تحاليلتونس

أي مُستقبل لأحزاب “يمين الوسط”؟؟

  علي اللافي ( كاتب ومحلل سياسي )

 

          أي من الأحزاب التونسية الناشطة والمؤثرة اليوم في الساحة السياسية يُمكن القول أنها فعليا من أحزاب يمين الوسط وأي من تلك الأحزاب توجد حاليا في حكومة الائتلاف الوطني؟، وما هو مستقبل تلك الأحزاب خاصة وأن هناك حوالي 30 حزبا تونسيا لها أنشطة إعلامية وتنظيمية من أصل 216 حزبا مُقننا وفقا للمرسوم عدد 87 لسنة 2011؟

++ ماذا نعني تحديدا بأحزاب “يمين الوسط”؟

        يعرف الجميع أن تصنيفات “اليمين” و”اليسار” و”الوسط” تعود سياسيا إلى سنة 1789 خلال اجتماع أعضاء “المجلس الوطني الفرنسي” لمُناقشة مستقبل البلاد أثناء الثورة الفرنسية  والذي حدث يومها أنَه مع مرور الوقت جلس مُؤيدي بقاء الملك بكامل سلطاته (المحافظين) على يمين رئيس المجلس، بينما جلس مؤيدو تقليص سلطات الملك على يساره، و من هناك بدأت فكرة أن كُل يُريد المحافظة على تقاليد المجتمع المعروفة هو “محافظ/يميني”، وتمَ التعارف في العلوم السياسية وفي رحاب السياسية والإعلام في كل دول العالم أن “اليمين” مُرتبط بالحرية الاقتصادية وحرية الملكية و العمل التجاري، حيث تعتقد أحزاب اليمين أن ذلك أنسب طريقة لتحقيق النمو السريع للثروات في المجتمع وتوزيعها بصورة غير تعسفية، بل وتم التعارف أنهُ كلما كان المرء من الناحية السياسية مع تقليص الحريات والحفاظ على القيم التقليدية للمجتمع ووجود حكومة قوية واسعة السلطات، فهو بالضرورة يميني وإذا ما كان مع ذلك قليلا فيصيرُ من “يمين الوسط”، وأما من الناحية الاقتصادية، فإذا كان المرء مع الحرية الاقتصادية الأوسع و الضرائب والرقابة الأقل، فهو يميني، وأقل من ذلك فيصير من “يمين الوسط”…

++ فسيفساء أحزاب يمين الوسط التونسية

1- “حزب تحيا تونس“: رغم أن الحزب مازال قيد التأسيس، فمن الواضح انه حزب ليبرالي التوجه بناء على مقولاته وبناء على أنه مُوسوم بحزب الدولة وأيضا بناء على مكوناته الثلاث والتي أصبحت اثنين فقط (العزابي والشاهد من جهة والزواري من جهة ثانية) وخاصة بعد انسحاب المكون اليساري فعليا أي مجموعة “لزهر العكرمي” تحديدا(والتي تتجه عمليا للتقدم في الانتخابات بقائمات مستقلة)، ويبقى مستقبل “تحيا تونس” مرتبطا بالمتغيرات الإقليمية والدولية وعملية الاستقطاب في المشهد السياسي وطبيعة الائتلافات والتحالفات بين مختلف الأحزاب وأيضا بطيعة زيارة الشاهد إلى فرنسا هذه الأيام ومدى قدرة قيادييه على بناء تماسك تنظيمي يبدو صعبا إن لم نقل مستحيلا، كما يرتبط أيضا بمدى القدرة على تقديم وبناء خطاب سياسي قادر على جلب الناخب التونسي ذو النفس اليميني…

2- حزب آفاق تونس: وهو الحزب الذي تأسس سنة 2011 من طرف عدد من مثقفي اليمين الليبرالي وأساسا من جمعية “آتيج” (الدارسين في المدارس الفرنسية العليا)، يقوده حاليا الوزير السابق ياسين ابراهيم، وهو حزب حصل على 04 مقاعد في المجلس التأسيسي سنة 2011 وعلى  8 مقاعد في مجلس نواب الشعب الحالي وقد استقال  البعض منهم واعتبروا رئيس الحزب متفرد بالرأي، وعمليا يُعرف الحزب بقدراته المالية وقدرته على تأطير النخب الشبابية الليبرالية وكانت له مواقف سياسية براغماتية ومتوازنة إلا أنه عرف تقلبات عدة وانسحبت بعض قياداته ووزرائه نتاج تبنى قيادة الحزب الحالية (ابراهيم – صفر) خيارات متقلبة وسياسة إدارة فردية للحزب، ويمكن القول أن مستقبل الحزب يتسم بالغموض والضبابية بعد أن كان مرشحا أن يكون من بين الأحزاب الثلاث الأولى في أفق نهاية العشرية الحالية ومعلوم أن العديد من إطاراته الجهوية والمحلية قد غادرته خلال الفترة نتاج انسحاب العديد من إطاراته والتحاقهم بحزب الشاهد الجديد وعمليا سيتحول الحزب إلى إطار نخبوي حول شخص ياسين ابراهيم مما سيضطره إلى بناء تحالفات مع أحزاب أقرب إليه حتى في علاقاته الخارجية على غرار حزبي “بني وطني” و”البديل” …

3- حزب البديل التونسي: وهو حزب رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة وبعض من كان عضوا في الحكومة أو في ديوانه الحكومي سنة 2014، وقد بني الحزب على علاقات “جمعة” الدولية في فرنسا وأمريكا والغرب عموما، وهو حزب نخبوي رغم دورات التكوين التي يستقطب لها بعض شباب في المدن والجهات وفي أحياء العاصمة، وهو حزب وظيفي بامتياز باعتبار انه يعكس مصالح بعض القوى الدولية والإقليمية…

 4- أحزاب يمين الوسط الناشطة وصغيرة الحجم سياسيا: من بين 217 حزبا مقننا في تونس حاليا يوجد العديد من الأحزاب والتنظيمات ذات التوجه الليبرالي والتي يمكن تصنيفها كأحزاب منتمية ليمين الوسط، وهي أحزاب لم تستطع أن تكتسب حضورا شعبيا وبقيت مقولاتها نخبوية كما تم تهميشها إعلاميا كما لم تتمكن كأحزاب من القيام بأنشطة تجلب لها أنظار الرأي العام السياسي، وهي أحزاب بقيت تبحث عن إطار تحالفي في وضع سياسي ساده الاستقطاب بين وحركة النهضة وخصوها السياسيين والأيديولوجيين، ومن بين أحزاب يمين الوسط غير سالفة الذكر أعلاه نجد بعض أحزاب مازالت ناشطة في حد أدنى:

 أ- حركة البناء المغاربي: وهو حزب صغير تم تأسيسه سنة 2012 توجهه مغاربي يقوده حاليا الناشط والحقوقي نورالدين الختروشي وللحزب رؤية سياسية لتونس ومحيطها المغاربي ورغم عدم الحصول على أي مقعد نيابي فان قراءاته لتطور الأحداث تجعل مستقبله السياسي واعدا إذا ما أحسن خيارات التحالف في الساحة والمشهد السياسي الجديد المترتب عن المتغيرات المحلية والإقليمية في قادم الأسابيع…

ب- حزب البناء الوطني: ويقوده رياض الشعيبي، وهو حزب صغير و لم يحصل الحزب على أي مقعد نيابي في انتخابات 2014 ولكنه استطاع إستقطاب مجموعة شبابية وخاض أكثر من مرة نقاشات تجارب تحالفية مع مكونات سياسية عدة دون أن تفضي إلى أي نتائج، وهو أقرب حاليا لحراك تونس الإرادة وحزب المؤتمر وحركة الوفاء رغم ترنح المشاورات بينه وبين هذه المكونات ومن المنتظر ان يبقى حزبا نخبويا في صورة عدم نجاحه في إبرام تحالفات سياسية …

ت- الحزب الليبرالي المغاربي: وهو حزب يقوده البصيري بوعبدلي صاحب مؤسسة بوعبدلي للتعليم الخاص، و وهو حزب بقي نخبويا ولم يدخل في أي تحالفات تذكر…

ث- أحزاب تقلص حضورها أو اختفت تماما: عديدة هي الأحزاب المعروفة بأنها تنتسب اليمين الوسط التي تقلص حضورها سياسيا وإعلاميا نتاج انصهارها في أحزاب أخرى على غرار حزب الاتحاد الوطني الحر ( المعروف بحزب الشركة) نتاج انصهاره في حركة نداء تونس أو حزب الآمان (بقيادة لزهر بالي) المنصهر في حزب “الحركة الديمقراطية”(نجيب الشابي) أو حزب الإصلاح والتنمية الذي تم حله والتحقت بعض قياداته بأحزاب أخرى، إضافة إلى حزب المجد (عبدالوهاب الهاني) الذي تبخرت أنشطته ووجوده السياسي والتنظيمي…

++ شقوق “نداء تونس” و”النهضة” والعلاقة بيمين الوسط؟

             يختلف العديد من المُتابعين في تحديد الهوية السياسية لحزبي “نداء تونس” (بشقوقه وبعضها يبحث أخيرا عن بناء النداء التاريخي)، وحركة النهضة فالأول  ورغم أنه يضم مكونات يسارية (قياديين سابقين  لخلايا الحزب الشيوعي – رموز من فصائل الأوطاد – تجمعيين ودستوريين سابقين)، فانه يصنف على أنه أقصى اليمين الليبرالي (تصنيف تبنته 6 فصائل غادرت ائتلاف الجبهة الشعبية  بناء على تحالف الأخيرة  مع نداء تونس وقالت أنها تحولت إلى حديقة خلفية لليمين الليبرالي…)

ولكن من الواضح أن نداء تونس تطور وسيتطور في ظل صراعاته الحالية ليكون أقرب ليمين الوسط وبسبب أن اليساريين لا يتجاوز وجودهم الفعلي في الهياكل المركزية (6 من أصل 12 في الهيأة التأسيسية سنة 2012) في انتظار المؤتمر الانتخابي للحزب المنتظر عقده في 06 أفريل المقبل..

أما حركة النهضة فهي قد تبنت من حيث خطاب قيادتها التاريخية، الخطاب الوسطي وتجسد ذلك في خياراتها السياسية من حيث طبيعة تلك الخيارات بالتوجه الإصلاحي الأقرب للتروتسكية فعليا، على أن الحركة حسمت في توجهاتها في المؤتمر العاشر عبر فصل الدعوي عن السياسي وسنرى هل سيرسخ ذلك أي فكرة حزب إسلامي وسطي ديمقراطي اقرب ليمين الوسط منه لأقصى اليمين أو ليسار الوسط من خلال البرنامج الانتخابي في أكتوبر 2019…          

++ أي مستقبل لأحزاب يمين الوسط؟

        واقعيا يمكن القول أن حكومة يوسف الشاهد 03 الحالية ورغم وسمها بأنها حكومة ائتلاف وطني أو حكومة وحدة وطنية هي في الحقيقة “حكومة تعايش وطني” بالمفهوم السياسي، وهي حكومة مرتكزة على تحالف لأحزاب يمين الوسط من حيث توجهاتها الاقتصادية ومن حيث رؤيتها للعلاقات الدولية ومع المؤسسات المالية العالمية ومن حيث خياراتها الثقافية والاجتماعية، ولكن مستقبل الحكومة حتى الانتخابات أصبح أمرا واقعا ومُرتبا بين الشاهد وحركة النهضة رغم أن مستقبلها ومستقبل كل تونس سيبقى مرهونا بالتطورات الإقليمية في المنطقة وخاصة في الجارتين ليبيا والجزائر خلال الأشهر القادمة،  وكل ذلك ستكون ترتباته على الأحزاب المكونة للتحالف الحكومي الحالي و لبقية أحزاب يمن الوسط:

  • سيتطور الوجود التنظيمي لحركة النهضة من حيث القدرة على مزيد الاستقطاب لقطاعات واسعة من المحافظين والمتدينين ومن أنصار الثورة، وسيتجه خطاب الحركة في محاولة إقناع الرأي العام أنها تبغي الحفاظ على مسار الانتقال الديمقراطي وأنها فصلت بين “الثقافي- الدعوي” و”السياسي” ونحو إبراز عدد من الخيارات السياسية في برنامجها الانتخابي الذي سستقدمه في الحملة الانتخابية وهو ما سيمكنها أن تكون قادرة على الاستفادة من طبيعة البراغماتية السياسية للقيادات السياسية من الجيل الثاني..
  • سيبقى مستقبل “نداء تونس” غامضا خلال الأشهر القادمة بل ومرتبطا بالتطورات الإقليمية الراهنة ومدى نجاح “آفاق تونس” و”البديل التونسي” و”حراك تونس الإرادة” و حزب “تحيا تونس” في استقطاب قطاعات واسعة صوتت لنداء تونس سنة 2014 لأسباب عديدة ومتنوعة، وفي أحسن الحالات سيكون الحزب رقما مهما في الساحة السياسية مع ترسخ التوجه اليميني له في صورة عدم انشطاره مجددا كما من الوارد أن يسترد بعض قيادات بعض من رجال الأعمال الذين قد يعيدون حساباتهم التي بنوها في الأسابيع والأشهر الماضية….
  • ستبقى أحزاب “البديل التونسي” و”آفاق” و”مشروع تونس”و”بني وطني” و”المبادرة الدستورية” أرقاما في الحياة السياسية التونسية في أفق الانتخابات القادمة، ولكن يبقى مستقبلها مرتبطا بالقدرة على التحول إلى أحزاب مستقلة عن المؤثرات المالية لشركات ومشاريع مؤسسيها وداعميها الماليين والإقليميين وشركائهم في الداخل والخارج…
  • سيرتبط الوجود السياسي لحزب الشاهد “تحيا تونس” مفتوحا على كل الخيارات في انتظار التطورات المحلية والإقليمية والدولية وخاصة مآل الأحداث في الجارة ليبيا ولكنه مرتبط أيضا بمعركة كسر العظام بين الحزب الوليد والحزب الأم نداء تونس وهنا ستكون المؤثرات تكتيكية وإستراتيجية ذاتية وموضوعية ورؤية وخطوات السبسي الأب تجاه الوقائع والأحداث وأولا وأخيرا برؤية الفاعلين الإقليميين والدوليين المتابعين للتطورات في تونس…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق