الجزائرتحاليل

الجزائر: إرث الصراعات الاثنية/الجهوية وسيناريوهات توظيفها مُستقبلا (2 من 4)

علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

استعرضنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة البحثية والرصدية[1]، سبر أغوار وتفاصيل العامل الاثني وإسقاطاته التاريخية والحالية وتمركز الأطراف الإقليمية والدولية في الثنايا والتفاصيل وإمكانيات توظيفه أما في هذه الحلقة الثانية فنتناول العامل الجهوي…

 الحلقة الثانية :الصراع الجهوي شرق/غرب  

++ مقدمة    

مثلما أكدنا في الحلقة الأولى فان مضمون الدراسة مبني على التفاعل مع تطورات الأحداث لتلمس بوادر وآفاق توظيف هذا العامل واقتراح بعض الحلول وحتى الإسهام الفكري والإعلامي في إفشال مخططات تستهدف الجزائر بل وكل الأمة العربية والإسلامية وبعيدا عن منطق توظيف الأحداث من طرف بعض الصحف والمواقع العربية والأجنبية[2]، إضافة إلى محاولتنا تلمس أولية عن مدى ما ساهم به هذا العامل في إضعاف “جبهة التحرير” والمكونات المدنية والسياسية في تاريخ الجزائر المعاصر، وكيف ساهم في تقهقرها كتيار وطني في الساحة السياسية الجزائرية ولنحدد أيضا مواقع النزاع و نتائجه التاريخية من خلال التركيز على نماذج مراكز القرار الأربع الرئيسية أي رئيس الدولة، رئيس الحكومة، وزير الدفاع و”أمين عام ومسؤول جبهة التحرير”، دون السقوط في البعد الإنشائي/الأكاديمي في تناول الموضوع مع إعطاء المعطيات التاريخية والمفاهيم والمصطلحات الحد الأدنى من الاهتمام…

 ++ الخلفيات التاريخية والسياسية للصراع الجهوي شرق/غرب

يُمكن التأكيد أن النزاع الجهوي قد مثل “خطرا دائما على جبهة التحرير الوطني وعلى الجزائر في مختلف المجالات فقد ساهم في غرس معيار جغرافي تُفرز من خلاله القوي وتتشكل عن طريقه تحالفات تُثمن الانتماء الجهوي على حساب البرنامج الفكري السياسي وبناء ارث ثقافي موحد يتجاوز تلك العوامل المحبطة…”[3]، حتى أن أهم الجامعيين والسياسيين الجزائريين نقل في تغريدة له منذ شهرين تقريبا أن مسؤولا غربيا (دون أن يسميه)  قال له “أن الجزائر الحالية كبيرة عليكم”[4]، وهو ما يعني وجود مخططات مستبطنة لاستهداف الجزائر على والعمل على توظيف عوامل عدة من بينها أساسا وخاصة على المدى البعيد إن لم يكن على المدى المتوسط….

ولقد نبه محمد البجاوي (أحد أهم القادة التاريخيين) في وقت مبكر لذلك وخاصة في كتابه “الحقائق عن الثورة الجزائرية”[5]، عبر القول “لقد لاحظنا بروزا قويا للاتجاهات الجهوية إلى حد أنها أصبحت تمثل خطرا جديا لتفتيت الجبهة، وذلك لأن النزاعات صارت تقوم على أساس الأجنحة والأتباع البيروقراطيين عوض قيامها على أساس اختيارات سياسية فعلية، ويعتقد “محمد حربي” أن السبب الأساسي في هذا الصراع الجهوي يعود إلى “التركيب الإقليمي لجبهة التحرير الوطني في بداية الثورة والذي لم يكن متوازنا، لكنه يعكس تاريخ الحركة الوطنية بصورة أمينة، حيث نلاحظ رجحانا واضحا جدا لكوادر الشرق الجزائري والقبايل في الهيئات المركزية، و هذه أحدى نتائج مؤتمر “الصمام” وفي جيش الخارج، يميل مركز الثقال نحو الشرق الذي يقدم غالبية عناصر القوات و الضباط و يضيف “كان الأمن السياسي تحت سيطرة المهاجرين الجزائريين في مراكش، أما مسؤولو فدرالية فرنسا الكبار فيأتون من القبايل ومن شرق البلاد وولاية الجزائر، ليس هناك تواجد واحد من غربي البلاد، لقد أدى هذا الخلل في التوازن الجهوي إلى هيمن دائمة للشرق، واستبعاد واضح للإطارات السياسية القادمة من الغرب وهو ما نلاحظه بيسر من خلال الجداول الأربعة (أنظر أسفله الجداول)…

مؤتمر “الصمام”

++ الشرق الجزائري وملامح هيمنة حضوره مقارنة بالوسط والغرب

يتفق الجميع أن قوى الثورة والدولة الجزائرية ترفضان التعيينات بناء على العامل الجهوي إلا أنه بلغة الأرقام يلاحظ هينة الشرق مقارنة بحضور الوسط والغرب الليبيين وهو أمر يعود لأسباب تاريخية واجتماعية عديدة ومختلفة، ويُمكن عمليا تفسير هذه الهيمنة بالعامل التاريخي مثلا ذلك أنه من بين 33 قائدا لجبهة التحرير الوطني ليلة 1 نوفمبر 1954 لم يشارك من الغرب إلا اثنان في حين شارك فيها 16 من ولاية “قسنطينة” (الشرق) و6 من ولاية الجزائر(الوسط) و9 من القبايل، ويكمن سبب المشاركة الضعيفة للغرب في تفجير الثورة في هيمنة المصاليين (نسبة للقيادي يومها “مصالي الحاج”) على الجبهة، فـهو من مواليد تلمسان أي أهم مدينة في الغرب بعد وهران، وكان له كثير من الأنصار في جهته رفضوا منذ البداية الالتحاق بجبهة التحرير الوطني، والتزموا بدعم الحركة الوطنية الجزائرية في مواجهتها للجبهة، وهو ما انعكس لاحقا على التوازن الجهوي، فلم تشارك هذه المنطقة جديا في الثورة المسلحة إلا في خريف 1955 بقيادة “بن مهيدي”، “بوصوف” و”بومدين”…

مصالي الحاج

العربي بن مهيدي 

عبد الحفيظ بوصوف

هواري بومدين

ويمكن بسط الملاحظات والاستنتاجات التالية:

** تولي قادة من شرق الجزائر على ثلثي المواقع القيادية (رئيس الدولة – وزير الدفاع – رئيس الحكومة – الأمين العام لجبهة التحرير)…

** الرئيس الأسبق والراحل أحمد بن بلا، هو أول رئيس قادم من الغرب (من “مغنية” تحديدا) وكان وصوله إلى الرئاسة بدعم واضح من الجيش الذي كان بدوره خاضعا لقادته القادمين من الشرق، فكان بالتالي مدعوما من الشرق من أجل الحد من نفوذ الوسط القبايلي وربما تكون أحد أسباب هزيمته أمام بومدين، غياب دعم جهوي يحميه، لكن سيعود الغرب بقوة مع الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لاحقا منذ سنة 1999…

أحمد بن بلا

** “قايد أحمد” المسؤول الوحيد الآتي من الغرب يتقلد في عهد بومدين مسؤولية إدارة “جبهة التحرير الوطني” لكنهما اختلفا سريعا بل أن قايد أحمد وعارضه ثم هرب إلى المغرب وعاش في المنفى إلى أن توفي في الرباط في 6 مارس 1978 …

قايد أحمد

** منذ بداية الألفية الحالية بدأت هيمنة الشرق في التراجع نتاج التداخل بين الشرق والغرب من حيث السكن والأصل العائلي ونتاج حضور الغرب سياسيا باعتبار أن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة من الغرب الجزائري، ونتاج أن الدولة كانت تعمل على تغيب هذا العامل ثقافيا وسياسيا عبر تقوية روح الوطنية الجزائرية وتعطي عبر سياسياتها الثقافية الأولوية للبناء الوطني ورفع التحديدات الاقتصادية والاجتماعية وتعمل على تدعيم قوة حضورها الإقليمي والدولي…

عبد العزيز بوتفليقة

     ++ كيفية تفاعل الوسط والغرب أمام حضور وهيمنة الشرق 

بخلاف بعض الخلافات وصراع الثنائيات الاخرى في تاريخ الجزائر الحديث فإن سياسيي الغرب لم يعلنوا بشكل واضح وصريح وعلني رفضهم لهيمنة الشرق مع وجود بعض استثناءات سنذكرها لاحقا ومقابل ذلك كانت الردود قوية مثلا في:

  • صراعات وخلافات الليبراليين الجزائريين ضد خصومهم الاشتراكيين….
  • صراعات لائكيي الجزائر ضد خصومهم بل وعمدوا عمليا إلى ضرب الجبهة بتحالفهم مع الجيش…
  • تكتل القبايل في مواجهتهم لهيمنة التحالف الشاوي/العربي بل أنهم أسسوا حزبا معارضا يواجهون به جبهة التحرير الوطني ونقصد بذلك جبهة القوى الاشتراكية (أنظر الحلقة الأولى)

الاستثناء الأبرز في رد فعل سياسيي الغرب ويكاد يكون وحيدا ومعلوم هو في تأسيس الراحل “أحمد بن بلا” لحزب “الحركة من أجل الديمقراطية بالجزائر“، حيث تمركز أغلب أنصاره عمليا في الغرب الجزائري، إلا أن هذا الحزب أثبت مدى ضعفه في الانتخابات التي وقعت قبل تدخل الجيش و إجباره لــ”بن جديد” على الاستقالة، حتى أنه لم يفز عمليا بنسبة جادة  وكان يبدو ضعيفا بالمقارنة مع أحزاب أخرى على غرار حزب “حسين آيت أحمد” الذي وجد دعما كبيرا في منطقته بالقبايل، وهو ما يدفع إلى السؤال حول “مدى وجود عصبية جهوية لدى سكان وسياسيي الغرب تعمل فعلا على مواجهة سيطرة الشرق، لم يكن هذا العامل حاسما في انحطاط الجبهة، لكنه ساهم بدوره في إحداث خلل في توازنها الجهوي وبالتالي أضاف لها عبئا آخر شارك في فقدانها لإشعاعها التاريخي”[6]

الشاذلي بن جديد

       حسين آيت أحمد

وعمليا يمكن الجزم والتأكيد بل والتنبيه أن “جبهة التحرير كمشروع ثورة أو مشروع دولة، غير مسؤولة كلية عن العاملين الاثني أو الجهوي فهما عاملان موروثان من طبيعة المشهد الاجتماعي السياسي الجزائري . ربما يكون الاستعمار الفرنسي – أكبر دور في غرسها و تنميتهما. و لكنها ” جبهة التحرير” مسؤولة بالكامل في عجزها عن التخلص منهما أو ربما غياب إرادة سياسية جماعية في تصفية هذا الإرث، الذي يمزق النشاط السياسي، يكون المسؤول الأول عن هذا الفشل، فهي لم تحارب جديا هذا الموروث، بل على العكس تأثرت به وجعلته فاعلا في حيويتها محركا في آلية عملها اليومي”[7]

جبهة التحرير

 ++ المسؤوليات الأربعة وحضور الشرق والغرب فيها منذ 1962  

أ- رئيس الدولة (1962-2019)

  • من الشرق الجزائري، هواري بومدين (1965- 1979) والشاذلي بن جديد (1979-1992) والأمين زروال (1993-1999)

  • الغرب الجزائري: أحمد بن بلا (1962-1965)، عبدالعزيز بوتفليقة(1999-2018) وعبدالقادر بن صالح (حاليا أي منذ 01-04-2019 بشكل مؤقت)…

ب- وزير الدفاع (1962-2019)

تولى وزارة الدفاع كل من “هواري بومدين” (1962-1978) ثم “الشاذلي بن جديد” (1979-1990)، ثم “خالد نزار” (1990-1993)، ثم الأمين زروال (1993-1999) وهم جميعا من الشرق الجزائري ثم تولاها عبد العزيز بوتفليقة (2002-2019) وهو من الغرب الجزائري، أما راهنا فيشغل أحمد قايد صالح حاليا المسؤولية الأولى في الوزارة برتبة نائب وزير الدفاع وهو من الشرق الجزائري، ويلاحظ أن الحقيبة في اغلب الفترات تولاها رئيس الجمهورية…

ت- رئس الحكومة (1962-1991)

  • من الغرب الجزائري ، أحمد بن بلا – أحمد عبدالغني

  • من الشرق الجزائري، فرحات عباس يوسف بن خدة هواري بومدين الشاذلي بن جديد ، عبدالحميد الالبراهمي، مولود حمروش

  • من الوسط الجزائري ، قاصدي مرباح

قاصدي مرباح 

  • رئيس الحكومة الحالي نورالدين بدوي هو أصيل مدينة ورقلة ( الجنوب الشرقي) وهو من مواليد العاصمة…

نورالدين بدوي

ث  أمين عام جبهة التحرير (1962-1994)

  • من الغرب الجزائري، تولى الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير حتى 1994 كل من “أحمد بن بلا” ثم ” قائد أحمد”…

  • من الشرق الجزائري، تولى المنصب كل من “محمد خيضر” و”هواري بومدين” و”شريف بلقاسم”، وأيضا كل من “محمد صالح اليجياوي”، “الشاذلي بن جديد”، “محمد الشريف مساعدية” ، “عبد الحميد مهري”…

  • محمد الجميعي الذي تم اختياره/انتخابه منذ أسابيع أمينا عاما لجبهة التحرير الوطني هو من تبسة (الشرق).

محمد الجميعي

المصدر: صحيفة الرأي العام بتاريخ 13 جوان 2019.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع : 

[1]  أسبوعية الرأي العام التونسية العدد 109 بتاريخ 23 ماي 2019 ص 20-21

[2]

[3]  الصيداوي (رياض)، “صراع النخب السياسية والعسكرية في الجزائر” تونس-جينيف 2019 ص 242

[4]  عمليا تم فسخ التغريدة في وقت لاحق لأسباب ربما تكون أمنية أو حتى سياسية مبنية على رؤية دبلوماسية…

[5]  كتاب للمؤلف نشرته دار الفكر الحر في 01-01-1971

[6]  الصيداوي (رياض)، مذكور في هامش سابق ص 244– بتصرف-

[7]  المصدر نفسه  ص 245-246 – بتصرف-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق