق العربي من تحولات سياسية على غرار انبعاث جامعة الدول العربية واغتصاب الكيان الصهيوني اللقيط للأراضي الفلسطينية واعتراف تركيا بالتقسيم وهزيمة العرب في حرب 1948 ثم تعزز بانتصار حركة 23 يوليو في مصر وظهور التيار الناصري كتيار مناوئ للاستعمار ومناد بتحرير كل شبر في الوطن العربي…

  • الحركة اليوسفية وعلاقاتها بمصر الناصرية

تحولت القاهرة إلى عاصمة للعروبة وسند لحركات التحرر في المغرب العربي خاصة في ظل حرص الاستعمار الفرنسي والايطالي على التشجيع على سياسات التجنيس وهو ما دفع أقطار المغرب العربي إلى التمسك بمقوماتها الذاتية وتكثيف الاتصالات بين وطنيي الداخل ووطنيي الخارج المتبنين للفكر القومي أو المتأثرين بحركاته السياسية المشرقية فقد تم التصدي للنشاط الصهيوني في تونس و تعددت الاحتفالات بتأسيس الجامعة العربية وتم تنظيم حملات مساندة للفلسطينيين وتطوع تونسيون بالعشرات للنضال في حرب 1948[2]، كما تجسم البعد القومي في منظمة صوت الطالب الزيتوني كما أن الحزب القديم تفاعل عبر فكرة تغيير تسميته إلى “الحزب العربي الإسلامي”…

وعلى عكس بورقيبة الذي أكد لصحيفة فرنسية يومها انه يتبرأ من جامعة الدول العربية عبر قوله “إني لست منها ولا هي مني، وإني لا أبالي لا بنداءاتها ولا بشتائمها وأنه يوجد تضامن عربي يرتكز على ذكريات تاريخية…”[3]، فإن بن يوسف رأى في جامعة الدول العربية أملا في حل القضية التونسية بل هو من شجع الحبيب بورقيبة على الرحيل للمشرق، وفي سنة 1952 غادر بن يوسف للقاهرة وتأثر بأجوائها قبل أن يعود إلى تونس في سبتمبر 1955 بطلب من الجلولي فارس حرصا من هذا الأخير على حل الخلاف في تونس وليس على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، وسعى بن يوسف حال عودته إلى إقناع الرأي العام بضرورة مواصلة الكفاح ورفض اتفاقيات الحكم الذاتي باعتبارها خطوة إلى الوراء وكان ذلك واضحا في خطاب 07 أكتوبر 1955 في جامع الزيتونة والذي بدت من خلاه توجهاته العروبية والإسلامية…[4]

وأمام حدة الخلافات وبداية الصراعات والتصفيات التي اعتمدها بورقيبة والمقربين منه وبناء على نتائج مؤتمر صفاقس 1955 تسلل بن يوسف إلى ليبيا في جانفي 1956 ومنها إلى القاهرة ليواصل معارضته للتوجه البورقيبي بلافتة قومية عربية واضحة المعالم والتي انبنت على خلفية وعي قومي قديم يغلب عليه الطابع الليبرالي، وكل ذلك لا يعني أن بن يوسف كان قوميا ناصريا بالمعنى المتداول باعتبار غلبة ظرفية المسار التونسي على تفكيره وعقله السياسي….[5]

لقد تأثر بن يوسف منذ بداية الخمسينات بالمتغيرات الإقليمية والدولية التي عايشها اثر فشل تجربة التفاوض مع فرنسا 1950-1951 وأدرك أن حل القضية التونسية ليس بيد باريس فقط وإنما على منبر الأمم المتحدة وتأكد انه لا سبيل للضغط على الفرنسيين إلا عبر أداة ضغط قوية كالكفاح المسلح داخل تونس وعبر سند عربي أولا ودولي ثانيا…

إن تشجيع المصريين لبن يوسف على رفض الاتفاقيات نسبي في مواقف بن يوسف وهو عامل من بين عوامل عدة ودليلينا على ذلك أن الوزير الأول الأسبق الباهي الأدغم يرى أن مؤتمر بنادونغ كان له التأثير الأكبر والحقيقة أن صالح بن يوسف كان متأثر بتيار باندونغ وأيضا بديناميكية الحركة الوطنية التي كان المسؤول الأول عليها والمباشر لها ويتابع تطوراتها بشكل يومي فهو من بنى المنظمات الوطنية أولا بأول وهو من تنقل لكل الجامعات والشعب الدستورية وارتبط بعناصرها وهو من كان على تواصل مع المقاومين كما كانت تواصلاته مع المغاربة والجزائريين والليبيين حاضرة في تفكيره ومواقفه بين سنتي 1955 و1956 بل ومنذ منتصف الأربعينات مما دفعه إلى تبني أن اندلاع المقاومة في الأقطار المغاربية أداة أنجع لاقتلاع الاستقلال التام، ولم يكن بن يوسف لوحده صاحب تلك القناعات والرؤى بل ان الرويسي وثامر وآخرين يشاطرونه الرأي في ذلك حتى أن المناضل الوطني علي البلهوان قد أكد في كتابه “نحن أمة” (الصادر سنة 1954) أن “تونس والجزائر ومراكش ثلاثة أقطار وثلاثة أمم كونتها الأجيال المتعاقبة منذ قرون وصبغتها صبغة واحدة هي امة متوحدة … نراها اكتملت وعيها القومي وتيقنت أنها الجناح الأيسر للأمة العربية الممتدة من خليج فارس على شواطئ البحر الهندي إلى المحيط الأطلسي…

وبناء على ذلك اعتمد بن يوسف سياسة الإقناع والمبدئية في رؤيته للخلافات حول القضية الوطنية حيث راسل الجامعة العربية في أكتوبر 1955 للحكم في النزاع القائم بينه وبين بورقيبة وطالب بتكوين لجنة خاصة بدراسة الاتفاقيات التونسية الفرنسية…     

  • الحركة اليوسفية ومكوناتها وأجنحتها السرية والخاصة (1955-1956 )

مع تجذر الخلافات والصراعات بين جناحي الحزب الدستوري الجديد، أصبح جناح الأمانة العامة يُوسم بالحركة اليوسفية وانضم إليها
القسم الأكبر من جيش التحرير (الفلاقة) بهدف استعادة مكانتهم في معركة التحرير الوطني واستعادة سلاحهم الذي جردهم منه بورقيبة والذي اعتبروه قد حصد وحده ثمرة كفاحهم وتضحياتهم وما بذلوا من دمائهم وأرواحهم وعمليا التحقت اغلب قبائل ومدن الجنوب للحركة اليوسفية وهو حال أرياف الساحل وسجنان والشمال الغربي…

وبعد اشتداد الخلاف بين بن يوسف وبورقيبة تم تكوين جيش التحرير الموحد على شكل فرق ولجان خاصة وسرية، وقد حضر الجلسة التأسيسية في بيت صالح بن يوسف بالعاصمة إضافة إلى قيادات جيش التحرير،كل من المناضل علي الزليطني إضافة إلى ممثلين  ممثلين عن جيوش التحرير الجزائرية والمغربية…

وبذلك بدأت عمليات إعادة تنظيم حركة الكفاح المسلح من قرى ومدن الحدود التونسية الليبية أما في العاصمة وبقية المدن فقد استمرت الصراعات بين جناح بورقيبة وحلفاء ومكونات الحركة اليوسفية، وقد عمد الأول إلى تكوين جهاز سري وخاص متكون من عصابات للاغتيال والاختطاف والإرهاب ضد خصومه الرافضين للاتفاقيات عبر اختطاف أولئك والرمي بهم في معتقلات التعذيب على غرار “صباط الظلام” في العاصمة بقيادة حسن العيادي، ودار الحزب بالقصبة تحت إشراف الحسين بوزيان وفي “بني خلاد” بقيادة عمر شاشية وبمنطقة “سوق الأربعاء” بقيادة محجوب بن علي، والى جانب ذلك تمت الاستعانة بالأمن والجيش الفرنسيين حيث كان هناك تواصل وتعامل بخصوص ذلك بطرق غير مباشرة، ولم يقتصر الأمر على تلك الانتهاكات والجرائم بل تم تشكيل محكمة أطلق عليها اسم المحكمة الشعبية (بُعثت سنة 1955 وبقيت لاحقا إلى سنة 1958 وحاكمت مئات الأشخاص) من أجل إعطاء صورة شرعية ومزيفة لعمليات القمع والتصفية، وقد تم قبل ذلك اعتماد منطق الاختراق المباشر لقيادات الأمانة العامة (الحركة اليوسفية)  كما اغتالت لجان الرعايا العديد من المناضلين على غرار “مختار عطية” (أحد قادة الحزب الجديد والذي التزم جانب الحياد بين طرفي الصراع)، كما تمت أيضا تصفية الطاهر بطيخ (مسؤول الحزب الدستوري الجديد في الساحل) في ظل وقائع غامضة في جوان 1955 وهو ما يعني دفن بعض الملفات السرية والخاصة والذي سبق له أن قام بتعهدات لقوات الحماية الفرنسية على غرار تصفية فلاقة الساحل…

المصدر: الرأي العام العدد 92 بتاريخ 24 جانفي2019 

ـــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش: 

[1]  أنظر الحلقة السابقة من هذه الدراسة ج 6 بعنوان”البعث وأنشطة البعثيين السرية (1940-1956) ” الرأي العام العدد 91  بتاريخ 17 -01-2019

[2]  محاضرة الكاتب في ندوة نظمها مركز الجامعة العربية في الرباط 08-09 جويلية 2018 تحت عنوان “الإسهام التونسي الليبي المشترك في نضالات الشعب الفلسطيني”…

[3]  تصريح بورقيبة لصحية “كومبا” الباريسية نقلا عن عروسية التركي ص 120 من كتابها وأطروحتها “الحركة اليوسفية في تونس (1955- 1956)

[4]  نص الخطاب، نشرية وزارة الشؤون الدينية “الخبر الإسلامي” العدد 3 أكتوبر 2012  ص 08

[5]  راجع ملف نشرية “السياسي” العدد 1 تحت عنوان في الذكرى 57 لاغتيال صالح بن يوسف، ماذا بقي من الحركة اليوسفية؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق