تحاليلليبيا

ليبيا: رهانات وأجندات الأطراف المحلية على الملتقى الوطني الجامع

علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

تغيرت معطيات عدة منذ قمة أبوظبي 2 المثيرة للجدل والتي التقى فيها رئيس حكومة الوفاق فائز السراج مع قائد قوات معسكر الكرامة خليفة بلقاسم حفتر بغاية إنهاء الصراع وتوحيد المؤسسات السيادية، وعمليا تغيرت التحالفات سياسيا واجتماعيا وعسكريا كما أن ترتبات الوضع قد تطورت بشكل شبه كُلي بعد نشر بعض تفاصيل الاتفاق بين الرجلين والذي قد تم بحضور السفير الأمريكي وأيضا بعد لقاءات ستيفاني وسلامة بالفاعلين السياسيين والاجتماعيين وممثلي المدن والقبائل تحضيرا للملتقى الجامع والذي عاد لواجهة الأحداث، ولكن موعده أرجأ لأكثر من أسبوعين ومن المنتظر التئامه خلال الأسبوع الثاني من أفريل/أبريل المقبل بعد أن كان مقررا في البداية ليومي 25 و26 آذار/مارس الحالي، وهو ما يعني أن اللقاءات والزيارات التي تلتئم بشكل يومي في طرابلس وسط الحديث عن لقاء قمة ثان في القاهرة، ستكون مؤثرة وحاسمة قبل وبعد الملتقى الجامع والذي لا يملك أحد حتى الآن تحديد موعده الفعلي والنهائي حيث يؤكد البعض أنه سيلتئم قبل شهر رمضان في ما تشير مصادر غربية أنه ربما يرحل إلى بداية جويلية/يوليو القادم، وقد تدفع مقررات ونتائج ومآلات ومخرجات الملتقى المشهد السياسي إلى التغير الكُلي لا في ليبيا فقط بل أيضا في عدد من دول الجوار وبعض الدول العربية والإفريقية، فما هو واقع وراهن الأطراف المحلية وما هي أجنداتها سواء كانت قوى عسكرية أو تيارات فكرية وسياسية إضافة إلى مؤسسات السلطة التنفيذية (حكومتي الوفاق والمؤقتة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية)، ومجلسي “النواب” و”الأعلى للدولة” في ملتقى وطني والذي من الواضح أنه سيعقد وسط مدينة غدامس الحدودية رغم إمكانية عقده في كل من “سرت” و”سبها” و”زوارة”؟، وما هي رهاناتها في ظل مآلاته المنتظرة في ظل واقع دولي وإقليمي متقلب ومتطور دراماتيكيا؟

++رهانات التيارات الفكرية والسياسية المنتظرة في الملتقى الجامع

** الليبراليون

أ- حزب جبريل: تدور داخله نقاشات عديدة وتجاذب حول طبيعة المرحلة وهو ما تجسد في بيان الحزب حول قمة أبو ظبي2 إذ أصر على إعلام الرأي العام وكل الليبيين بفحوى الاتفاق، ولا شك أن جبريل وبعض قياديين قد وعوا بطبيعة الرهانات المستقبلية والمآلات المنتظرة للملتقى الجامع ، ولكن مشكلة حزب جبريل في التزاماته السابقة مع قوى إقليمية على غرار علاقاته مع الإماراتيين وعدم قدرته على تجاوز منطق التنظير السياسي للفعل المرحلي والميداني، وإضافة إلى كل ذلك في تعدد الدغمائيين في المجلس الوطني والمؤسسة التنفيذية، وربما لهذا السبب عمد منذ أشهر إلى بعث لافتات حزبية مرتبطة به…

ب-الجبهة الوطنية: وهو حزب تطور من حيث الخطاب السياسي منذ مؤتمره الأخير، ولكن تعوزه القدرة على الحضور الميداني نتاج أن عناصره القيادية كانت معارضة راديكالية في الخارج وتحملت تبعات فترة غيابها وانقسام جبهة الإنقاذ في أكثر من مرة، ويرى المتابعون أنه مطلوب من الحزب حُسن القراءة للواقع السياسي والاجتماعي في ليبيا قبل وبعد الملتقى الجامع وان يقدم رؤية وحلول لليبيين خلال المرحلة الانتقالية الأخيرة…

ت- تجمع الوطنيون الأحرار: بعد خطوات ملموسة في التوفيق داخله بين أنصار التيار المحافظ وبين الليبراليين القريبين منه، عاد فعله السياسي بقوة خلال الفترة الماضية حيث تطورت أنشطته ومشاركة عناصره القيادية في المنابر الإعلامية وتخلص من منطق وعقلية الحسابات السياسية …

ث- بعض مكونات أخرى: هناك حذر في الاصطفاف وفي إبداء المواقف السياسية خلال الفترة الماضية، وهو ما قلص من تواجد أحزاب وتكتلات صغرى في الحياة السياسية ما بعد معارك الجنوب وعودة الاستعدادات العسكرية وهو أمر منتظر تواصله قبل وبعد الملتقى الجامع …

** الإسلاميون

• القوى الموسومة بالمحافظة: والمقصود هم أنصار المفتي وبعض الغاضبين من الاخوان والقيادات السابقة للمقاتلة، وهي أطراف مرتبكة في قراءة المرحلة ورغم أنها لم تستطع الاستفادة من التطورات خلال السنتين الماضيتين فانها تحركت بعد قمة أبوظبي2 واستطاعت أن تكون فاعلة فان صوتها سيكون مسموعا خلال مرحلة ما بعد الملتقى لان لها حاضنة شعبية متعاطفة مع خطابها …

• الأخوان وحزب العدالة والبناء: يتحركون هذه الأيام في كل الاتجاهات حول ضرورات المرحلة رغم صراعات الأجنحة وتباين بعض الزعامات في قراءة الأوضاع المحلية والإقليمية وعمليا تم عقد جلسات ماراطونية خلال الأيام الماضية جرت خلالها نقاشات حول رهانات المرحلة وتمحورت تلك اللقاءات والمشاورات والتي كان محورها أهم الفاعلين في الحزب والجماعة حول رهاناتهم حول الملتقى الجامع، ويجري الحديث داخل الحزب حول تحديد استراتيجيا للمرحلة القادمة وخاصة الاستعداد المرحلي للاستحقاقات القادمة، ومعلوم ان رئيس الحزب محمد صوان بصدد القيام جولة تشمل بعض العواصم العربية والإسلامية والغربية …

حزب الوطن: رغم تقلص الفعل السياسي للحزب خلال الأشهر الماضية فان جاهزية الحزب للاستحقاقات الانتخابية القادمة يعد إليها منذ سنتين وخاصة وأنه على تواصل مع العديد من الفاعلين السياسيين من مختلف التيارات الفكرية والسياسية …

• التيارات الصوفية: هناك إعادة تشكل وبروز وبحث عن توظيف المرحلة على غرار نشاط ما يعرف بمجلس التصوف السني، ولكن قابلية التوظيف من طرف قوى إقليمية أمر معروف من خلال أنشطة فكرية وبحثية موجهة وخاصة في مرحلة ما بعد الملتقى الجامع …

** أنصار القذافي

أنصار القذافي (أو أنصار النظام السابق) لم ولن يكونوا يوما وحدة متكاملة من حيث الرؤى والتوجه والولاء أو من خلال رؤيتهم لمستقبل ليبيا، وينقسم أنصار القذافي إلى طرفين، الأول يرى في سيف منقذا للبلاد والطرف الثاني يستعمل تكتيكا توظيفيا للأحداث لصالح المنظومة القديمة، أما الطرف الثالث من أنصار القذافي فهو يرى في نجاح الحكومة القادمة سبيلا أن تسترد بعض قبائل محسوبة عليهم حقها وانه لا يجب معاملتها بناء على قربها السابق من القذافي، وهؤلاء يرون أن المصالحة الحقيقة هي في بناء جديد يدفن آلام الماضي، والخلاصة أن أنصار القذافي مُشتتون ومُختلفون وقوتهم بشرية ومادية لوجستية، وأنه لا أمل لأنصار القذافي في إفشال التوافق الليبي رغم هامش قوة مقتدر ولكنه نسبي على إرباك الحكومة الانتقالية ما بعد الملتقى الجامع، و الأكيد أيضا أن قطاعات واسعة من أنصار القذافي مؤمنة حاليا بما قاله رجل المخابرات القوي في عهد القذافي عبدالله السنوسي لقبيلة المقارحة سنة 2015 في سجنه “عهد القذافي انتهى وولى ولن يعود وعليكم القبول بذلك والمشاركة في المسارات الجديدة”…

++ أطراف ومكونات حكومتي “الوفاق الوطني” و”المؤقتة”

رغم أن الصراع في ليبيا ليس بين حكومتي الوفاق الوطني و”المؤقتة”، ذلك أن وجود الثانية أصبح أقرب للشكلية منذ لقاء باريس، إضاقة إلى أن الصراع في ليبيا واقعيا هو بين وكلاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي في فهم الواقع بأبعاده المختلفة وفي علاقته بالأطراف الإقليمية والدولية، واشتغالهم المستمر لأذرع إقليمية تقوم بأدوار وظيفية لبعض القوى الدولية…
وعمليا أصبح واضحا أن كل من طرفي الصراع ليس وحدة متكاملة كما يعتقد البعض ولكن كُل من حكومتي “الوفاق” و”المؤقتة”، يضم مكونات لا ترى في نجاح الملتقى الجامع تحقيقا لأهدافها بل وإنهاء عملي لوجودها الميداني…

** أطراف ومكونات الحكومة المؤقتة

وهي عمليا خمس مكونات أساسية، بعضها ظاهر كـــ”الفيدراليين” و”مجموعة الكرامة” بقيادة حفتر، وأنصار تلك الحكومة سابقا في الجهة الغربية (وهم أيضا ليسوا وحدة متكاملة)، وأطراف لا تُرى ولا تظهر في الصورة، ومنهم مكونات سياسية ليبرالية وطبعا قيادات نظام القذافي التي لم تكن معلومة في عهده من بعض عسكريين وبعض رجالات الأمن الخارجي والداخلي، وطبعا بعض هذه المكونات تختلف في رؤيتها للتطورات وإيمانها بأهمية التوافق ويقينها “أن االحسم العسكري مستحيل واقعيا وميدانيا و أنه لا سبيل إلا بتشكيل حكومة لكل الليبيين”، وقد غيرت التطورات الأخيرة تموقع تلك الأطراف إضافة إلى أن خطوات حفتر في اطلاق سراح العريبي واطلاق سراح بعض قيادات كتائب سلمته له السعودية سنة 2016 وبعض بيانات التي أعلنت إطلاق سراح إعلامي وبياني فقط لعدد من رموز النظام السابق، سيغير خريطة التحالفات في صفوف القبائل والعسكريين وستعيد بعض سياسيين لواجهة الأحداث في انتظار مآلات ومخرجات الملتقى الجامع

** أطراف ومكونات حكومة الوفاق الوطني

سيسعى سياسيون محسوبين على تيار فبراير (ليبراليين – إسلاميين – مستقلين)، وأيضا بعض مكونات في التيار الوطني من أنصار النظام السابق إلى البحث عن توافق شبيه بالحالة التونسية للنأي بالتجربة الليبية من السقوط في براثن الاستئصال والإقصاء، وهذه الرؤية تتبناها أيضا أطراف ليبيرالية بما فيها حزب “الجبهة الوطنية” و”تجمع الوطنيون الأحرار” وبعض أحزاب أخرى صغيرة على غرار “حزب التغيير”، وبعض قوى في “حزب تحالف القوى الوطنية” على غرار القيادي إبراهيم قرادة والذي كتب نصا مهما في هذا الشأن، كما أن أغلب وزراء السراج الحاليين والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والأمنيين والعسكريين وأركان المؤسسات السيادية سيحاولون كسب رهان المرحلة وتثبيت الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق بغض النظر عن التغييرات التي ستطالها بعد الملتقى الجامع وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية…، ومن المؤكد أن نتائج الملتقى الجامع وطبيعة مقرراته ستبعد وجوه وتسمح لوجوه أخرى بالظهور في واجهة المشهد…

** تطورات الأيام الأخيرة وعلاقتها بترتيبات ومضمون الملتقى الجامع

آخر ما يتم عليه الحديث في ليبيا خلال الأيام الماضية هي خطوات ترتيبية على غرار إحداث تغييرات أخرى في السلطة التنفيذية في طرابلس وأيضا توحيد المؤسسات السيادية على غرار تصريحات صنع الله بشأن بيع النفط والتصرف فيه إضافة إلى تشكيل لجنتين عسكريتين في كل من الجهة الغربية والجهة الشرقية للتفاوض أو بالأحرى مواصلة التفاوض حول “تكوين/توحيد” المؤسسة العسكرية حيث ستجرى جلسات الحوار بين الطرفين في العاصمتين المصرية والتونسية إضافة الى لقاء ثان منتظر بين حفتر والسراج، ومعلوم أن مفوضية الانتخابات قد تحدث خلال الايام الماضية عن الجاهزية الكاملة ولكنه تحدث عن التحديات والمصاعب والمتطلبات اللوجستية، وعمليا من المنتظر أن يقر الملتقى الجامع مقترح مبدأ الانتخابات التزايدية لحل عوائق الانتخابات في المدن التي تصعب في مرحلة أولى القيام فيها بالانتخابات، وهو مقترح متضمن في خطة مساعدة المبعوث الاممي الموسومة بالخطة ب….

++ المشهد الليبي الداخلي في أفق المؤتمر الدولي

بغض النظر عن التجاذبات وصعوبة المهمة بالنسبة للسراج أو من سيترأس حكومة الوحدة الوطنية (خلال المرحلة الانتقالية الأخيرة) وبالنسبة للبعثة الأممية وتعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته العديدة والمتعددة في أفق عقد الملتقى الجامع، فإنه يمكن التأكيد على أن نجاح التوافق الليبي أمر محبذ من طرف الجميع نظريا ولكن التحديات كثيرة ومتعددة الأوجه والطبيعة، وهو ما يعني أن عمل الحكومة الجديدة سيعرف صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى حيث ستسعى أطراف عدة إقليمية وربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها، حيث أن تلك الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد غداة الملتقى الجامع وخلط الأوراق و إعادة الأمور للنقطة الصفر، أو ربما أعقد مما كان عليه الوضع في صائفة 2014 ….

ولكن من الأكيد أيضا أن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة الموقع الجغرا – سياسي لليبيا وقربها ومن السواحل الأوربية وطبيعة التحديات الاقتصادية في دول الجوار الليبي ستدفع الجميع نحو الدفع لإنجاح عمل حكومة ما بعد الملتقى الجامع بل ومساعدتها في تنفيذ برامجها وإجراء انتخابات تغلق باب الصراعات الميدانية والعسكرية…

ولكن السلطة التنفيذية والانتقالية الجديدة ستجد بل أنها ستكون أمام تحديات جسيمة على المستوى الأمني وبناء وقيادة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الحدود مع الدول المجاورة والعمل على إنهاء الصراعات الكبيرة في الجنوب، ولكن أمل الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الكبرى في إعادة النشاط لسفاراتها في طرابلس من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في المستقبل …

وفي الأخير فان مستقبل ليبيا بعد 15 أفريل/أبريل المقبل سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الليبيين حتى يتمكنوا من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتوقي الصعاب عبر تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تنهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية وحتى يهنأ الليبيون كل الليبيين بغض النظر عن أحزابهم وقبائلهم ومدنهم وانتماءاتهم الفكرية والمذهبية والسياسية…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 21 مارس 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق