تقاريرليبيا

ليبيا: أسرار حيثيات عودة المُلتقى الجامع لواجهة الأحداث

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية 

بين رئيس البعثة الأممية لدى ليبيا غسان سلامة، في حوار تلفزيوني منصف الأسبوع الماضي في حوار بثته قناة “ليبيا روحها الوطن”، أن هدف الملتقى الوطني الجامع، هو “إيجاد رقعة من التفاهمات للانطلاق نحو الاستحقاقات الانتخابية، إضافة إلى الاستفتاء على الدستور”، وأضاف سلامة أن الخطوة التي تلي التفاهم حول الجدول الزمني للانتخابات هو الملتقى الوطني الجامع، ومن ثم الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لتحصين هذا التفاهم، وتابع سلامة أن الملتقى الوطني الجامع هو عبارة عن “إعلان لاتفاق الليبيين حول الجدول الزمني للانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية“، كما أفضح سلامة عن قيام البعثة بعملية تشاورية شملت 77 مدينة واجتماعا، استمعت فيها لليبيين وأصدرت تقارير حوت رغباتهم وتطلعاتهم، موضحا أن البعثة تتشاور حاليا مع الأطراف السياسية الفاعلة  ليروا مدى استعدادهم لتنفيذ تطلعات الليبيين،  كما اشترط سلامة تحديد موعد الملتقى الوطني الجامع بحدوث تفاهم عميق بين الأطراف الليبية، منوها إلى صعوبة تحديد الموعد قبل حدوث هذا التفاهم، ولكن سلامة أكد في حوار مساء الأحد على قناة ليبيا الأحرار، فماذا تغير بين الخميس 07 مارس/آذار والأحد 11 مارس/أذار خاصة وان سلامة قد أكد في الحوار الثاني انه سيعلن عن الموعد في ظرف يومين وأنه أي الموعد سيكون قبل نهاية الشهر الجاري، فما الذي تغير بل ما هو سر عودة الملتقى الجامع للواجهة؟

++ الملتقى الجامع يعود للواجهة بعد جدل قمة أبو ظبي 

عاد الحديث مجدداً عن الملتقى الجامع والذي تعوّل عليه البعثة الأممية لتمرير حلول لأزمة ليبيا السياسية والعسكرية المتفاقمة منذ منتصف سنة 2014، والهدف من الملتقى نظريا هو توسيع دائرة التمثيل الوطني، وتلافياً للقُصور السياسي الذي تعيشه الأجسام السياسية والعسكرية المتحكمة في المشهد حالياً، لكن عودة الحديث عن الملتقى يضعها مراقبون في خانة المستجدات المرتبطة باتفاق أبوظبي بين رئيس حكومة الوفاق فايز السراج واللواء المتقاعد خليفة حفتر، حيث تجدد الحديث عن الملتقى بعد أسبوع من عقد قمة أبو ظبي2، والجدير بالذكر أن وتيرة الأسئلة ارتفعت قبل لقاء أبو ظبي 2 عن تراجع حديث البعثة الأممية عن الملتقى الذي كان مُقرراً عقده حسب اتفاق باليرمو (11-11-2018) في مطلع العام الحالي، بل أن الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في ليبيا اتهموا البعثة الأممية بغموض مواقفها منه، وخاصة بعد الإعلان المقتضب الذي نشرته نفس البعثة، في 09-01-2019 والذي زاد يومها الغموض الذي يلف شكل وفحوى وأهداف الملتقى، فالبعثة أكدت في بلاغها ذلك “جميع المعلومات المتعلقة بالملتقى الوطني، بما في ذلك التاريخ والمكان والتفاصيل، سيعلن عنها عبر قنوات الاتصال الخاصة بالبعثة”، بل وأكدت بوضوح في نفس البلاغ أن “إرسال الدعوات إلى المشاركين سيتم كذلك من خلالها”….

ولكن البعثة الأممية وبشكل مفاجئ، أعلنت الأربعاء 06-03-2019عبر صفحتها على الشبكة الاجتماعية “فيسبوك”، عن لقاءين أجراهما رئيسها مع وفدٍ من المجلس البلدي لمصراتة أنه تم بحث التطورات السياسية الأخيرة في البلاد، وتحضيرات الملتقى الوطني”، وعن لقاء لها مع الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن السويحلي، ونقلت البعثة أن “مطالب المجتمعين” تتلخص في ” ضرورة انعقاد الملتقى في أقرب فرصة ممكنة..”.

وهنا يمكن استنتاج أن لقاء أبوظبي بين السراج وحفتر قد شكّل خطوة تمهيدية للملتقى الجامع وتحديد الأطراف المشاركة فيه، بل ويمكن اعتبار أن الملتقى سيكون المظلة التي ستصوغ شكل ومسار المشهد المقبل، لإعطائها الصبغة الرسمية والشرعية الليبية، قبل نقلها إلى مجلس الأمن لتحصينها دولياً، وقد نقلت صفحات ومصادر ليبية أن حفتر قد عيّن أحد أهم المقربين منه لمتابعة عقد الملتقى من حيث المكان والجدول الزمني وأجنداته ومخرجاته….

ومعلوم أن مجلس الأمن الدولي قد أكد، خلال نشرته الدورية لشهر مارس الحالي بشأن تطورات الأوضاع في الدول المختلفة، ومن بينها ليبيا، على أن “الأسابيع المقبلة ستشهد عقد البعثة الأممية للملتقى الوطني الجامع الذي يمثل فرصة لليبيين، بهدف تقرير مصيرهم وإنهاء المرحلة الانتقالية“، مؤكداً دعم مجلس الأمن الدولي لمخرجات هذا الملتقى، مع ضرورة أخذ كافة الضمانات السياسية والأمنية الرامية إلى قبول كافة الأطراف بنتائجه…

ومن الواضح أن الملتقى الجامع سيُقر فكرة إعادة تشكيل حكومة الوفاق الوطني، على أن يجري تأجيل النظر في إجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية وفق قاعدة دستورية، إلى مرحلة لاحقة للمؤتمر الجامع…

ومعلوم أن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج قال يوم 05 آذار/مارس الحالي أن أهم النقاط التي جرى التوافق عليها مع حفتر في اجتماع أبو ظبي هي “عدم إطالة الفترة الانتقالية، وضرورة توحيد مؤسسات الدولة، وإنجاز انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية 2019، وتوفير المناخ الملائم لإجرائها”، بل أن السراج أضاف أن هناك مبادئ في لقاء أبو ظبي غير قابلة للتنازل، أهمها “مدنية الدولة، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي على السلطة، كما شدّد على عدم “وجود حل عسكري أو مكان لعسكرة الدولة، وضرورة وقف خطاب التأجيج والتحريض على العنف والكراهية وبث الفتن”، كما أكد أنه “لن يسمح بأي محاولات من أي جهة لخلق فتن من شأنها إدخال المدن الليبية في حرب أهلية…”

++ حيثيات وكواليس الاستعدادات والترتيبات

عمليا غسان سلامة بنفسه وخلال حواره مساء الأحد 10 آذار/مارس الحالي  مع قناة ليبيا الأحرار أكد  أنه سيُعلن عن موعد الملتقى الجامع في خلال أيام بعد بعض الترتيبات اللوجستية الضرورية، كما أكد أن الملتقى سينعقد في اقل من شهر من الآن، وأضاف أن هناك 23 فئة من الليبيين وانه سيقع تمثيلها جميعا وهي المدن والأحزاب ورؤساء الجامعات ورؤساء النقابات إضافة إلى شيوخ قبائل وبعض أعضاء البلديات وأعضاء من مجلس النواب ومن مجلس الدولة وكل الأجسام الاجتماعية والسياسية .. والمكونات والأقليات العرقية…

وبخصوص الغاضبين أكد سلامة أن من لن يتمكن من الحضور وسيقومون بشتمه وأنه يعتذر لهم مسبقا متحججا انه لن يستطيع أن يجمع 6 مليون ليبي في مكان واحد وأنه لن يكون هناك إرضاء للجميع وأن الهدف هو استخلاص رأي غالب و رأي أكثري وان ذلك هو هدف الملتقى …

مضيفا أنه من بين 14 مدينة هناك 3 مدن تم اختيارها (لاختيار احدها لعقد الملتقى الجامع) وانه سيختار المدينة اليوم 11 مارس (وهي على الأقرب مدينة غدامس الحدودية أما المدن التي كانت مرشحة فهي 4 عمليا: غدامس وسرت وسبها وزوارة)

أما مضمونيا فقد قال أن هناك بوتقة واسعة من المدخلات (منها ما جاء في اجتماعات مجلسي النواب و الدولة ومبادرات ولقاءات أبوظبي وباريس و باليرمو وطبعا خطة العمل الأممية)، وأنها جميعا سيحولها الملتقى الوطني إلى مخرجات…

 ++ بين إمكانيات النجاح  والواقع على الأرض  

كما أكدنا أعلاه فقد كثّف المبعوث الأممي غسان سلامة بعد اجتماع أبوظبي لقاءاته التحضيرية للملتقى الجامع، مع تزايد الحديث عن قرب لقائه وترجيح عقد في ليبيا، ويبدو أن سلامة رأى في المبادئ التي تم الاتفاق عليها بين فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي وخليفة حفتر قائد قوات الكرامة في أبوظبي ضمانات كافية للعمل بشكل أكثر جدياً وبوتيرة أسرع لعقد الملتقى الجامع، خاصة بعد صدور بيانات تدعم ما نتج عن هذا الاجتماع، وأهمها بيان الدول الأربع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ورغم اللقاءات التي يعقدها سلامة بكثرة هذه الأيام، فإنه لا يوجد إلى الآن مقترح واضح يمكن الجزم بأنه هو ما سيتم نقاشه في هذا الملتقى، وينقسم الليبيون بل وحتى المتابعون للمشهد الليبي من خارجه بين قسمين:

  • مؤيد لتحركات المبعوث الأممي ويرى فيها محاولة جيدة لها فرص من النجاح كبيرة…
  • مقلّل من جدوى هذه التحركات معتبراً أنها ستعجز عن حلحلة الأزمة وتجاوز الانسداد وكسر الجمود الذي يسيطر على العملية السياسية…

وعمليا وفي قراءة للمشهد السياسي الليبي الحالي يمكن استخلاص أن جميع الأطراف السياسية تتفق على أن إجراء انتخابات هو المخرج من الأزمة وأنها ستنهي حالة الانقسام وتنازع الشرعية، إلا أن الخلاف يتركز في الإطار الدستوري لهذه الانتخابات، وهل ستكون هذه الانتخابات قبل الاستفتاء على الدستور أم بعده، وصار واضحاً لدى الكثيرين صعوبة حدوث توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بخصوص التوافق على قانون الاستفتاء على الدستور خاصة بعد إصدار قانون مشوه من مجلس النواب ومخالف لما تم الاتفاق عليه مع المجلس الأعلى للدولة، وإصراره على عدم تضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري مما يجعل منه جسماً عاجزاً عن أي أداء سياسي مثمر، وعلى صعيدٍ آخر هناك التعنت من خليفة حفتر الرافض للاعتراف بالاتفاق السياسي وما انبثق عنه من أجسام، والماضي في مشروعه العسكري المصرّ على جعل المؤسسة العسكرية سلطة موازية للسلطة المدنية، إضافة إلى ذلك فإن المجلس الرئاسي يعاني من ضعف واضح في الأداء وعدم قدرة للتجاوب مع الأحداث بشكل فعال، ومجلس الدولة بصلاحياته المحدودة يبقى عامل اتزان في المشهد السياسي لا أكثر…

في ظل هذا المشهد المعقّد والمتشابك يُمكن القول أن عقد الملتقى الجامع فرصة هامة وكبيرة لإيجاد معادلة تغير الوضع الجامد الذي يجعل كل طرف متمسك بمكاسبه دون إبداء أي رغبة للتنازل لإحداث نوع من التقارب أو التوافق، وكان في إصرار حفتر على التوسع بعملياته العسكرية جنوباً دليلاً واضحا على تصلّب المواقف والإصرار على نسف العملية السياسية الهشّة، خاصة وأنه توجه للجنوب وعينه على العاصمة معتقداً أن سيطرته على المنشآت النفطية سيعطيه أفضلية في أي تفاوض أو تسوية..

لقاء أبوظبي من حيث القراءة العامة كنتائج بناء على تصريحات البعثة المعلنة جاء بمخرجات جيدة في إطارها العام ويمكن الاستفادة منها والبناء عليها، خاصةً وأنها حيّدت المنشآت النفطية من الصراع وأكّدت على حتمية الحل السياسي ومدنية الدولة وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، مما يقلل من شأن التقدم العسكري الذي يدعيه حفتر في الجنوب، ولعل لقاء أبوظبي جاء بعكس ما نتوقع، حيث جرّد حفتر من نشوة انتصاراته المزعومة في الجنوب وحرمه من استثمارها سياسياً ولعل هذا ما يفسر عدم تعليق معسكره على لقاء أبوظبي…

إن الملتقى الجامع في هذا الوضع المعقد وحالة الانقسام المترسخة يمكن اعتباره الآلية السياسية الأقرب لإمكانية إنتاج صيغة توافقية بين مختلف الأطراف خاصة إذا استمر الزخم الدولي الدعم للمبعوث الأممي في مسعاه وتم تحجيم التدخل الإقليمي المعرقل ولكن بشرط أن  لا تكون مضامينه تحيل على الليبيين لصالح أطراف إقليمية أو دولية ….

++ تيار فبراير وحلفاء حفتر كلاهما في مأزق في حال قبولهما بأي مخرجات في الملتقى الجامع

رغم أن حفتر محسوب على تيار فبراير بمفهومه الميداني والمباشر سنة 2011 فانه منقلب عليه منذ 2014 وهو من الذين يؤمنون بقلب الصفحة والبحث عن سيناريوهي “سيسي ليبيا” و”القذافي2″، ومع ذلك فانه يُمكن القول أن الطرفين في وضع صعب وذهابهما للملتقى الجامع ليس في صالحهما ولكنهما مُضطرين إليه نتاج ضغوط محلية وإقليمية ودولية:

  • حفتر وضعه الصحي متعب وسنه يعوقه على لعب أدوار مستقبلية و لا يُمكنه إعادة إنتاج ما يسميه البعض بإنتاج “القذافي2” كما أن استنساخه لسيسي ليبيا شُبه مستحيل حاليا بل أن المصريين وكما هو معروف خلال الفترة الماضية على تباين معه وأصبحوا يستشعرون مخاطر حتى تنقله للغرب الليبي، إضافة للتباينات الواضحة بين المصريين والإماراتيين حول مستقبله السياسي (لا العسكري)   …
  • تيار فبراير منقسم على نفسه من حيث الخيارات وأيضا بناء على تجاذب التيارين الفكريين الرئيسيين فيه أي الإسلاميين والليبراليين، وتيار المفتي ضد خيارات ومسارات العدالة والبناء ( يوسم بأنه ذراع الإخوان السياسي)، إضافة إلى أن البعض في تيار فبراير يعتبر القبول بحفتر في أي مكان وبأي صفة، هو “إجرام في حق ضحاياه وفي ليبيا المستقبل باعتبار أنه دمر درنة وبنغازي” حسب رأيهم وأنه لن يتخلى على فكرة الانقلاب مستقبلا…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 14 مارس 2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق