تحاليلليبيا

ليبيا:هل وقع حفتر في الفخ، أم أن السراج هو عدلي منصور2؟

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

أمام التطورات المتراكمة للأحداث في مناطق ليبيا الثلاث وعلى المسارات الثلاث ( سياسيا وعسكريا ودستوريا)، للازمة السياسية المتفاقمة منذ منتصف 2014 احتار المتابعون وتاه المحللون للوضع السياسي وخاصة منذ لقاء ابوظبي2 وزيارتي حفتر لروسيا والسعودية (الثانية مؤكدة والأولى يلفها الغموض من حيث صحتها ونتائجها)، ومعلوم أن الحراك الدولي حول ليبيا تعددت محطاته خلال الأسبوعين الماضيين حيث تكاثرت الزيارات واللقاءات والمؤتمرات وخاصة قبل وبعد القمة العربية في دورتها الثلاثين، وبناء على ذلك تعددت الروايات لما حدث ويحدث وما قد يحدث قبل يومي 14و15 افريل الحالي أي قبل انطلاق أشغال الملتقى الجامع في مدينة غدامس الحدودية رغم ان التحضيرات اللوجتسية وطبيعة المضمون وهوية الحاضرين كلها في حكم الغيب رغم تأكيد سلامة أنه سيعقد وسينجح، وهنا يصبح السؤال موضوعيا هو: هل وقع اللواء المتقاعد خليفة بلقاسم حفتر في الفخ المنصوب له بإحكام؟ أم أنه سيحكم ليبيا عبر سيناريو مماثل لما جد في مصر 2013 مع فوارق التاريخ والجغرافيا والأسس الاجتماعية وآلية الدعم الدولي والإقليمي؟

++ القراءة الأولى: خدع حفتر وانتبه مؤخرا

تؤكد هذه القراءة رغم ندرة بسطها في الإعلام العربي، أن غسان سلامة قد نجح في تقليص وتحجيم رُقعة المناورة السياسية لدى قائد قوات الكرامة خليفة بلقاسم حفتر وذلك بإحضاره أو بالأحرى استدراجه “مُرغما” إلي الترعة (على حد الاستعمال الشعبي)، والسؤال وفق نفس القراءة هو: هل سيجعلونه يشرب منها خلال الأيام القادمة؟ وهنا تحديدا وعمليا يبدأ الغموض …

ووفقا لنفس القراءة، وبعد ترتيبات لعقد لقاء بينه وبين السراج عديد المرات بعد عدم نجاعة لقاءاتهم السابقة في القاهرة وأبوظبي وباريس وباليرمو، تمت برمجة لقاءات في العاصمة الأردنية عمان وفي بروكسال وروما ولكن ووفقا لما أعلن إعلاميا ورسميا لم يتم أي لقاء، حتى تم ترتيب اللقاء الأخير في آخر أيام فيفري الماضي وكان يفترض أن يكون الاجتماع في دولة الكويت التي رفضت استضافة اجتماع “المناورة” وتم برمجة باريس والقاهرة وفي الأخير قبلت أبوظبي في آخر لحظة استضافة الاجتماع ولكن بروتوكوليا فقط، وهنا ووفقا لنفس القراءة ومنطقها يمكن القول أن موافقة خليفة حفتر علي اتفاق أبوظبي بالنسبة له كان اكبر خطأ استراتيجي وقع في شباكه حيث انسحبت أبوظبي من التدخل المباشر وأيضا نسج الروس على منوالهم (ولعل استقبال الروس للمشري مثال دال على ذلك)، وقبلهم جميعا تم الحديث عن تباينات بين حفتر والمصريين وخاصة أنهم تحفظوا على مغامراته وتدخلاته في الجنوب…

وذلك يعني ووفقا لنفس القراءة، أن حفتر قد وجد نفسه وحيدا في فخ محكم، وهو ما حدا بفايز السراج خلال كلمته في القمة العربية بأن “لا مكان للعسكر في ليبيا المدنية…”، كما أكد المبعوث الأممي في اجتماع الرباعية عشية السبت الماضي في العاصمة التونسية أن المجتمع الإقليمي والدولي وكل مؤسساته يتطلع إلى نجاح الملتقى الجامع ومنه إلي دولة مدنية…

إذا فكل البرنامج وفقا للقراءة الحالية يقوم على تحجيم دور خليفة حفتر بشكل كبير ذلك أن التأكيد على وقوف الجميع مع غسان سلامة وفايز السراج تصبح الرسالة وضاحة المعالم ومضمونها الواضح والجلي أن مشروع الكرامة شارف على الانتهاء، ويمكن الجزم أن حفتر قد انتبه متأخرا إلي الفخ فقام بزيارة روسيا والسعودية فوجد نفس الرسالة تنتظره….

إلي هنا بدأ يتضح برنامج غسان وسبب غموض تحركاته هو أعضاده في البعثة الأممية (طبعا على فرضية صحة القراءة)، وهدف سلامة في هذه الحالة هو القيام بعرس “الجامع” قبل الانتهاء من انتخابات البلديات في نهاية شهر ماي القادم لكي يضع خليفة حفتر وحاشيته الاستشارية والعائلية ومن تبقى من حلفائه الإقليميين تحت سياسة الأمر الواقع أي إما الرضوخ أو الخروج من المشهد بشكل كامل…

وبقراءة الوقائع والأحداث خلال الأيام الماضية من الواضح أن حفتر قد دخل في مزيد من التخبط سياسيا فابتكر على وجه السرعة مؤتمر شبابي بقيادة ابنه و باسم مضحك “علالي” وهو ما يعكس حسب بعض المتابعين والمدونين مدى ضحالة المخطط، وطبعا ستكون النتيجة عكسية، كأنما يريد حفتر أن يقول للقبائل “نعم أنا هنا سأحكمكم أنا وأولادي وليذهب كل من ناصر وصفق وقتل وجرح وتقطعت أوصاله وهز وسطه في مشروعي إلي الجحيم”.

أما إذا وافق ودخل بخنوع في صراع “الجامع” فسوف تقوم المنطقة الشرقية بالانقلاب علي مشروعه والانقضاض عليه ومن هنا ستكون تبعات سياسة الخروج من الفخ أفضل نتائجها  قاتلة وسيئة وضحلة بالنسبة إليه وهو الذي عرف عنه أنه لا يؤمن إلا بنفسه وبرأيه…

فما الحل بالنسبة لحفتر، وهل هناك هامش مناورة ولو محدود؟، ووفقا للمنطق وخاصة في ظل قراءة واقعية لشخصيته وتاريخه منذ منتصف الستينات ليس هناك أمل لديه آلا بفتح جبهة حرب جديدة قبل 14 أفريل (اليوم ألأول لأشغال الملتقى الليبي الجامع)، وخطوة مثل هذه سوف تُنهي عمليا مشروعه بالكامل، وهنا ستكون ردة الفعل الدولية قاسية وصادمة له ولأنصاره، وهنا لابد من التأكيد أن غسان سلامة والسراج قد أتاحا للمنطقة الغربية والوسطي الفرصة لرص الصفوف وتوحيد الكلمة وجاهزية القتال وهذا ما قد يريدون تحقيقه فعلا ومن أساسيات الخطة…

وفقا للقراءة التي نحن بصددها يُمكن تفسير السلوك السياسي لقيادات مصراتة والكتائب والفاعلين السياسيين في بني وليد وترهونة والزنتان وفي كل مدن الجنوب والمنطقة الغربية  ذلك أنهم ساهموا في توحيد الصف فالجميع واع بوضع ليبيا وتحمل الكثير ولكنهم وفقا لنفس القراءة وقفوا يدا واحدة مع دولة المؤسسات أي الدولة المدنية في ليبيا المستقبل بعد أكثر من أربع عقود من الاستبداد وثمان سنوات من المعارك والصراعات والتجاذبات التي أقعهم فيها وكلاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي ومن وراءهم أذرع إقليمية أرادت توظيف موانئ وثروات ليبيا وتسخيرها لقوى دولية تهمها فقط معاملات شركاتها الكبرى واستثماراتها في ليبيا خلال العقود القادمة وقبل ذلك المرور بيسر للعمق الإفريقي…

 ++ القراءة الثانية: حفتر هو “سيسي ليبيا” والسراج هو عدلي منصور2    

تقوم هذه القراءة على عدد من المعطيات من بينها:

  • أن تعيين السراج منذ 2015 لم يكن اعتباطيا (بعضهم قال في تدوينات سنة 2016 انه خطة “ب” للإماراتيين)، وأنه قد أوتي به لإيصال حفتر (كمشروع وليس بالضرورة كشخص)، للسلطة عبر مسار متكامل من المراحل والخطوات أو أنه في حد أدنى قد طُوع لذلك بعد 2017…
  • كل مبعوث أممي قد أتم مهمته لتبدأ مهمة المبعوث الذي يليه وأن هناك خارطة طريقة مُتكتم عليها بين الثلاثي “السراج” و”حفتر” و”سلامة” وما قد يُؤكد ذلك التوجه أن لقاءات قد حدثت وترتيبات قد بُرمجت في عواصم وتم التكتم عليها، وان أسئلة بقيت عالقة ولم يجب عليها المتابعون…
  • اتفاق ابوظبي2، بقي لُغزا رغم نشر روايات عدة حوله إضافة إلى تكتم سلامة على أجندات الملتقى الجامع ووجود تساؤلات حول الإعلان عن موعد الالتقاء ثم تأجيله على غرار قول سلامة يوم 11 آذار/مارس في تصريح لقناة “ليبيا الأحرار” أن موعد الملتقى الجامع هو قبل نهاية مارس الجاري ثم تم الحديث عن مواعيد عدة خلال الأشهر القادمة، وفي الأخير تم رسميا تحديد موعد 14-15 افريل/ابريل الحالي والإعلان عن التفاصيل والترتيبات لعقده وإنجاحه…
  • من الواضح أن ما يقوله سلامة متناقض من مدينة لأخرى حسب البعض من المدونين والناشطين الليبيين وخاصة في ظل حديث البعض عن فوارق منهجية بين حديثه وحديث مساعدته وعدم تجانس المضامين بين مختلف مدن الجهة الغربية…
  • ما يؤكد هذه القراءة الثانية هو غموض ولاءات بعض قيادات مليشيات طرابلس وعلاقتهم بدول عربية وتناقض موقفهم مع حفتر وسر هروب بعضهم للخارج وتناقض ولاءات المداخلة بين حفتر وعقيلة صالح والسراج…

  تقوم القراءة التي نحن بصددها على أن هناك اتفاق متكتم عليه قبل ابوظبي2 وأثناءه وبعده بما في ذلك جدول أعمال الملتقى الجامع والذي في هذه الحالة انه مجرد لقاء لليبيين لن يتجاوز 48 ساعة لتزكية خارطة طريق بسرعة رغبة من طرف دولي معروف والذي يسارع لمسابقة الزمن لغلق الملف الليبي قبل تطورات محتملة للأحداث في الجزائر، وعمليا في هذه الحالة فان السراج ليس سوى “عدلي منصور” بنسخة ليبية وأن مستقبله مرحلي حتى تتم كل الخطة وانه قد يجازى بمنصب رمزي بما في ذلك رئاسة البلد في حين سيكون حفتر الحاكم الفعلي والذي قد يمر لاحقا إلى سيناريو “سيسي ليبيا” ولكن وفقا للتطورات الإقليمية ووفقا لهندسة التطورات في تونس وفي عدد من البلدان الأخرى، كما علق أحد المدونين أن السراج قد يركب طائرة في مرحلة ما ويلتحق بعائلته في أحد العواصم الأوروبية ليكمل حفتر بقية مسار الأحداث، وذلك أمر وارد فعليا إذا ما صدقنا أبجدية هذه القراءة بمركباتها وفرضياتها، وقد يقول البعض أن هذا السيناريو هو قراءة تآمرية للأحداث وتأويل لها، ولكن هؤلاء ينسون أن حكومة الإنقاذ قد وقع طردها بطريقة ناعمة وان حفتر هو من رفض الصخيرات قم تم العمل على طرد أنصار من رفضوا الإنفاق في الغرب ليعود حفتر الرافض له في الشرق بل وأصبح يعامل كمفاوض وهو الذي رفض الصخيرات ورفض تزكية حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وأن نفس المفاوض هو عسكري متقاعد والأصل أن يُفاوض عقيلة صالح السراج وليس حفتر والذي أقر تقرير أممي بتجاوزاته وتجاوزات أبنائه ورجاله، وأن قوات حفتر وحلفائه قد ارتكبوا انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان في درنة (آخرها اعتقال أحد الشيوخ منذ يومين) وفي مرزق في الجنوب الليبي تم حرق بيوت من طرف حلفاء حفتر، كما لا يمكن إغفال أن السراج ترك حقيبة الدفاع شاغرة بدون مبرر وأنه تباطؤ في تقديم الخدمات والأمن للجنوب ولم يعين آمرا عسكريا في وقت مبكر ويقول البعض أن ذلك كان بغاية أن يُعطي مبررات قبول حفتر عبر عمليات التسليم وليمكنه من السيطرة على حقول النفط، ولا ننسى أن السراج لعب دور المعقلن لقوات الجهة الغربية في أكثر من مناسبة وان بعض مستشاريه هم اقرب لحفتر منهم لمصالح الجهة الغربية قواها السياسية والعسكرية ….

++ الخلاصة، أو قراءة وسطى بين القراءتين السابقتين

الثابت أن الأحداث قد تطورت بعد لقاء أبو ظبي 2 بل وتسارعت بشكل دراماتيكي محليا واقليما ودوليا:

  • نُقل عن مسؤول مقرّب من حفتر يوم 22 مارس/آذار الماضي اتهامه للسراج بالتراجع عن تفاهمات توصل إليها الطرفان في نهاية فيفري الماضي (تاريخ لقاء ابوظبي2) بل أن نفس المسؤول استبعد يومها انعقاد لقاء آخر وقريب بينهما…
  • لقاء الرباعية السبت الماضي في تونس ساند السراج ودعم الحل السياسي والملتقى الجامع وتحدث عن لقاء مصالحة بين مختلف الفرقاء في جويلية/يويليو القادم في أديس أبابا، وهو أمر يحمل على كل الوجوه في التعاطي الدولي مع الملف الليبي مستقبلا ويعني أيضا تراجع النفوذ الإقليمي وخاصة المصري والإماراتي…          
  • القوى الدولية تتفاعل مع التطورات والخيارات المتاحة ومع قوة كل طرف سياسيا وميدانيا …
  • ستبقى كل الخيارات مفتوحة بما في ذلك تأجيل جديد للملتقى الجامع وعقده، كما أن فشل الملتقى بعد انعقاده وارد جدا لتعود المعارك ميدانيا عشية الملتقى أو بعده وذلك مرتبط بما سيطرح وبالتطورات الإقليمية والدولية خلال الأيام والأسابيع القادمة…
  • السياسة حسابات وكل سياسي له وعليه، والكسب في ليبيا مرحلي والوقائع إقليميا ودوليا قد تضع كل طرف أمام الربح والخسارة، وربح كل طرف متوقف على قدرته على قراءة الواقعين الذاتي والموضوعي وفهم واستقراء تطورات الأوضاع وتوظيفها لصالحه، ومعنى كل ذلك أن نتائج الملتقى ستكون وفقا لتلك المقاييس الموضوعية …
  • التحركات الميدانية والتي تواترت أخبارها منذ يومين قد تُغير المعادلة ولكن البعثة الأممية ستعمل على تذليل الصعاب رغم التحديات والعوائق الاجتماعية والسياسية والليبيون ليس من أمامهم سوى خيارين إما التوافق والحوار أو الحسم الميداني والعسكري وهو أمر صعب نتاج توازن القوى محليا وإقليميا ودوليا ولأن الليبيين ملوا الحرب والمعارك والتجاذبات…

المصدر: صحيفة الرأي العام بتاريخ 04 مارس 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق