الجزائرتحاليل

الجزائر:في انتظار قرار المؤسسة العسكرية موعد 04 جويلية في حكم التأجيل وسط تتالي المُقترحات والبدائل لحل الأزمة

الاعلامي والمحلل السياسي علي عبد اللطيف الافي

1- مقدمة تمهيدية
مع إصرار الحراك الشعبي الجزائري خلال تحركات الجمعة الرابعة عشر أول أمس الجمعة 24 ماي/آيار الحالي، أصبح من الواضح لوجستيا وعمليا وإجرائيا وقانونيا إجراء الانتخابات الرئاسية في 04 جويلية/يوليو القادم أمرا غير ممكن بل ومستحيل، كما تتالت المقترحات من طرف شخصيات وأحزاب إضافة إلى مبادرات ومقترحات حلول قانونية ودستورية وواقعية لتجاوز الأزمة السياسية المترتبة على رفض الشعب الجزائري للعهدة الخامسة ومطالبة الجماهير برحيل بقية الباءات أي “بن صالح عبد القادر” (الرئيس المؤقت) و”بوشارب معاذ” (رئيس المجلس النيابي) و”بدوي نورالدين” (رئيس الحكومة الحالي) وذلك بعد تحقيق الحراك للكثير من مطالبه الأخرى على غرار إسقاط العهدة الخامسة لبوتفيلقة واستقالته في 02 افريل/نيسان الماضي واستقالة رئيس المجلس الدستوري “بلعيز” وإيقاف رؤوس العصابة ( السعيد بوتفليقة – توفيق- طرطاق)، والتحقيق المتواصل مع عدد من رجال الأعمال الموسمين بالحيتان وبعض المسؤولين والوزراء والسياسيين (أويحي- الغول – لويزة حنون…)
ولكن كيف أصبح تأجيل موعد الرئاسيات حتميا، وما هي مختلف المقترحات والحلول التي من المنتظر أن تدفع قيادة أركان الجيش لتبينها لتبقى كمؤسسة متماهية مع طموحات الحراك وحتى تقطع عمليا مع المتربصين بالجزائر وموقعها الإقليمي في ظل أوضاع متطورة مغاربيا وعربيا ومتوسطيا وإفريقيا ودوليا؟

2- حيثيات ومعطيات رئيسية وأساسية

• عمليا أصبح هناك موعد انتخابي بدون مرشحين فعليين واعتباريين وخاصة بعد انسحاب السياسيين “بلعيد” و”ساحلي”، رغم وجود 77 ترشحا وفقا لبلاغ الداخلية الجزائرية…
• من الواضح أن الحراك الشعبي الجزائري يصر على مطالبه الرئيسية المتبقية، وقد توضح ذلك خلال فعاليات وتحركات الجمعة الرابعة عشر ( 24-05-2019)…
• ببلوغ منتصف ليلة 25-05-2019 تنتهي آجال تقديم الترشحات لموعد 04 جويلية/يوليو القادم…
• “أحمد طالب الإبراهيمي” ( وليس “الأخضر الإبراهيمي”) أصبح مطلب كل النخب بدون استثناء وهو مرشح لقيادة المرحلة الانتقالية صحب مجلس انتقالي من المنتظر أن يضم إضافة إلى رفيقيه في المبادرة، كل من الرئيس الأسبق “اليمين زروال” وشخصية نقابية وأخرى اقتصادية ….
• تُعتبر مبادرة الثالوث “الإبراهيمي”- “عبدالنور” – “بن يلس”، حل بل فرصة وقارب نجاة للمؤسسة العسكرية والحراك ولكل الجزائر …
• رغم تدخلات القوى الدولية وأجندات القوى الإقليمية ومحاولة الضغط التي تمارسها بأشكال غير مباشرة فان هناك إجماع جزائري على تجنب الفراغ الدستوري وخوض الحوار والتواصل من أجل مرحلة انتقالية تقود إلى مرحلة انتقال ديمقراطي ….

3- تأجيل موعد 04 جويلية أصبح أمرا حتميا

انتهت الآجال القانونية لإيداع ملف الترشح للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 4 جويلية 2019 ، منتصف ليلة السبت 25ماي/آيار، و ذلك طبقا للمادة 140 من القانون العضوي المتضمن القانون الانتخابي، وفي ظل عدم ترشح شخصيات معروفة في الساحة الوطنية لهذا الموعد، وامتناع الأحزاب السياسية، عن تقديم مرشحين وانسحاب كل من بلقاسم ساحلي (لأمين العام لحزب “التحالف الوطني الجمهوري”) وعبد العزيز بلعيد (رئيس حزب “جبهة المستقبل”)، فان الأمور تتجه إلى احتمال إعلان مرتقب لتأجيل الاستحقاق الرئاسي إلى تاريخ لاحق، بالنظر إلى ما سبق ذكره مضاف إليه الرفض الشعبي الواسع لهذه الانتخابات، مع عدم وجود أي مؤشرات جادة في الساحة السياسية، توحي على أن البلاد مقبلة على تنظيم انتخابات رئاسية، وقد عبر الجزائريون في المسيرات المتواصلة، عبر مختلف الولايات والمدن والجامعات عن رفضهم لرئاسيات 4 جويلية، حيث طالبوا مجددا برحيل رموز النظام، كما عبرت تشكيلات سياسية، عن رفضها لهذه الرئاسيات ودعت إلى ضرورة تأجيلها نظرا لعدم توفر الظروف الملائمة لإجرائها في التاريخ المعلن عنه، سيما في ظل عدم وجود هيئة مستقلة لتنظيم والإشراف على الانتخابات…
وحسب أخر تطورات الساحة الجزائرية من المرجح، أن يتم اللجوء إلى خيار إلغاء الرئاسيات وتأجيلها لفترة معينة، من أجل تهيئة الأجواء الضرورية لتنظيمها، حيث يرى متتبعون، أن إجراء الرئاسيات في موعدها، لا يساهم في الخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد، بل سيزيد من تعقيد الوضع أكثر، باعتبار، أنها مرفوضة من مختلف الشرائح في المجتمع…
والجدير بالذكر أن “وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية” الجزائرية قد أعلنت في وقت سابق، عن إيداع 77 رسالة نية ترشح للرئاسيات كما أن رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح كان قد وقع بتاريخ 9 أفريل 2019، المرسوم الرئاسي المتضمن استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات الرئاسية والذي نشر غداة ذلك في الجريدة الرسمية، كما دعا بن صالح ، في خطاب سابق إلى «الحوار الذكي والبناء ذي النية الصادقة»، من أجل توفير «الشروط الملائمة لتنظيم انتخابات رئاسية في الآجال المحددة»، وكان رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، قد أكد على ضرورة إجراء الرئاسيات لوضع حد لمن يحاول إطالة أمد هذه الأزمة، وتفادي الوقوع في فخ الفراغ الدستوري، مبرزا في هذا الإطار ، أن إجراء الانتخابات الرئاسية يتطلب الإسراع في تشكيل الهيئة المستقلة لتنظيم والإشراف على الانتخابات، ولم يتطرق رئيس الأركان إلى تاريخ 04 جويلية في أي من خطبه، الأمر الذي أعطى الانطباع بأن المؤسسة العسكرية غير متمسكة بهذا التاريخ….

4- مختلف مقترحات وبدائل النخب السياسية الجزائرية

عمليا دفعت الأوضاع السياسية الاستثنائية في الجزائر إلى إطلاق شخصيات سياسية مستقلة وتيارات حزبية تصورات ومبادرات لرسم معالم الخارطة السياسية القادمة، تُلبي حاجيات الحراك الشعبي وتساهم في إخراج البلاد من أزمتها، في ظل غياب أي بوادر قريبة للانفراج، مع التوجه نحو إلغاء الانتخابات في موعدها المحدد في 4 جويلية، واشتداد القبضة بين الحراك الشعبي والسلطة، وذلك من أجل الوصول إلى مرحلة انتقالية تحقق الانتقال من نظام بوتفليقة، إلى نظام تطمح إليه الملايين في الحراك الشعبي، ورغم أن الخطة البديلة لم تتضح معالمها إلى حد الساعة، إلا أن الأمر الأكيد هو أن إجراء الانتخابات أًصبح أمراً صعباً من الناحيتين السياسية والتقنية، ما يعني أن ذريعة الالتزام الصارم بالإجراءات الدستورية قد تم إسقاطها، وأنّ لا بديل عن الحوار الجدي والمباشر مع ممثلي الحراك، وهذا المعطى يدفع حتما إلى تبني حل سياسي، يسمح بفترة انتقالية قصيرة يتبعها تنظيم انتخابات رئاسية، غير أن تفاصيل هذه العملية تبدو غامضة ومستعصية، وهو ما أفرز اجتهادات ومقترحات من قبل أحزاب سياسية وشخصيات وطنية مستقلة وأكاديمية، وطرحت أسماء وشخصيات لتولي تسيير هذه المرحلة، أبرزها “أحمد طالب الإبراهيمي” و”أحمد بن بيتور”، ما يوحي بوجود نية في هذا الاتجاه…

أ‌- تمهيد لبلورة تصورات نهاية الأزمة
• برز صوت النخب مع رسالة الثلاثي، “الإبراهيمي”، “عبد النور” (علي يحي) و”بن يلس”، والتي قدمت رؤية لحل الأزمة مخاطبة المؤسسة العسكرية، وذلك عبر بيان مشترك يمثل نموذجا سياسيا تجاوز التصنيفات الإيديولوجية والعرقية والجهوية، وشدّد على ضرورة إصغاء المؤسسة العسكرية لصوت النخبة، وفتح حوار صريح مع ممثلي الحرك الشعبي والأحزاب السياسية والقوى المدنية المساندة له من أجل إيجاد حل سياسي توافقي لا يكون ملتزما بالدستور، الذي كان مبرمجا لحالات عادية وليست استثنائية، وقد جاءت مفرداتهم صريحة وواضحة، تدعو المؤسسة العسكرية إلى فتح مشاورات سياسية مع فعاليات الحراك الشعبي ومع القوى السياسية الداعمة له، وبرروا ذلك بحالة الأمر الواقع التي جعلت المؤسسة المحرك الفعلي للقرار السياسي، والمصدر الأول للقرار في المرحلة الحالية..
• تلك الرسالة/البيان مهّدت عمليا لخرجة ثانية أحادية الطرف من قبل الإبراهيمي، الذي عاد للواجهة متعففا عن أي منصب ودون أي طموح سياسي، وذلك عبر بيان حمل مبادرة ورؤية وزير الخارجية السابق، لتكون كقناة لتجاوز الأزمة وتحقيق طموحات الملايين في المرحلة الانتقالية.ولم يكن للرجل الذي توارى عن الأنظار منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، أن يعود إلى الواجهة لولا الإلحاح المسجل في بعض الدوائر السياسية والشعبية، من أجل طرحه كشخصية مستقلة تتوفر على شروط إدارة مرحلة انتقالية في البلاد، لاسيما وأنه يبدي زهدا في السلطة مع اقترابه من سن التسعين…

ب‌- مطلب “الفترة انتقالية” قاسم مشترك بين القوى السياسية
• فيما حظيت خارطة طريق الإبراهيمي، بترحيب العشرات من القوى السياسية والنقابية والفاعلين في الحراك الشعبي، لما طرحته من أفكار وتصورات عملية تختصر الوقت والجهد، وتكفل للشارع الجزائري تحقيق حلم التغيير السياسي، إلا أن موقف الجيش يبقى الحاسم في تقدم مسعى الرجل من جموده في مكانه، في ظل الغموض الذي يكتنف الوضع في البلاد، وتبقى فكرة الحوار قاسما مشتركا بين الأطراف الفاعلة في الأزمة السياسية،
• هناك إجماع من المبادرات السياسية المتداولة في المشهد على ضرورة الذهاب إلى مرحلة انتقالية قصيرة تتوج بانتخابات رئاسية، وإلى إعلان دستوري يجمد العمل بالدستور الحالي الموروث عن النظام السابق، ويحدد مهام وصلاحيات الهيئات الانتقالية التي تضطلع بإدارة المرحلة وتنظيم الاستحقاقات المنتظرة…
• قدم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ( (RCDتصورا مبني على انتخاب هيئة رئاسية عليا مؤلفة من ثلاث شخصيات مُعيَّنة من بين النقابات المستقلة وهيئات القضاء والتعليم العالي..
• قدمت حركة مجتمع السلم (حمس) بقيادة عبدالرزاق مقري مقترح ضرورة التوجه نحو مرحلة انتقالية تقودها شخصية وطنية محل اتفاق من الحراك، والتي تقود البلاد لمدة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر، يتم خلالها التحضير للانتخابات الرئاسية، مع ضمان مرافقة الجيش الوطني الشعبي للمرحلة الانتقالية وفرض سلطة الشعب للوصول إلى انتخابات نزيهة وتنافسية بين المشاركين فيها، على أن يفتح باب الحوار…
• تقترح جبهة القوى الاشتراكية عقد اتفاقية وطنية للتشاور والحوار تجمع قوى التغيير الديمقراطي في وقت معقول، وسيكون هذا الاجتماع بمثابة قاعدة ومنطلق لإبرام اتفاق سياسي حقيقي بالتراضي، يحدد معالم عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد…
• رئيس ”طلائع الحريات”، علي بن فليس، دعا إلى توفير كل الشروط لبدء حوار سياسي للخروج من المأزق الحالي، مضيفا أنه يجب إجراء هذا الحوار مع “أشخاص غير فاسدين وذوي مصداقية” في “إطار دقيق ومعروف”، له “أهداف محددة بوضوح…”
• يرى أحمد بن بيتور، رئيس الحكومة السابق، أن الذهاب إلى فترة انتقالية، من 8 إلى 12 شهرًا، يعد مخرجا من أجل إعداد الشروط اللازمة لانتخابات رئاسية شفافة وذات مصداقية، خلال هذه الفترة، سيتم وضع خريطة طريق للرئيس المنتخب…

ت‌- الحوار أو التحدي المشترك للحراك والمؤسسة العسكرية

عمليا يبدو أن المخرج الوحيد لهذا الانسداد القائم في الجزائر منذ أسابيع يكون أولا وأخيرا عبر الشروع في حوار مباشر بين المؤسسة العسكرية والحراك، وهو ما مهد له قائد الأركان الجزائري الفريق ڤايد صالح في كلمته الأخيرة من ورڤلة، إلا أن ذلك التوجه يحتاج بداية إلى:
• اختيار ممثلين أو ناطقين باسمه، يضطلعون بمهام مفاوضة المؤسسة العسكرية. …
• إنشاء لجنة مستقلة للإشراف عن الانتخابات القادمة بعيدا عن وصاية الحكومة الحالية المرفوضة شعبيا، تمهيدا لاختيار الرئيس القادم بطريقة شرعية….
ولكن كل ذلك يستوجب عمليا تحييد الباءات المطلوبة والرموز القديمة وتعديل بعض القوانين المنظمة للعملية، بما يسمح بإجراء انتخابات شفافة تضمن حياد الإدارة فيها…

5- خطوات منتظرة ومهام ثورة 01 نوفمبر 54 قد تكتمل

أ‌- بتقلص حظوظ إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها في 04 جويلية/يوليو القادم وتواصل الحراك بزخمه وتعدد مطالبه والإصرار على رحيل الباءات الثلاث المتبقين من رجال النظام السابق، مضاف إليه حذر المؤسسة العسكرية وإصرارها على عدم السقوط في مستنقع التسعينات، ستتدرج الأمور عمليا خلال الأيام القادمة نحو إطلاق قنوات اتصال بين المعنيين به وسيتم فعليا فتح المشاورات من أجل قطع الطريق على تفعيل أجندات تتربص بالجزائر وأمنها واستقرارها وإبعادها عن أدوارها الإقليمية وخاصة في منطقة المعرب العربي وفي القارة الإفريقية وثقلها في ثنايا الملف الفلسطيني…
ب‌- من المنتظر خلال الساعات والأيام القادمة أن تتوالى الخطوات والإجراءات والقرارات في اتجاه الحراك الشعبي قبل الجمعة الخامسة عشر وأيضا تجاه النخب السياسية الجزائرية ومختلف قوى المجتمع المدني وبدء المشاورات والحوارات والاستشارات لبناء خارطة طريق وأسس مرحلة انتقالية تمكن الجزائر والجزائريين من بناء مسار ديمقراطي يبني لتحقيق الأهداف المتبقية لثورة 01 نوفمبر 1954 ولتجاوز ارث حقبات الاستبداد، ويمكن فعليا للجزائريين من “اجتثاث الفاسدين والمفسدين” على حد عبارة رئيس الأركان الحالي، وسيؤدي ذلك في نهاية الأمر أن يرسم الجزائريون لبدء عودة العرب والمسلمون والأفارقة للتاريخ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق