غير مصنف

كلمات ليبية إلى رئيس البعثة الأممية

بقلم: علي محمد البشير

السيد غسان سلامة باعتبارك ممثل الأمم المتحدة في بلادنا ولأنك تتحمل مسؤولية كثير مما جرى ويجري، ومن خلال حرصنا على مستقبل بلادنا وأبنائنا من بعدنا، ليتسع صدرك ولتسمعها منا صريحة فمن حقنا أن نقول كلمتنا ونعبر عن رأينا :
نحن وإن كنا لا ندري ما هو كائن غدا، لكننا مطمئنون لأن الأمور بيد الله تعالى أولا وآخراً، ونحن وإن كنا لا ندري حقيقة ما تنطوي عليه نفسك، لكننا نملك أن نقيمك من خلال مواقفك وتصريحاتك التي هي في نظرنا لم ترتق بعد إلى مستوى تصريحات مسؤول ومندوب يمثل هيئة دولية بمستوى الأمم المتحدة ونحن أيضا نعرف ونقدر اللغة الدبلوماسية قبل أن تتحول إلى أرجوحة لا تميز بين لون وآخر، أما حين تتجاوز ذلك فلا يمكننا الاقتناع أو القبول، وحتى تعرف عراقة تاريخنا من المهم هنا أن نستدعي التاريخ، تاريخنا مع الأمم المتحدة، فنذكرك بـ (أدريان بلت) وجهوده في المسألة الليبية، أيام معركة استقلال ليبيا، والتي يمكنك العودة إلى خلاصتها لتقارن مواقفك وتصريحاتك بها، الأمور تبدو للجميع في وضوح الشمس، خاصة تعنت الطرف الآخر، منذ دخولك على الخط وحتى تاريخ الساعة وما يجري في طرابلس الآن، لكنك تغلفها بالحجب، وتضعها في دائرة الغموض والطلاسم، وتريدنا أن نتفهم ذلك، لا أدري هل هذه هي قناعتك؟ أم دبلوماسيتك؟ أم ماذا؟ وهل الليبيون في نظرك هم أمة دون المستوى؟ عليك أن تراعي أن فيهم – على الأقل – نخبة تعي وتفكر وتتحدث بلغات العالم، وتدرك السطور وما بينها!
حفتر يوجه إليك الإهانة تلو الأخرى، ويجاهر بمواقفه، مستخفا بالانتخابات، والحوار، ومتجاوزا حتى مجلس النواب في طبرق وحكومته الكيان الموازي لحكومة الوفاق التي تحظى باعتراف الأمم المتحدة، التي تمثلها، ثم ها هو يتحرك مستعملا القوة الغاشمة أمام العالم كله ويأمر علنا مليشياته باقتحام العاصمة، عقب تجهيزات أخذت زمنها، ولعلك كنت تعلمها، إن لم تكن تنتظرها، لينسف حتى مبادرة ما عرف بـ (جامع غدامس) وإذا بنا نقرأ ونسمع تصريحاتك التي سبقت وصول الأمين العام للأمم المتحدة لطرابلس فتنصحنا نحن الليبيين الطيبين ولم توجه ذات النصيحة لـ حفتر وبرلمانه، ألا نعكر مزاجه، وتحذرنا من مواجهته بالخطابات العنترية؟ ولا ندري من أين تبدأ وتنتهي العنتريات في مصطلحك؟ ويقابل الأمين العام للأمم المتحدة في طرابلس بكل لياقة ودبلوماسية في طرابلس، لكن مشير الرجمة يقابله بطريقته وعنجهيته، ووجدنا الرجل صبورا حليما لم يزد عن التعبير عن بعض قلقه وانزعاجه، أنت مع حفتر وتريدنا أيضا أن نلجأ للحكمة القائلة : إذا لطمك أحد على خدك الأيمن فأدر له الأيسر! لا بل تريدنا أن نطورها ونزداد تسامحا فنقول معها لـ حفتر حتى لا نجرح شعوره المرهف : نخشى أن يكون ما وجهته لنا لطمة!
ثم تلوذ بالصمت، لتخرج من حين لآخر بتصريح غامض يتأرجح بين نعم ولا، والوضع في طرابلس متأزم لا يحتمل، قتل وتدمير ونزوح الخ والمسؤول عما يحدث طرف محدد بعينه، جاء من أقصى البلاد، ليقوض كل الجهود والمبادرات، ويفتح النار، وأنت المسؤول عن هذا الملف، وتتقاضى راتبك على أساسه، ولا عمل لك غيره، والعملية حسابية بسيطة جدا : 1 + 1 = … فلم الصمت أو الظهور الخجول؟ وكأن المشكلة تتعلق بكرة القدم أو حريق في غابة؟
هل أنت معنا؟ أم مع حفتر؟ أم مع من؟ أم لم تحسم أمرك بعد، أم هكذا أنت وهكذا أسلوبك وطريقتك في الحياة : الهدوء واللطف والتسامح والمسح بالريش على الشوك والخزف الناعم؟! مهما كان ويكون شأن الموقف والأزمة؟ أم هناك شيء لا تستطيع أن تخبرنا به وعنه الآن أو البوح به؟
ها هي طرابلس ليلة أمس تدك بالصواريخ حيث كثافة السكان المدنيين، والتقارير والصور أمامك بتفاصيلها الآن؛ فما الذي سنسمعه منك؟ وما هي جرائم الحرب؟ وما هو الإرهاب؟ ومن هم الإرهابيون في نظرك؟ هل هم ذوات وأسماء منتقاة؛ أم هي صفات وأفعال تُلحق الأسماء بقوائمها؟
الليبيون دفعوا ويدفعون ثمن ثورتهم، وتصب عليهم أطنان الغل والحقد والحسد، ويدبر لهم في الخفاء ما الله عليم به، من دول لا تريد لنا استقرارا ولا سلما ولا عيشا إلا تحت الحذاء وعصا الذل، ولا يحمل الليبيون في مقابل ذلك سوء نية تجاه أحد، وأنت تملك – لو شئت – أن ترفع الصوت، وتهدد وترعد، وتضع المتغولين أمثال حفتر في حجمهم، فاحذر عاقبة خذلانك لليبيين، وتهاونك بشأنهم، فقد تلحقك لعنتهم ودعوتهم، يوم تجد نفسك خارج أضواء نيويورك طريح الفراش وحيدا في أحد أركان العالم المجهولة، تعاني الشيخوخة والمرض والغربة وربما الندم بعد فوات الزمن، وتترآى لك صور وذكريات ليبيا، فتزيدك ألما فوق ذلك، حاول أن تتخيل وترسم صورة لهذا المشهد بين عينيك، وحاول أن تتحرك وتدفع نحو الأحسن، عساك تذكر بخير، وتجد شيئا من الرضا في مستقبل أيامك.
سيد غسان سلامة بودنا أن تخطو خطوة في ليبيا تبرز فيها شخصيتك وتغير نظرة الشعوب إلى الأمم المتحدة وتعيد الثقة بها ولو إلى حد ما، لأن تجربة شعوب فلسطين والصومال وأفغانستان والعراق والشام واليمن مع الأمم المتحدة ليست في حاجة للشرح والبيان.
الأيام ستمضي، والدنيا ستنتهي، والمواقف ستبقى، والتاريخ لا يرحم، والعدل الإلهي حقيقة لا يستطيع أن ينكرها أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق