رأي

قول بارد على مشهد ساخن: المشاريع الكبرى والمعارك الصغرى

المغاربي للدراسات والتحاليل

 بحري العرفاوي

لقد ظللتُ ومازلتُ أعتقد أن الإسلاميين قد أسسوا حركتهم على رؤية إحيائية للمجتمع وللأمة، رؤية فيها تصور للوجود وللحياة وللإنسان وللحكم وللقيم، وهو ما جعلهم دائما أقرب إلى الناس لكونهم يشتغلون على الفطرة ويتحركون في بيئة خصبة فكلما زرعوا حصدوا وحيثما تحركوا اتسعت لهم البيئة التونسية.

هذا التصور “الرسالي” يُفتَرض أن يجعل أصحابه “رسوليين” يشعرون بكونهم أصحاب رسالة تجاه الناس وليسوا أصحاب غاية لأنفسهم ولا مجرد أصحاب خطة للوصول إلى السلطة، الرسالية والرسولية تجعلان من صاحبيهما شخصية كفاحية إنسانية صبورة منفتحة متجاوزة عن الأخطاء ومترفعة عن صغائر الأمور .

لقد كان الأنبياء والرسل مدرسة في بناء العمران البشري وفي إشاعة القيم وترسيخ الأخلاق لا من خلال النصوص والبيان فقط وإنما وأساسا من خلال التمثّل السلوكي ومن خلال الإستقامة ومن خلال التعالي عن صغائر الأمور.

بعد تحربة أربعة عقود تقريبا أعتقد أن ما يمكن أن يستخلصه الاسلاميون في تونس هو أنهم أكثر الأطراف معنيون بالحفاظ على أجواء الحرية والاستقرار لأنهم هم الأكثر استفادة منها وفيها ببساطة لأنهم لديهم ما يقدمون وما يشتغلون عليه وبه ولأن البيئة التونسية هي البيئة المناسبة لمشروعهم الإحيائي فهم يغرفون من تاريخ وحضارة وتراث وعقيدة يُقيم عليها هذا الشعب وينشدّ إليها، إنها بيئة مشتركة غير أن أطرافا أخرى أساءت التعامل معها لسوء تقدير أو لقناعة هي بصدد مراجعات لا تتوقف.

دائما أصحاب المشاريع الإحيائية يكونون أرحب صدرا وأكثر صبرا وأعلى همة فلا يردون على الإساءة بمثلها ولا يجدون في ترفعهم ضَعفا ولا انهزاما ولا يستجيبون لدعوات التحريض تزيّن لهم “المواجهة” مع المختلفين والخصوم والخاطئين.
أصحاب المشاريع الاحيائية لا يجدون “انتصارا” على ضحايا الجهل والتجهيل والضلالة والتضليل،إنما يجدون انتصارا كلما حولوا خصيما إلى شريك أو صديق تماما كما كان يفعل الأنبياء والرسل والفلاسفة والمصلحون.

زمن الخصومات ليس أكثر من ساعات عابرة كحريق هشيم أما زمن البناء الحضاري فإنه مكابدة وكدح وحفرٌ في الأعماق عن المعنى ونحتٌ لملامح الجمال والكمال والشموخ والإعتدال.

تابعت ردود فعلِ أصدقاء وسياسيين ممن لهم عندي مكانةٌ ومكان وقد ساءني أن أرى “جنرالاتٍ” يبارزون في ساحاتِ الصّبية الأشقياء.

من حق أي مُعتدًى عليه أن يتجه للقضاء في هدوء وتلك من علامات التمدن والتحضر، دون تحويل الأمر إلى معركة إيديولوحية يصطف فيها كتابٌ ومثقفون وإعلاميون وسياسيون وبرلمانيون ونقابيون وطلابٌ وكأننا بصدد “حرب” لن تكون آثارها إلا مزيدا من الأحقاد ومن تبديد “زمن الثورة” و”زمن الحرية” في تقليب “النفايات” و”دَرْسِ الهشيم”. كثيرا ما تكون “المواقف” في سياقات سياسية حزبية انتخابية وليست في مدارات وطن ومسارات شعب.

في الزمن السياسي الذي نحن بصدده، الاسلاميون مدعوون إلى الذهاب إلى المستقبل مُعَبّئين بالأمل والصبر ومُجهّزين بالشجاعة وبالرؤية الاستشرافية الثاقبة والبلاد مفتوحة على أكثر من منطقة نزاع وفي كل النزاعات الإسلاميون هم المستهدفون.

على الاسلاميين ألا يستنفدوا طاقاتهم “القتالية” في مُعاركة الصغار فثمة معارك كبرى قادمة عليهم ادخار طاقاتهم لمواجهتها حين يكون عليهم أن “يُقاتلوا” أو “يُقتَلوا”.

هذا قول في المعنى بعيدا عن العواطف الطارئة وعن الحماسة غير المُجدية، ولم يسبقنا أحدٌ في منازلة اليسار اليميني وهو في حماية بن علي،سواء بالنقاش أو بالنصوص في صحيفة “الموقف” خاصة.

كلية الأداب منوبة ذهبت إليها في 2009 بطلب من الصديق العجمي لمناقشة المفكر المصري طارق حجي وكان في ندوة أشرف عليها كل من عبد المجيد الشرفي وأمال قرامي وكنتُ أعتبرته في مداخلتي يومها وبحضور نخبة مثقفة أنه وشركاؤه يشتغلون في “تقليب الموتى” وأنهم يصنعون لانفسهم خصما من ورق حتى يسهل إجهازهم عليه، أمال قرامي كانت لطيفة ومتوازنة يومها جدا.

ولكننا نرى اليوم أننا اليوم في زمن الحرية ونرى أننا مسؤولون عنها ومؤتمنون عليها وأنها نعمة من الله أكبر مما كنا ننتظر وأعظم مما نستحق فلا يكون من الحكمة صرف هذه النعمة في خصومات خارج اللحظة الشائقة وخارج التاريخ المفتوح على مسارات رهيبة.

مسانتدنا لكم أيها الأصدقاء أيها الأحبة هو في قول ما يجب قوله وفي عدم إطرائكم فتَخسرون وتُخسرون.
وإذ ندعوكم إلى الترفع والتعالي فلأننا نراكم أرفع وأعلى ولأن مكانتكم لا تنال منها خدوشُ الطريق ولا عُيوب الطرائق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق