تحاليلليبيا

ليبيا: صراع النفوذ وعقلية الكسب السياسي، من معارك الجنوب إلى قمة “أبوظبي” الثانية

 علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

 

          ساد الغموض خلال الأيام الماضية وخاصة منذ مساء الاثنين 25 فيفري الحالي، وتضاربت الأخبار لدى كل النخب الليبية بما في ذلك أنصار كل الأحزاب والكتائب وفرقاء الصراع الليبي حول حقيقة التباينات وماهية موازين القوى الحقيقية على الأرض وسط تضليل إعلامي عربي بنُكهة “صهيونية” في إدارة المعارك ومحاولات تضليل الرأي العام في مآلات الوضع، فهل مازالت عقلية الكسب السياسي سائدة ومُغذاة إقليميا ودوليا من أجل كسب وتوظيف الثروات الليبية على غرار “الايرانيوم” والغاز والنقط وبقية الثروات النادرة والهائلة(بشكل تراتبي وأولوي)، ذلك أن معارك الجنوب الأخيرة هي مجرد تفاصيل وهوامش لفرض الأجندات والأسماء ومن أجل التموقع بعد الملتقى الجامع المؤجل لأسابيع أخرى؟            

 ++ صراع النفوذ في الجنوب

 

             بقي الجنوب الليبي فترة طويلة خارج الاستقطاب الحاد في الصراع السياسي، ولم يكن طرفا حقيقيا وفاعلا في التوازنات السياسة والأمنية، داخل أروقة الصراع والنفوذ، فقد كان الجنوب (أو فزان) يعيش فعليا بين رحمة الحروب القبلية والمعاناة الإنسانية، وأيضا تحت نير بطش التشكيلات المسلحة الأجنبية بعيدا عن أي شي له علاقة بالدولة المركزية في مدن الفعل السياسي ما بعد أزمة 2014 (أي طبرق والبيضاء وبنغازي وطرابلس ومصراتة والزاوية وزوارة والزنتان)، ولكن ها هي عقلية الكسب السياسي تُحوله بين عشية وضحاها ليُصبح جزءا من ليبيا في ذهن فرقاء الصراع بل ويُمثل لديهم أٔولوية وطنية وخاصة لدى حفتر وحلفائه بل لدى الجميع رغم أن الهدف لم يكن طرد المسلحين من العصابات التشادية بل كان للسيطرة على الحقول النفطية وخطوط التهريب وخاصة المخدارت الإقليمية التي يسيطر عليها منذ سنين كبار تجار المخدرات في الصحراء الكبرى، وهي خطوط تمتد من المغرب في أقصى جنوب غرب الصحراء الكبرى مرورا بموريتانيا ومالي وجنوب الجزائر وشمال النيجر وجنوب ليبيا وتشاد، ثم ينتهي بها المطاف في السودان ومصر والشرق الأوسط، عبر شبكة تهريب ضخمة ومعروفة لدى هذه الدول وتتعامل معها على المستوى الرسمي في بعضها، ولاشك أن بعض البارونات الجُدد يسيل لعابهم رغبة في استعادة السيطرة على هذا الخط لأنه رافد مهم من ناحية الكسب المالي الفاحش والثراء السريع وإقامة شبكة علاقات واسعة في دول الساحل والصحراء الإفريقيتين…  

 

أما سياسيا فهناك بحث منهجي للسيطرة على الحقول النفطية وكسب ولاء المتنفذين والمتحكمين في المشهد في الجنوب من قبائل وشخصيات للحفاظ على التوازن كطرف قوي في أي مفاوضات أو ترتيبات قادمة في المشهد السياسي بدعم قوي من فرنسا والإمارات بينما لم تؤيد مصر تحرك حفتر الأخير في الجنوب وذلك بسبب ضغوط جزائرية معلومة وبسبب درس ما حدث في يوليو/جولية الماضي، وبالتالي فمن المنتظر حسب رأينا أن يتراجع حفتر خلال الأيام والأسابيع القادمة بل أنه سيُسلم زمام الأمور الأمنية كرها أو اختيارا إلى الفريق “علي كنه” مع الحفاظ على بعض نفوذه القبلي في المنطقة خاصة بعد أن عرف الواقع المعقد في الجنوب والذي يصعب احتواؤه ويفوق قدراته العسكرية ولأن المنطقة مفتوحة على مدى ألف وخمسمائة كلم مع حدود ثلاثة دول منها تشاد التي تضع يدها على كامل الجنوب الشرقي وصولا إلى منطقة حوض مرزق.

 

وإضافة إلى كل ذلك هناك ملاحظتين مهمتين ورئيسيتين:

 

أ‌-                      مارس الجزائريون الصمت كخيار مرحلي وأولي كما غلب عليهم الصمت والتيقظ والتحذير في بعض أحيان ذلك أن الجنوب الليبي يمثل أمنا قوميا للجزائر ولن يسمحوا بأي شكل من الأشكال مس استقراره في رسالة يبدو موجهة إلى حلفاء حفتر والذين ربما وظفوا بقصد أو غير قصد ما يجري في الجزائر ظرفيا ولم يكونوا ليفعلوا ذلك لولا التطورات الراهنة والداخلية التي تمر بها بل يمكن القول أو بالأحرى الجزم أن فاعلا دوليا قد يكون حبك كل اللعبة في مساراتها الإقليمية  المترامية للوصول لنتائج مجملة وتحقيق نقاط على منافسيه الدوليين والتقليديين…

    

ب‌-                لم يعرف موقف السلطات المركزية في طرابلس على وجه الدقة تجاه فزان وما يحاك لها في الخفاء في منطقة تتجه بكل سرعتها إلى المجهول في أعماق الهاوية بعد انهيار المنظومة الصحية وانعدام أي سبيل للعيش الكريم ولكن قوى فبراير السياسية والميدانية لن تصمت طويلا على ذلك التهميش والازدراء كما لن تسمح أيضا بالعبث الذي يُمارسه خصومها في الجنوب وفقا لرؤيتها طبعا…

 

++ سر تمنّع حفتر رغم الترتيب الفرنسي – الاماراتي    

             إلى حدود مساء أول أمس الثلاثاء 26 فيفري الحالي أكدت مصادر مطلعة ومقربة من حفتر أن الأخير لم يتجاوب مع الجهود المبذولة من أجل لقائه مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج (لذي وصل منذ مساء الاثنين 25 فيفري الحالي إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي)، والذي أتى قادما من شرم الشيخ،  لحضور لقاءات مبرمجة مع مسؤولين بدولة الإمارات لبحث الوضع السياسي في ليبيا ولحضور عقد لقاء قمة أبو ظبي الثانية (عقدت الأولى في نهاية سنة 2017)، ومعلوم أن مصادر إعلامية ومتابعين قد أكدوا أن الفرنسيين هم من يقفون لعقد لقاء القمة بين السراج وحفتر وهو أمر أكدته مشاورات السفيرة الفرنسية مع ثلاثة أعضاء من المجلس الأعلى للدولة حيث أعربت عن رغبتها في مزيد إحكام تنظيم الملتقى وتزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية، كما أكدت مصادر عدة أن القمة مرغوب فيها وأنها نتيجة طبيعية لمشاورات عدة جرت بين “ماري فيليبي” (المستشار الجديد لشمال أفريقيا والشرق الأوسط للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون)، وبين المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، اللذين زارا حفتر في الآونة الأخيرة في مقره العسكري في الرجمة (شرق بنغازي) بل أن السفيرة “بياتريس دو هيلين” أكدت على ضرورة “التنسيق بين السراج وحفتر، موضحة أن التنسيق بين الرجلين ضروري لتجنب أي صراع من الممكن أن يحدث،  وفي هذا السياق يمكن التأكيد أن أهداف باريس تتمثل في التوظيف الاستباقي للتطورات المرتقبة في دول المنطقة ( تونس – الجزائر- دول الساحة والصحراء الإفريقيتين)، وعمليا فإن موازين القوى الراهنة أوروبياً قد رجحت لفرنسا وخاصة  بعد نجاحها في دعم حفتر للتواجد اللوجستي في الجنوب وتحديداً من التموقع على مشارف حقول النفط، وبالتالي فالفرنسيين يحشدون جهوداً دولية من أجل وضع صيغة حلّ سياسية متفق عليها بين السراج وحفتر، لكن الأخير لا يزال يرفض بل الأحرى يتمنع ضمن استراتيجيا “رفض كل الحلول” والتلويح بأنه “لا يعول إلا على الحل العسكري”، بينما هي استراتيجيا إرهاق المنافسين ضمن سياق رؤيته الذاتية لتحقيق مكاسب سياسية واتصالية مستقبلية ضمن بنود ما سيزكيه المؤتمر الجامع واعداد منهجي لمعارك الاستحقاقات الانتخابية وتغطية على تراجع نفوذه المعنوي والشعبي في الشرق الليبي حيث فقد الكثير من سلطاته المعنوية وهو بصدد البحث عن إخفاء التباينات مع عقيلة صالح ومع المصريين أيضا…  

 وقد وصل إلى أبو ظبي أيضا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط التابع لحكومة الوفاق، مصطفى صنع الله، بغاية الاجتماع بعدد من الأطراف الليبية والدولية والتي تم الصمت في البلاغات الرسمية عن تحديد هويتها والاكتفاء بالقول أن الاجتماع يهدف إلى “مناقشة الإجراءات الأمنية الضرورية لإيجاد حل لأزمة حقل الشرارة” (أكبر حقول النفط في جنوب ليبيا، والذي أوهم حفتر عبر عدد من القنوات الإعلامية العربية الخادمة له، أنه سيطر عليه أخيراً خلال عمليته العسكرية في الجنوب).

++ قمة ابو ظبي الثانية والمرتقبة بين المخفي والمُعلن 

                من السهل على المتابعين للتطورات أن يتأكدوا أن باريس استعانت بالإمارات (التي تقف أيضاً إلى جانب حفتر ولكنها أصبحت على تباين معه من جهة وعلى تباين مع المصريين من جهة ثانية) ، بهدف حثه على ضرورة أن يتجنب المواجهات المسلحة في طرابلس ومحيطها، وأن يتجه إلى طاولة التفاهمات والحوار، وهو ما يعني أن الخطوة الفرنسية تعني الكثير ومبينة على دوافع عديدة بعضها توضح من لقاء السفيرة وأعضاء المجلس الأعلى للدولة الثلاث المشار اليه أعلاه، وكل ذلك مبني على تقارير وخلاصات سياسية وأمنية وعسكرية مفادها أن الفرنسيين متأكدين وعارفين بصعوبة العمل العسكري بالقرب من العاصمة، لكثرة وجود المليشيات المعارضة له في المنطقة ووجود رأي عام لن يقبل به ورفض الجزائريين والتونسيين بدخوله وهو منتصر عسكريا، ومعلوم أن ذلك أمر مستحيل بل هو من سابع المستحيلات وهو أمر تؤكده المتغيرات بل هو خيار لن تخدمه التطورات اللاحقة في كل المنطقة والتي ستُعيق حفتر في تحقيق أي مكاسب بل أن تلك التطورات قد تقلب الطاولة عليه وعلى حلفائه الإقليميين والدوليين وأولهم الفرنسيين…...

 وقد نقلت مواقع ومصادر برلمانية مقربة من حفتر خلال اليومين الماضيين أن”مساعي باريس لم ولن تتوقف، وستنجح في إقناع حفتر بلقاء السراج، لأن خططها الجديدة لا تتوقف عند حدود الرجلين، بل تصل إلى حد التأثير على الخطة الأممية للحل في ليبيا، وإمكانية القفز على مرحلة الملتقى الوطني الجامع، والذهاب إلى الانتخابات مباشرة”، ذلك ما أكده المصدر البرلماني والذي يمكن إضافة أن الفرنسيين يسارعون الزمن لقطع الطريق على مبادرات أخرى هي قيد الارتسام ولقطع الطريق على نتائج ممكنة على الأرض لزيارات سيالة والمشري وبشاغا لواشنطن، والثابت أن القمة بين الطرفين مقرر عقدها صباح أمس الأربعاء مع أن حفتر لا يزال يرفض حضورها معتبراً أنها “بلا جدوى” وهو تمنع ليس جديدا لمن يعرف صبيانيات حفتر السياسية والتكتيكية والتي سبق أن مارسها في باليرمو رغم أنه يعي ويعرف ما أكده له كونتي أثناء لقائهما الأخير في الرجمة، والسؤال بغض النظر عن عقد اللقاء أو قمة ابو ظبي الثانية بينهما ما هي الخطوة القادمة لسلامة ولوليامز في ظل كل هذه المتغيرات وهذه المواقف والتطورات في يلبيا والمنطقة وما هي التمويهات التي تحتفظ بها الأطراف المحلية والاقلمية والدولية ولا نراها في أخبار الوكالات والقنوات والمواقع والصفحات   وربما نرى عكسها تماما ؟…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 28 جانفي 2019 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق