تحاليلليبيا

ليبيا: تقييم للمشهد بعد 40 يوما من محاولة حفتر السيطرة على طرابلس

علي اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

بتاريخ اليوم 14-05-2019 يكون قد مر أربعين يوما بالتمام والكمال على محاولة اللواء المتقاعد خليفة حفتر السيطرة على العاصمة طرابلس، ورغم أن حلفاء حفتر المحليين والإقليميين والدوليين كانوا ينتظرون منه الحسم في ظرف 48 ساعة وفي حد أقصى أسبوع أو أسبوعين وفقا لخطط بديلة متفق عليها ومرتب لها، فان طبيعة حصانة المنطقة الغربية وتوحدها الفعلي والمنهجي، إضافة إلى رفض كل الليبيين في المنطقتين الغربية والجنوبية لعسكرة الدولة ورفضهم لإعادة إنتاج القذافي2 أو نسج خيار “سيسي ليبيا”، وبناء على توازن القوى محليا وإقليميا ودوليا، كيف يُمكن اليوم تقييم المشهد الليبي في أبعاده العسكرية والسياسية والأمنية، وما هي السيناريوهات المستقبلية لتطورات الأحداث في بلد عمر المختار؟

       ** المستوى العسكري

أ- هناك مشكلة تواجه قوات حفتر، وهي تكمن في ضعف المستوى الفني والتدريبي لمعظم عناصر مليشياته، نظراً لانضمامها في وقت متأخر نسبياً، وهذا الأمر يؤدي بمرور الوقت مع صمود الجبهة الداخلية في طرابلس، إلى تسلل اليأس والإحباط والرغبة في التسلل من المعركة والانسحاب من العمل العسكري، وهو ما يحاول حفتر تلافيه حالياً ليحافظ على قوام مليشياته من ناحية العدد والنوعية…

ب- قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق وان بدت متماسكة فان طبيعة مكوناتها وعوائق تمويلها وكيفية نقل الإمدادات إليها فان غلبة عقلية “الغلبة” و”الغنيمة” عليها مع طول المدة وتقلب التطورات، يجعلها أمام تحديات اجتماعية وسياسية وتمويلية في ظل قصور العقل السياسي للفاعلين والوزراء، مما قد يربكها ذلك على المستوى العسكري والميداني…

ت- قوات الوفاق حاليا في حالة انتصار مرحلي وقادرة على الصمود والتمسك بمطالب رجوع القوات المعتدية إلى مناطقها ولن يهدا لها بال إلا وهي على أبواب أجدابيا وفقا لتصريحات قياداتها وهذا واضح من خلال كل بلاغاتها اليومية وتأكيدها المستمر أنها من ستختار وقت ومكان انتهاء عملياتها ضد قوات حفتر ….

** المستوى السياسي

أ- من الواضح أن حفتر قد فشل مرحليا في تحقيق مبتغاه الرئيسي، وانه فوجئ بالصد الميداني والسياسي وانه وقع في فخ نصب له كما أن خطة اختراق مكونات المنطقة الغربية ومن داخل العاصمة لم تنجح بل أنه قدم عمليا خدمات مجانية لحكومة الوفاق من حيث توحد مكونات لم تكن يوما ما موحدة لا سياسيا ولا فكريا ولا اجتماعيا…

ب- كانت رسالة “السيسي” الأخيرة رغم تباينه الجزئي والنسبي مع الرؤية الإماراتية، في دعم حفتر أكثر وضوحاً من سابقاتها بالنظر للتوقيت، خاصة وأنه قبل أيام معدودة كان يتحدث عن وجوب إعطاء فرصة للحل السياسي، وهو ما يعكس بحسب دعم مصر ومن خلفها حليفيها العربيين بشكل غير محدود لإنتاج واقع سياسي جديد، وسعيها لإنهاء عهد حكومة الوفاق وفي هذا الإطار يبرز التطابق بين موقف الدول الثلاث مع موقف باريس غير المعلن للقضاء على فرص وصول الإسلاميين إلى الحكم، ورغم تراجع الفرنسيين القوي مقارنة بمواقفهم بداية العملية فانه يُمكن التأكيد أن كُلاً من السعودية والإمارات تراهنان على الجنرال حفتر في إحباط أية فرصة للانتقال الديمقراطي في ليبيا، حتى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تعهد في لقائه الأخير بحفتر بتقديم ملايين الدولارات له من أجل إنجاز إعادة احتلال طرابلس..

ت- إن نجاح حفتر في مسعاه بالسيطرة على طرابلس سيمثل أخباراً سيئة لقوى التغيير في الجزائر والسودان، على اعتبار أنه يجسد نجاح التحرك الذي قاده كل من “بن سلمان” و “محمد بن زايد” و”السيسي”، وفي المقابل نجح السراج في حشد تأييد أوروبي وان بشكل نسبي وقد بدا مركزاً خلال جولته على انتزاع موقف فرنسي أو التأثير عليه، في محاولة للالتفاف على حفتر المقرب من قادة الإليزيه، ويتضح أن موقف رئيس حكومة “الوفاق” بات أقوى اليوم رغم أن العواصم التي زارها كانت تنتظر منه مبادرة وتصوراً أكثر وضوحاً للحل، وان بدا أن الفرنسيين والروس يروا أنّ أفضل ما يمكن تقديمه اليوم هو وقف إطلاق النار بتثبيت قوات الطرفين في مواقعها، وإنشاء منطقة عازلة بينهما، تخضع لمراقبة دولية…

ث- قبل استئناف المفاوضات السياسية المنتظر، فان سيناريوهات الواردة مستقبلا هي:

  • السيناريو الأول: قدرة حكومة الفاق في إرغام قوات حفتر عسكريا على الرجوع للشرق الليبي، وهو أمر صعب ولكنه وارد وهنا سيجد حفتر نفسه أمام خيارين إما البحث بدعم مصري عن حل الفيدرالية الذي قبره بنفسه، أو مغادرة الساحة باشكال قد لا يكون هو المحدد فيها…
  • السيناريو الثاني: نجاح الضغط الدولي على السراج وقواته وحكومته للقبول بوقف إطلاق النار خلال الأسبوعين القادمين والدخول في مفاوضات سياسية ليست بالضرورة مع حفتر بل مع بدائل له محتملين…
  • السيناريو الثالث: قدرة حفتر خلال الأسبوعين القادمين على إحداث اختراق حصانة طرابلس والمنطقة الغربية وإحداث ارتباكات وكل ذلك مصحوب بقصف جوي قوي بدعم إقليمي ودولي، وهو سيناريو صعب الحدوث ولكنه ليس مستحيلا…
  • السيناريو الرابع: الدخول في مستنقع الاستنزاف طويل المدى بين الطرفين وعندئذ ستحدد التطورات الدولية والإقليمية المنتصر وكيفية مسارات الأحداث في الأشهر أو حتى السنوات القادمة مما قد يعني الخيار السوري في ليبيا…

** المستوى الأمني

أ- المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وجه اتهامات واضحة لحفتر وحلفائه الإقليميين والدوليين بالمسؤولية عن عودة نشاط تنظيم “داعش” الإرهابي وظهوره من جديد، بعدما نجاح المجلس عبر قواته وأجهزته في القضاء عليه وملاحقة فلوله وخلاياه النائمة، وأكد المجلس أنه “حذر فور الاعتداء المسلح على العاصمة طرابلس من أن المستفيد الأول من هذا العدوان هو التنظيمات الإرهابية”..

ب- من الواضح أن “حفتر وقواته تركوا الجنوب في فوضى، بعد أن كان يزعم أن حربه هناك كان الهدف منها القضاء على الإرهاب، مثلما يزعم الآن في عدوانه على طرابلس”…

ت- تنظيم داعش بات يتغذى اليوم على الانقسامات الخطيرة التي تشهدها ليبيا خصوصاً إثر إطلاق حفتر عمليته العسكرية بهدف السيطرة على طرابلس، ذلك أن خلايا داعش لا تتعدى قوتها 100 سيارة مسلحة، و200 مقاتل، واستمرار وجودها في الأراضي التي يسيطر عليها حفتر في الجنوب أمر يُثير التساؤل، كما أن ممراتها وتمركزاتها المتنقلة معروفة لقوات حفتر، لكنها ترددت وتردد في القضاء عليها….

ث- خلايا داعش تتحرك ميدانيا في مساحات صحراوية بمناطق “بونجيم” وقريباً من “بني وليد”، وفي جبال “الهروج”، وكلها تقع تحت سيطرة حفتر وفي متناول قواته…

ج- لدى داعش وبقية التنظيمات الإرهابية خلايا نائمة قريبة جغرافيا من العاصمة طرابلس، وقد تُنفذ هجمات خلال الأيام والأسابيع القادمة، ولا شك أن الغرض هو الانتقام من حكومة الوفاق التي قضت على التنظيم في سرت، وتبرير وخدمة غير مباشرة لهجوم حفتر على العاصمة…

ح- تبقى إمكانية أن يتمكن التنظيم من تنفيذ عمليات خاطفة في بعض القرى والأرياف المتاخمة لطرابلس مثلاً، جد واردة وخاصة لاستهداف تمركزات حكومة الوفاق وخطوط إمدادها، وهي خدمة مجانية لقوات حفتر …

خ- يُمكن الجزم أن استراتيجيات التنظيم الحالية في ليبيا “لن تتعدى شن الهجمات الخاطفة للأضرار بالمصالح النفطية ومواقع عسكرية لحفتر لإبعاد شبهة العلاقات ما بينهما حيث أن علاقة داعش ليست مباشرة مع حفتر ولا مع غيره لأنه متحكم فيها استخباراتيا وخاصة عبر مجموعات المعارضة السودانية التي توفر للتنظيم مقاتلين أفارقة عبر شبكات الاتجار بالبشر والسلاح كذلك…

 

المصدر : موقع 24/24 بتاريخ 14 ماي 2019

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق