دراسات

قصة التنظيمات والأجهزة السرية والخاصة للتيارات الفكرية والسياسية التونسية (1918-2018)(ج8)

علي اللافي (كاتب ومحلل سياسي)

 

الحلقة الثامنة : الليبرالية والليبراليون التونسيون وعلاقتهم بالتنظيمات والمنظمات السرية (1918-1956)

  • مفهوم “الليبرالية” وتطور نشأتها

           الليبرالية أو “اللبرالية” من “līberālis” (ليبِرَالِس اللاتينية) وتعني “حرّ”، هي عبارة عن فلسفة سياسية أو نظرة عالمية تقوم على قيمتي الحرية والمساواة، وتختلف تفسيرات الليبراليين لهذين المفهومين (الحرية – المساواة)، وينعكس ذلك على توجّهاتهم، ولكن عموم الليبراليين يدعون في المجمل إلى دستورية الدولة، والديمقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد، والسوق الحرة، والملكية الخاصة، وخلال القرن الثامن عشر الميلادي، أو خلال ما يُعرف بعصر التنوير، تجلّت الليبرالية كحركة سياسية مستقلة؛ إذ أصبحت شائعة جداً بين الفلاسفة وعلماء الاقتصاد في العالم الغربي، ولقد اعترضت الليبرالية على أفكار شائعة يومها كالمزايا الموروثة، وتديّن الدولة، والملكية المطلقة، وحق الملوك الإلهي.[1]

وقد انتهج قادة الثورتين الفرنسية والأمريكية المنهج الليبرالي، ورأوا فيه مبرراً للإطاحة بالحكومات الدكتاتورية التي كان يقودها طغاة ومستبدون، وشهد القرن التاسع عشر الميلادي قيام حكومات ليبرالية على نطاق أوروبا وأميركا الشمالية، أي في الفترة التي كانت فيها الفلسفات المحافظة الكلاسيكية في صراع مع الليبرالية. أما في القرن العشرين، فقد انتشرت الأفكار الليبرالية بشكل كبير وواسع، خصوصاً أن الجانب الليبرالي الديمقراطي كان هو الجانب الرابح في كلا الحربين العالميتين، كما أن الليبرالية ظهرت متحدية فلسفات أخرى كالفاشية والشيوعية والنازية في أوروبا والولايات المتحدة، وأصبحت الليبرالية الكلاسيكية أقل شيوعاً، ومهدت الطريق لليبرالية الاشتراكية، وبدأ مفهوم الليبرالية بالتغير…

وبخصوص العلاقة بين الليبرالية والأخلاق، فإن الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد ما دام محدوداً في دائرته الخاصة من الحقوق والحريات، ولكنها صارمة خارج ذلك الإطار؛ فالليبرالية تُتيح للشخص أن يُمارس حرياته ويتبنى الأخلاق التي يراها مناسبة، ولكن إن أصبحت ممارساته مؤذية للآخرين مثلاً، فإنه يُحاسب على تلك الممارسات قانونيا”..[2]

  • الليبرالية في تونس أثناء مرحلة التحرر الوطني

             عرفت تونس منذ نهاية القرن التاسع عشر ومع بداية التدخل الأوروبي المباشر في شؤون البلاد حضورا للبرالية الفكرية بأشكال مختلفة دون أن تكون ذات تصور نسقي واضح أو حضور إيديولوجي تتبناه الحركات السياسية والأحزاب بصورة معلنة وصريحة ،بحيث يمكن القول أنه ومنذ بداية الاحتكاك مع النفوذ الأوروبي الممتد بشكله الاستعماري أي أواسط القرن 19 إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الحرية هي المطلب الأساسي والحيوي للمجتمع التونسي والعربي عموما وهو أمر نلحظه في كتابات رواد الإصلاح الذين روجوا لمقولات الحرية السياسية وحق الشعب في اختيار حكامه وصياغة دساتير تضمن منظومة الحقوق لقد كان شعار الحرية الليبرالية مرفوعا لأن الحاجة تدعو إليه وبصورة ملحة في ظل خضوع المجتمع التونسي ( كجزء من المنطقة العربية الإسلامية ) لهيمنة مزدوجة تجمع بين استبداد الحكام وعسف الاحتلال الوافد من الضفة الغربية للمتوسط غير أن ما يميز هذه الليبرالية بصورتها الناشئة استنادها للمرجعية الإسلامية بصورة لا يمكن إنكارها وهي مواقف نراها لدى مصلحين أمثال خير الدين التونسي….

وقد عرف عن الشيخ عبد العزيز الثعالبي ورفاقه تبينهم لمقولات التحرر والحرية والدفاع عن الحريات العامة ورغم أن الدستوري القديم تعايش في إطاره تيارين متصارعين، تيار أول متأثر بفكرة الجامعة الإسلامية وتيار ثان يمكن تسميته بالتيار الليبرالي،فان الشيخ الثعالبي آمن بفكرة الممازجة بين الفكر الليبرالي التحرري وبين روح التحرر في الإسلام حتى أنه:

أ- ألف أهم كتبه تحت عنوان “روح التحرر في القرآن الكريم”، متبنيا الفكر الليبرالي من حيث تبنيه للحريات العامة مؤكدا على قيم “الحرية” و”التحرر” وأهمية الحرية وتكريم الإنسان والدعوة لقيم الحرية والعدالة…

ب- جسد ذلك في التسمية الأولى للحزب تحت مسمى “الحزب الحر الدستوري التونسي”، وقد تأثر بذلك لاحقا كل منتسبي الحزب وقياداته بمن فيهم شبيبة الحزب على غرار محمود الماطري وصالح بن يوسف والحبيب بورقيبة والبحري قيقة وغيرهم، وكان ذلك أمرا طبيعيا فقد انتشرت الفكرة الليبرالية انتشارا واسعا، وطغت على الحياة الفكرية في كل المنطقة العربية….

ت- عبر دعم عملي لفكرة المناداة ببرلمان وطني منتخب يتولى التشريع وتحديد الحقوق والواجبات، وهو ما يعني أن تونس قد عرفت حضورا للليبرالية الفكرية دون أن تتحول إلى أيديولوجيا متبناة من طرف الشباب المتعلم والمثقف يومها وحتى من قبل الفاعلين السياسيين ولا حتى من قبل طرف قيادات التحرر الوطني لاحقا، وكانت ملامحه الأولية منذ بداية الاحتكاك مع الأوروبيين فالحرية هي المطلب الأساسي والحيوي للمجتمع التونسي منذ بداية القرن التاسع عشر وهو ما تثبته أدبيات رواد الإصلاح بل أن الليبرالية المتبناة تونسيا يومها كانت مستندة للمرجعية الإسلامية وهي مواقف أكدتها أدبيات وكتابات حركة الشباب التونسي وقبل ذلك في أطروحات خير الدين التونسي…[3]

  • الدستوري الجديد والفكر الليبرالي ومؤشرات “الليبرالية بدون ليبراليين

منذ تأسيس الدستوري الجديد في 02 مارس 1934 سقطت قيادته في أتون الصراعات والتجاذبات وإن بدت صامتة حتى منتصف الأربعينات ورغم وجود شخصيات وازنة تتبنى المقولات الليبرالية على غرار الهادي نويرة وأحمد المنستيري والحبيب ثامر والهادي شاكر  والعديد من أعضاء الديوان السياسي واللجنة التنفيذية وبقية الهياكل، فإن مسارات الأحداث لاحقا في عقدي الأربعينات والخمسينات ستؤدي بالحزب لاحقا وخاصة في بداية الاستقلال إلى التوجه نحو الحكم الفردي حيث تم رفض مقترح بن يوسف أن يكون معارضا وأن يكون بورقيبة حاكما، ثم تم لاحقا وكما هو معروف حظر الحزب الشيوعي التونسي وكل نفس معارض لتتم مصادرة كل الصحف والدوريات الحرة والمستقلة التي عارضت سياسة الحزب الحاكم والذي تبنى لاحقا الاشتراكية الدستورية في مؤتمر بنزرت سنة 1964، وتم منذ مؤتمر صفاقس 1955 ضرب التوجه الليبرالي للحزب في عمقه الأساسي فكريا وثقافيا وواقعيا، وهو ما يعني أنه لن يكون لشعارات الليبرالية بأطروحاتها المختلفة الجاذبية الكافية لتستميل العناصر الشبابية في نهاية الخمسينات وبداية الستينات وعمليا كانت المطالبة بالحرية (أي واقعيا المطالبة بالليبرالية السياسية) يومها ضرورة لم تدركها مكونات الدستوري الجديد وكل النخب المقربة منه مما أوجد محيطا لتغوّل الحزب ونفوذه غير المحدود الذي لم يكن يومها ممكنا التمييز بينه وبين جهاز الدولة في السنوات الأولى للاستقلال، وعمليا لم يستوعب العقل السياسي لمختلف القياديين ضرورة تخليهم عن أطروحاتهم الشمولية وتبني الأطروحات الليبرالية، بل بقيت متبنية منطق الحاكم الفرد وهو ما سيساهم لاحقا في نشوء تيار ليبرالي داخل الحزب نفسه بقيادة الوزير أحمد المستيري الذي سيضطر رفقة آخرين مغادرة الحزب في بداية السبعينات بعد أن تأكد أن سبل الإصلاح داخله أصبحت غير ممكنة بقي أن نشير أن الهادي نويرة وبعض قيادات مركزية كانوا بحق ليبراليين بحق منذ الأربعينات على الأقل في المجال الاقتصادي ولكنهم صمتوا سياسيا وفي مجال الحريات العامة مما كرس منطق تبني البورقيبية لليبرالية ولكن دون ليبراليين….

  • حول علاقة الليبراليين التونسيين بالتنظيمات والمنظمات السرية

طبيعة الظروف التي ظهرت فيه الليبرالية وتبني بعض الوطنيين التونسيين للفكر الليبرالي بأشكال مختلفة سواء تفاعليا أو كليا من حيث تبني المضمون الفلسفي الكامل لها، فرضت على بعضهم علاقات متباينة بالتنظيمات السرية واللجان الخاصة وأيضا في علاقاتهم بالمنظمات السرية الناشطة في تونس وفي المنطقة المغاربية والمتوسطية:

أ- انتماء بعض الليبراليين للحزبين الدستوري القديم أو الجديد سواء في الهياكل المركزية أو الجهوية والمحلية، فرضت عليهم العمل السري في علاقة بحركة التحرر الوطني في محطات ومراحل مختلفة (أحداث افريل 1938 – ثورة التحرير في 18 جانفي 1952 ..)

ب-نشطت في بداية القرن العشرين والعقود اللاحقة العديد من المنظمات السرية ذات الشبكات المترامية والعابرة للبلدان، منظمات سرية ومحافل وقد استقطبت العديد من التونسيين سواء خلال دراستهم في أوروبا أو المشرق العربي وبقوا منتمين إليها ومرتبطين بها، كما نشطت تلك المنظمات السرية حتى في الداخل التونسي من خلال عدد من المنظمات والجمعيات الناشطة وخاصة في المجالين الثقافي والإعلامي…

المصدر: الرأي العام بتاريخ 7فيفري 2019 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   أنظر مقال الكاتب ضمن ملف “الليبرالية والليبراليون في تونس” ( العدد 03 نشرية “السياسي”)  تحت عنوان “النخب والأحزاب الليبرالية في تونس” بتاريخ 10 سبتمبر 2018  وتم نشره في موقع السياسي (www.assiyassi.net) بتاريخ 11-09-2018 ….

[2]  من مقال للكاتب تحت عنوان “النُخب الليبرالية في تونس” (أسبوعية “الإعلان الجديد” التونسية  بتاريخ  23 جانفي 2014 ص 7 ….

[3]  حمدي (سمير)، “هل لدينا أحزاب ليبرالية في تونس”، صحيفة الزيتونة العدد 14 بتاريخ 21 سبتمبر 2013.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق