دراساتليبيا

قصة التنظيمات والأجهزة السرية والخاصة للتيارات الفكرية والسياسية التونسية (1918-2018) (ج9)

علي اللافي (كاتب ومحلل سياسي)

الحلقة التاسعة : علاقة بعض التونسيين بجماعة “الأخوان المُسلمين” قبل الاستقلال (1928-1956)

لم تظهر الحركة الإسلامية التونسية عمليا بشكل مُنظم إلا في منتصف سبعينات القرن الماضي رغم وجود أنشطة فعلية وتأسيسية أولية منذ نهاية الستينات (البعض يُؤرخ لظهورها بمؤتمر ليلة القدر أو لقاء الأربعين في أفريل 1972[1])، ورغم اختلاف القراءات في النشأة الأولى للتيار الإسلامي على غرار القول أنها ابتدأت مع الشيخ الثعالبي[2] أو مع تبلور أنشطة بعض تيارات الطلبة والشيوخ الزيتونيين على غرار أنشطة “جمعية الشبان المسلمين” بقيادة الشيخ محمد صالح النيفر” كما أن البعض ألآخر من الدارسين يربطها بتأسيس تنظيم سري في الأربعينات أي “البعث الإسلامي”، فإن الثابت أن علاقات بعض الشخصيات الوطنية والفكرية والسياسية بجماعة الاخوان المسلمين في القاهرة ودمشق، كانت قوية وذات فاعلية سياسية وفكرية واجتماعية، فمن هي تلك الشخصيات وماهي طبيعة تلك العلاقات ومؤثراتها؟، وما هي حقيقة علاقات بورقيبة بالأخوان وما هي طبيعتها قبل الاستقلال وما قصة تنظيم البعث الإسلامي التونسي؟

++ تأثير وانتشار دعوة الاخوان المسلمين في المنطقة المغاربية  

نشأت جماعة الاخوان المسلمين في مصر في نهاية عشرينات من القرن الماضي وقد أسسها حسن البنا وهو أحد أهم قادة جمعية الشبان المسلمين المصرية، ومنذ انتقالها للقاهرة في منتصف الثلاثينات عمل بعض قيادييها على انشاء فروع لها خارج مصر والتواصل مع بقية البلدان الإسلامية عبر الطلاب وعبر إقامة علاقات مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وخاصة في المشرق العربي، أما في المنطقة المغاربية فلم تكن لدعوتها وأفكارها حضورا كبيرا أو مميزا نتاج الخصوصيات الجغرافية والسياسية وخاصة لكل من تونس والجزائر والمغرب والتي كانت جميعها ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي إضافة الى أسبقية علماء ومفكرين مغاربيين في تأسيس تيارات وجمعيات وهيئات إسلامية سابقة لتأسيس الاخوان ومتمايزة على طرحهم الفكري وخاص في علاقة العروبة بالإسلام  بل ومرتبطة بحركات الإصلاح الفكرية في البلدان المغاربية  على غرار تأسيس ابن باديس لأهم جمعية الإصلاح في الجزائر وتأسيس الشيخ الثعالبي للحزب الحر الدستوري التونسي وهذا الأخير كان حزبا وطنيا جامعا لتيارين هما تيار “الجامعة الإسلامية” و التيار الوطني “الليبرالي”، ورغم انتماء بعض شخصيات مغربية وجزائرية وتونسية للأخوان ومبايعتهم لحسن البنا منذ الثلاثينات (أنظر الفقرة اللاحقة)، فان الظهور المنتظم للأخوان وتأثيرهم الفكري والسياسي لم يتجسد في البلدان الثلاث إلا في عقدي السبعينات والثمانينات رغم أن أغلب الباحثين يعتبرون أن “جل الحركات الإسلامية في العالم هي امتداد فكري وتنظيمي للأخوان المسلمين”[3]

++ شخصيات تونسية تواصلت أو التحقت بالأخوان المسلمين

أ- الشيخ عمار لبيض: وهو شخصية علمية ودينية ومصلح معروف في الجنوب الشرقي[4]، وقد ذهب الى مصر في منتصف الثلاثينات والتقى حسن البنا وبايعه سرا ثم عاد الى تونس ونشط ضمن الحركة الوطنية، وقد ساند الحركة اليوسفية سنتي 1955-1956، وكان قد التقى قبل ذلك كل من بورقيبة وبن يوسف وناقشهما في عدد من القضايا الفكرية والسياسية وجادلهما حول طبيعة دولة ما بعد الاستقلال، وقد كان صديقا مقربا من المرحوم سالم شندول والذي رفض التواصل مع بورقيبة بعد اعدام هذا الأخير لشقيقه…

 ب- الشيخ الخضر حسين: وهو العالم الزيتوني المعروف وصاحب كتابي “تونس بعد 67 سنة من الاحتلال الفرنسي” و”جامع الزيتونة”، وقد تولى منصب شيخ الأزهر في مصر، وقد كان بورقيبة متأثرا به ومتواصلا معه خلال عقدي الأربعينات والخمسينات (قبل الاستقلال) حتى أنه كان ينتظره لساعات أمام بيته في القاهرة لكي يقابله، وقد عرف الشيخ الأخوان المسلمين وتواصل معهم منذ وصوله للقاهرة، وقد رفض تصنيفهم كجماعة إرهابية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عندما طلب منه بعض الضباط القياديين فتوى تُدينهم فقال كلمته المشهورة المعروفة والتي رفض فيها إدانة الأخوان ورفض القول أنهم “خوارج” أو “بُغاة” حتى أنه قال “إني أشهد الله أن (“الأخوان” دعوة ربانية عرفتهم ميادين البذل والعطاء والجهاد والتضحية لم يخونوا ولم يغدروا بما عرفت عنهم)[5]….

ت- محي الدين القليبي: محيي الدين القليبي شخصية وطنية فذة واعلامي معروف حيث تولى تحرير جرائد عدة وترأس تحرير “الزهرة”، كما أدار أعمال الحزب الدستوري التونسي بعد سفر “الثعالبي” إلى الشرق بعد أن قال له “جعلت الحزب أمانة في عنقك”، وقد اعتقله الفرنسيون سنة 1934 ونفي إلى الصحراء ثم أطلق سراحه بعد سنتين تقريبا، وحج سنة 1947 ثم سافر إلى مصر واستقر فيها، حيث التقى حسن البنا والذي ساعده في التعريف بقضايا المغرب العربي من خلال صحف الإخوان المسلمين ومجلاتهم حتى أن صورته نشرت يومها في صفحة التعارف الإسلامي بمجلة “الشهاب” الشهرية (أصدرها الاخوان سنة 1947)، بل أن البنا نفسه كتب مقالا يعرف فيه بالقليبي ووصفه بالزعيم، وقد قام بجولات أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات في كل من  مصر وسوريا والعراق والأردن التقى خلالها بسياسيين كبار من بينهم قادة الحركة الإسلامية على غرار الشيخ الصواف بالعراق والدكتور السباعي بسورية وقد أقيمت على ضوء زياراته المؤتمرات وعقدت الندوات لإدانة فرنسا عبر مطالبتها برفع يدها عن تونس وغيرها من بلاد المغرب العربي ومما يؤكد قوة علاقاته بالأخوان وقربه بقياداتهم أن أصدرت “مجلة الإخوان المسلمون” الأسبوعية أعدادا خاصة عن شعوب المغرب العربي ومعاناتها من الاستعمار…[6]

++ علاقة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة بالأخوان المسلمين

أثناء زيارته للمشرق العربي واقامته في القاهرة تعرف الحبيب بورقيبة كممثل للحزب الدستوري الجديد ومثل بقية قيادات مكتب المغرب العربي بالقاهرة على عدد من الأحزاب والجمعيات المصرية المعروفة ومن بينها جماعة الاخوان المسلمين والتي توطدت علاقاته بقياداتهم التاريخية وحضر أنشطتهم الثقافية والفكرية والسياسية وربط علاقات اتصال مع أهم الفاعلين السياسيين في الجماعة على غرار “صلاح الشاوي” و”يوسف ندى” وآخرين، وهذين الأخيرين بقيت علاقاته بهم قائمة وتواصلوا معه خلال عقدي السبعينات والثمانينات وهو رئيس لتونس خلال تلك الفترة بل توسطوا بينه وبين الإسلاميين بعد المواجهة بين نظامه وحركة الاتجاه الإسلامي، ومن المعلوم ان كلمة “شعبة” كخلية دستورية مأخوذة من الأدبيات التنظيمية لجماعة الاخوان المصرية، قد نقل على بورقيبة أنه قال لأحد قيادات الاخوان “أنتم أكثر تنورا وتقدما من الزواتنة”…

++ “البعث الإسلامي” كتنظيم سري وطبيعة علاقته بالأخوان 

تأسس تنظيم البعث الإسلامي سنة 1947 ومن أهم قادته “أحمد لزرق” و”محمد الجميلي” و”البشير التوزري” و”عبد الرحيم” (أصيل الجريد) و”الشاذلي البوزيري” و”الهادي بوهلال”، أما طبيعة التنظيم وأهدافه فيوضحها أحمد لزرق عبر القول “أقمنا هيكلا وكنا نجتمع دوريا لتسيير العمل وتنظيمه بدعوة الناس إلى الرجوع للحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي هذه الاجتماعات الدورية كنا نتدرب على إلقاء المواعظ من جهة ونقرر رفع بعض الشكايات أو الاحتجاجات على الأعمال المشينة المخالفة لتعاليم الإسلام…”[7]، وارتبط التنظيم بالأخوان المسلمين فكريا بعد سنة من تأسيسه وتحديدا بعد عودة محي الدين القليبي سنة 1948، حيث اتصلت به المجموعة القيادية والمؤسسة بناء على علمهم أنه يحمل دعوة الاخوان، وتم توثيق العلاقة عبر عهد بين القليبي والقيادة التنفيذية للمجموعة، وفي هذا السياق يُؤكد الشيخ أحمد لزرق بالقول “وتعززت الحركة وأصبحنا نتجول في داخل البلاد يؤيدنا ويمهد لدعوتنا بعض الرجال الذين لهم ثقة بالشيخ محي الدين وتوسع العمل وتأسست الفروع والشعب…”[8]، وتم اختيار قيادة  من عشرة أعضاء بالانتخاب والشورى في اجتماع  عُقد بدار القليبي بالمرسى وأول فرع تأسس بمدينة صفاقس ثم فروع في كل المدن شمالا وجنوبا، ولكن ورغم التوسع التنظيمي إلا أن عوائق موضوعية أنهت التنظيم وفككته وكان عمليا حلقة مفقودة في تطور التيار الإسلامي بين مرحلة الثعالبي – القليبي وبين تأسيس نهاية الستينات وبداية السبعينات وظهور “الجماعة الإسلامية”…

وفي الأخير يمكن التأكيد أن “البعث الإسلامي” هي تجربة تنظيمية غيبها الباحثون ولم يعرها الإسلاميون بمختلف أحزابهم وتنظيماتهم أي اهتمام…

 

المصدر: الرأي العام بتاريخ 28 فيفري 2019 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  أنظر مثلا مقال الكاتب “على ضوء انعقاد المؤتمر العاشر لحركة النهضة: التيار الإسلامي وتجربة 44 سنة من الفعل السياسي” نشر بموقع (T24) بتاريخ 21 ماي 2016

[2]  أنظر كتاب يحي أبوزكريا “الحركة الإسلامية في تونس من الثعالبي للغنوشي“…

[3]  الشنقيطي (محمد بن المختار)، “الحركة الإسلامية في السودان مدخل الى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي” ص 270- دار قرطبة للنشر والتوزيع – الجزائر – 2004

[4]    نظمت الإدارة الجهوية للشؤون الدينية في مدنين في نوفمبر 2017، الدورة الثانية للملتقى المولدي تحت عنوان “علماء تونس ودورهم الإصلاحي الشيخ عمار لبيض نموذجا” (الصباح النيوز – 1 ديسمبر 2017)

[5]  نص كلمة “الشيخ الخضر حسين” كاملة كما أوردها موقع “رأي اليوم” (raiyalyoum.com)، بتاريخ 03 مارس 2014 “معاذ الله أن أختم حياتي بهذه الفتوى وأضع دماءهم في رقبتي معاذ الله أن أقول عن الدُعاة بغاة – لقد عشت خادما لديني لا مُستخدما له، ويكفي العبد كسرة خبز وشربة ماء وما أكثر الفضاء في ملكوت الله، وإني أشهد الله أن الأخوان دعوة ربانية عرفتهم ميادين البذل والعطاء والجهاد والتضحية لم يخونوا ولم يغدروا بما عرفت عنهم – وها أنا ذا أعلن استقالتي من كل منصب يحول بيني وبين إرضاء ربي” وقد اختتم استقالته قائلا ان الازهر أمانة في عنقي أسلمها – حين اسلمها – موفورة كاملة بل وإذا لم يتأث أن يحصل الأزهر مزيدا من الازدهار على يدي فلا اقل من أن يحصل على نقص”

[6]  مقال المستشار عبدالله العقيل، ” الزعيم المجاهد محي الدين القليبي”، تم نشره في السبعينات وأعاد موقع “المغاربي للدراسات والتحاليل” (www.almagharebi.net) إعادة نشره في يوينو/جوان 2018

[7]  الأزرق (أحمد) “بحثا عن الحلقة المفقودة” على حلقتين نشرتا بمجلة المعرفة العدد الثالث والخامس من السنة الخامسة، فيفري ماي 1979

[8]  نفس المصدر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق