الجزائرتحاليل

ماذا يجري في الجزائر؟ … أزمة عميقة ونهاية مرحلة أم بدايات إحياء لروح ثورة نوفمبر المجيدة

   أبو رسلان

“إنها أسوأ أزمة للبلاد في تاريخها الحديث وهي متعددة الأبعاد، سياسية ومؤسسية واجتماعية واقتصادية، على غرار تدني المقدرة الشرائية وتنامي الصراعات الإيديولوجية وتدهور وضعية حقوق الإنسان”، بهذه العبارات عبر رئيس الوزراء الأسبق والمرشح الرئاسي السابق والحالي “علي بن فليس” عن الأزمة الحالية في بلد المليون شهيد بلد ثورة الأول من نوفمبر المجيدة وهي الثورة التي مازالت تلهم الأجيال الجزائرية المتعاقبة، فماذا يجري في الجزائر وما هي طبيعة المطالب وما هي آفاق الوضع في ظل متغيرات الإقليم؟

  • الحيثيات الأولى للاحتجاجات

تجددت التظاهرات في الجزائر الأحد الماضي (24-02-2019) احتجاجا على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، مما اضطر قوات الشرطة لتفريق المحتجين ولم يكن ذلك في العاصمة فقط بل في مدن عديدة في الشرق والغرب الجزائريين وفي باريس أيضا…

بل أن الشرطة الجزائرية قد نفذت حملة اعتقالات ضد عدد كبيرا من المشاركين في المظاهرات والتي لم تكن للأحزاب والمنظمات المهنية أي علاقة مباشرة بها باستثناء دعمها وتبنيها من بعض الحركات السياسية على غرار حركة “مواطنة” (تنظيم معارض لاستمرار بوتفليقة في الحكم ويضم نشطاء ليبراليين بقيادة “جيلالي سفيان” أي رئيس حزب جيل جديد)، وعمليا كان المتظاهرون من شباب الجامعات والعمال وأغلبهم استجاب لدعوات تم إطلاقها عبر الشبكات الاجتماعية من طرف مدونين وفاعلين شباب…

واتسمت هذه المظاهرات بالسلمية، في أغلب مناطق البلاد، باستثناء حدوث مواجهات بين قوات مكافحة الشغب ومتظاهرين بوسط العاصمة، خلال محاولتهم السير نحو القصر الرئاسي، وقد أكدت إدارة الشرطة الجزائرية في أحد بياناتها أن عمليات التوقيف كانت بسبب “الإخلال بالنظام العام والاعتداء على القوة العامة وتحطيم الممتلكات”، دون تقديم تفاصيل أكثر حول أماكن توقيف هؤلاء المتظاهرين….

++ التعامل مع الأزمة وامكانيات التفاعل   

من المعلوم أن الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة (وزير خارجية بومدين) قد جاء للسلطة خلفا للأمين زروال في إطار اتفاق مع المؤسسة الأهم في الجزائر وهي المؤسسة العسكرية، وبناء على ذلك تم تحقيق مصالحة وطنية وتم تجاوز الظروف الصعبة وغير المسبوقة التي خلفتها العشرية السوداء في التسعينات وأصبحت الجزائر منذ منتصف العقد الأول من الألفية قوة إقليمية تقليدية وبلد قوي سياسيا واقتصاديا (بفضل النفط) بشهادة كل المتابعين ولكن التحديات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة المغاربية منذ 2011 والمتغيرات الإقليمية والدولية أوجدت أزمة فعلية داخلية في الجزائر تطورت وتفاقمت تراكميا خلال السنوات الخمس الماضية وخاصة خلال السنتين الماضيتين، وبدا جليا  أن الجميع في الجزائر يعيش الأزمة بل هم جزء منها بما في ذلك أحزاب المعارضة بل وكل النخب وبالتالي فإدارة الأزمة الآن ستتم وفقا للاستثناء الجزائري أي وجود تطلعات شبابية واعية في دولة قوية أمنيا وعسكريا ودبلوماسيا ولكن الحل السياسي يجب أن يراعي الطموحات ورهانات الأجيال الجديدة المتشبثة بروح نوفمبر وبضرورة الابتعاد عن المزالق التي عرفتها بلدان أخرى…

وعمليا أصبح التمديد بين قوسين بعد مغادرة بوتفليقة لسويسرا منذ أيام، وأصبح تأجيل الانتخابات واردا ضمن الحديث تراتبيا عن إمكانية مرحلة انتقالية ثم انجاز الاستحقاقات لاحقا كما من الوارد أيضا تعويض المترشح عبدالعزيز بوتفليقة بوزير الخارجية الأسبق (2013-2017) والدبلوماسي ذائع الصيت إفريقيا وأمميا ودوليا أي “رضوان العمامرة” والذي من الوارد جدا دعمه من طرف العسكريين على أن حظوظه ستبقى متساوية مع مرشحين آخرين من حيث دعم القيادة العسكرية الحالية أو من حيث الشعبية والعلاقات في الداخل والخارج، وهم تراتبيا “علي بن فليس” ومرشح موحد محتمل للمعارضة و”علي الغديري” وربما مرشح آخر من بين أكثر من 120 شخصا أعلنوا نيتهم تقديم ترشحاتهم…

++ هل تغيرت المطالب فعليا؟

حسب أغلب المتابعين في الداخل الجزائري المطلب كان في البداية بسيطا لأنه كان في المتناول أي التراجع عن العهدة الخامسة، لكن البعض يرى أنه بعد المظاهرات الضخمة يوم 22 فيفري الحالي إضافة إلى ما حدث يوم 24 وما تبع كل ذلك من تصريحات لأحزاب السلطة فقد تصاعدت المطالب إلى إلغاء الانتخابات بشكلها الحالي بل أن بعضهم طالب بحضر الأحزاب التي دعت لترشيح بوتفليقة، كما تتم حاليا الدعوة إلى مسيرات حاشدة يوم الفاتح من مارس متبوعة بمطالب أخرى حتى أن البعض يتحدث عن عصيان مدني مدة خمسة أيام إن لم تتراجع السلطات وتستجيب للمطالب، والمستقرأ للشبكات الاجتماعية الجزائرية يلاحظ أن الدعوة للاحتجاج يومية كما أن الشباب المحتج واع كل الوعي بأهمية استقرار الجزائر ومعلوم أن بعض الجموع المتظاهرة رددت شعار “لا ليبيا ولا سوريا، بل تركيا أو ماليزيا”، وقد لوحظ أن أصحاب القرار قد لينوا خطابهم وبدؤوا يلوحون بالحلول والتفاعل، ويُمكن القول أن الأيام الثلاثة القادمة ستحدد وجهة الأحداث لأن آجال الترشيح تنتهي يوم 3 مارس وعمليا أمام الجزائر خيارين لا ثالث لهما:

أ- التراجع بدبلوماسية حاذقة عن العهدة الخامسة وربما تأجيل الانتخابات، والتأجيل صار مطلب عديد الأطراف والبعض يطالب بوضع دستور جديد وأرضية توافقية لتسيير البلاد…

ب- المضي قدما في خيار العهدة الخامسة وهنا ستصبح كل الخيارات ممكنة ومفتوحة سياسيا واجتماعيا…

ولكن الثابت أن الجزائر غير قابلة للاهتزاز لأن الدولة قوية وان هناك وعي أن المطالب سياسية واجتماعية وأنه يمكن تأطيرها والتفاعل معها كما يمكن بسهولة تجنب المزالق التي عرفتها دول عربية وافريقية أخرى…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 28 فيفري 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق