رأي

حول الإصلاح التربوي : تكليف من لم يفلح في الإصلاحات السابقة إفساد

منذ ما يزيد على العشرين سنة والحديث عن الإصلاحات لا ينتهي، إصلاح يلي إصلاحا فمن إصلاح التعليم إلى إصلاح الصحة إلى إصلاح الإدارة إلى إصلاح الجباية إلى إصلاح القضاء… وكل مرة، تنظم استشارات، وتقام ندوات، ويدعى، بمقابل، ضيوف إلى ملتقيات، وتنصب موائد للحوار والنقاش والبحث والاقتراح، وتهدر من الأموال الملايين ومن الوقت الشهور والسنون، وتؤخذ صور، وتسجل مداخلات، وتطبع وتوزع كتيبات وكتب ونشريات ومطويات، وتشتغل أسواق للسفر والتأليف والتكوين. تتمعّش من كل إصلاح شبكات من المزودين والنزل والموظفين ووكالات الأسفار والمكونين، كل يغنم على قدر ولائه وطاعته وقرابته وخنوعه وسخائه لأصحاب القرار، وما يُلاحظ في تونس، وربما ما تنفرد به، أن نفس فصيلة الخبراء والمسؤولين و«المشرفين على الحظوظ» هي التي تُصلح وبعد مدة وجيزة تصلح الإصلاح ثم بعد مدة أوجز تصلح إصلاح الإصلاح، وهكذا دواليك إلى أن تمتلئ الجيوب وتتفسح بأموال المجموعة نفس الوجوه خارج الوطن وتقيم في النزل الفخمة في فرنسا وكندا وبريطانيا وألمانيا وأمريكا دون شفقة ولا رحمة بالمال العام، في الظاهر للتكوين والاستفادة من تجارب هذه البلدان وفي الباطن للنزهة والتبضع والترفيه. ومن المضحكات المبكيات أن مجموعة مقربة من أصحاب الحل والعقد كانت تستأثر بالسفر للتكوين والاطلاع على تجارب دول أخرى أكثر تطورا وإثر ذهابها عدة مرات إلى نفس البلد لنفس الغاية ، استغرب مسؤولو البلد المضيف رجوع نفس الوجوه فسألوهم لماذا دائما تتعاورون على المجيء ألم تستوعبوا ما أخذتم سابقا؟ أو لا يوجد غيركم يرغب في التلقي؟ ليس لنا ما نضيفه فقد اطلعتم على كل ما لدينا . كلام أشد من الصفعة لمن له نزر يسير من الحياء.

والغريب في الأمر، أنه بعد كل إصلاح يزداد الوضع سوءا وتتفاقم الحالة ولا أدل على ذلك ما أصاب التعليم من كوارث، فمثله كمثل من أصابته وعكة خفيفة فذهب إلى متطبب يسأله العلاج، فوصف له هذا الأخير دواء، تناوله فتدهورت حالته الصحية واشتد به المرض، فرجع الى نفس المتطبب، فوصف له وصفة أخرى، عمل بها فدخل في غيبوبة ومازال أهله يصرون على عرضه على نفس المتطبب، فلا المتطبب اعترف بعجزه وقصور معرفته طمعا في الأجرة، ولا المريض وذووه استوعبوا الدرس وبحثوا عن طبيب من أهل المعرفة والأمانة يسعى إلى المداواة والعلاج والإبراء قبل جمع المال بأي طريقة والإثراء.
نيل البكالوريا أصبح أيسر من نيل رخصة السياقة فتكاثرت الشهائد ونشطت سوق المعدلات ومن كان يوبخ للضعف الشديد أصبح يقيم أفراح النجاح في البكالوريا بفضل 25 في المائة، والنوادر في هذا الشأن كثيرة، وكل وفير يصبح لا قيمة له وحقيرا، وهناك قاعدة بديهية وهي أن الندرة تحدد القيمة . إن الهدف إذا كان تحصيله يسيرا، لا يتطلب عناء ولا سهرا ولا تدبيرا، يصبح في متناول كل من هب ودب ويحبط عزائم المجتهدين والمتميزين والأذكياء ولماذا التعب والاجتهاد ما دامت النتيجة واحدة وربما يفوز بالغنائم المغامرون والمضاربون والمتملقون بلا تعب ولا عناء.

إن كل كلام عن الإصلاح يجر حتما إلى وجود إفساد وإهمال وتقصير سبقه مما خلف خرابا وهذه الآفات لا تنزل من السماء وإنما هي صنيعة أنواع مختلفة من المخربين:

هناك رهط يخرب عن قصد بسابق الإضمار والترصد، يسخر كل طاقته ورصيد خسته لإيذاء الآخر ولا يدخر جهدا لتحقيق هذه الغاية الدنيئة، يتلذذ هذا الرهط بعذاب الآخرين، وكلما تعمقت مأساة غيره غمره الانتشاء وأترعت السعادة قلبه ويتضاعف شعور هذه «الزنوس» بالدفء كلما كان الآخرون يرتعدون أمامهم من البرد، يتلمظون طيب الطعام كلما تضور الآخرون جوعا، وذروة متعتهم، عندما يرفلون في أفخم اللباس والآخر في أسمال بالية، هم الراكبون أفخر السيارات والآخر راجل، هم الموسعة عليهم والآخرون في ضيق خانق، هم المعافون والآخرون عليلون…. وهذا رهط حاقد لئيم ينوي الإفساد ويخطط له ويجتهد في نشره وتأصيله، لا يكفي إبعاد هذا الرهط فهو سام ومفسد بالسليقة كالحية والثعابين والعقارب والذئاب والثعالب والخنازير لا يؤمن شرهم إلا بانتزاع سمهم أو حبسهم وهم كثر في البلدان المتخلفة ويشغلون مناصب هامة ويتحكمون في أرزاق العباد ورقابهم ومستقبل البلاد وسمعتها.

أما الرهط الثاني فهو يجذب إلى الحضيض، يعادي التطور، يتجنب تسنم الصعاب، لقصور في المعرفة وانعدام الذكاء والقدرة على استيعاب الجديد والمفيد، لكن ماله أو لقبه أو ولاءه أو حتى جماله شفع له هذا النقص، وقذف به إلى مناصب خطيرة، ولانحطاط مستواه وخواء ضميره، يسعى هذا الصنف إلى تهويل البسائط وتكبر في عينه الصغائر، يستعدي كل كفء ويحرض على كل النصحاء من كاملي المعرفة وأصحاب الرأي والنجدة لإبعادهم حتى لا تفضح مقارنته بهؤلاء المتمكنين من المعرفة الضالعين في ميدانهم ضحالته وتفاهته، يتفنن ويبدع هذا الرهط في التملق والتزلف والنميمة يترصد أي فرصة احتفال أو مأتم لتهنئة أو تعزية رؤسائه حتى ينال رضاءهم، الذين أغلبهم، سلك نفس طريقهم للوصول إلى ما هو فيه من جاه وسطوة ورخاء .
أما الرهط الثالث فهو كالجماد، خامل، مستسلم، يشبه أثاث المؤسسة التي يعمل بها لا يُبدي رأيا، ولا يعترض، ولا يمتعض، ولا يساند، ولا يعلق، ولا يحلل، ولا يستنتج، كدس لحم جاء إلى هذه الدنيا ليستهلك ويتناسل، لا تسمع منه غير الأمثلة والحكم التي تحث على الحذر المفرط وعدم التدخل في أي شأن و الطاعة العمياء للأوامر، يخاف على خبزة أولاده، نذر لأسياده صوما، وصومه أن لا يقول لأسياده لا ويقول لهم دوما نعم، كائنات بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ويقضي هذا الرهط حياته كاملة لا يُعتد به عند الحاجة ولا يُفتقد إذا غاب، فلا وجوده يضيف، ولا غيابه يعرقل، إنه رهط آثر أسقط مقام وهو مقام من لا عدو له .

لقد كان التعليم من أكثر ضحايا الإصلاحات إذ فتك به «مصلحون» جمعوا خصالا يستسيغها النظام السابق، فكان يحميهم ويغض الطرف عن أخطاء يندى لها الجبين، كعرض أكثر من الطول، وأرقام خاطئة، وأسئلة في غير محلها، ومعطيات ناقصة كل هذا في امتحانات وطنية فكيف ذلك بالكتب المدرسية … وإن كانت بعض المواد أصابها المرض فإن مادة التصرف في العناية المركزة. فالذي حدث من مهازل لا يتسع المجال لذكره فالهنات والأخطاء أصبحت عادة لا يكاد يخلو منها امتحان أو كتاب، وسأقتصر على ذكر الواضحة منها والتي لا يمكن نكرانها فهي موثقة، وحتى لا يبقى الكلام هكذا عاما وفضفاضا يحتمل كل التحاليل والتخمينات سأقدم أرقاما وتواريخ وما على المهتمين إلا التثبت في صحة ذلك من عدمه.

لقد أُحدثت شعبة الإقتصاد والتصرف مستهل السنة الدراسية 93 /94 ومنذ بداية التحضير للشعبة لاحظنا أن المشرفين على حظوظ هذه الشعبة اعتمدوا مقاييس لا تمت بصلة إلى الكفاءة والخبرة والإشعاع في استشارة المدرسين وتشريكهم لتصور مادة التصرف محتوى وتوقيتا وضوارب، وإنما كان «المشرفون على حظوظ» الشعبة يتعاملون مع من «يرتاحون لهم» من فصيلة الأساتذة «المهذبين» والأصدقاء والمقربين الذين لا يبدون رأيا ولا يعارضون ولا يناقشون ولا يقترحون، فصيلة، علاقتها بالمشرفين وأهل القرار، شعارها أطعهم وإن أخطؤوا، جاملهم ولا تجادلهم لقد صدق حدس أغلبية الأساتذة المتخوفين من هذا «الإصلاح» بعد ما صدر في الرائد الرسمي عدد 235 بتاريخ 5 جوان 1992 فهل يقبل عاقل أن تُدرس مادتي الاقتصاد والتصرف في 6 ساعات فقط؟ وبأي منطق يكون ضارب كل مادة 2 وهما المادتان المميزتان للشعبة التي إسمها اقتصاد وتصرف؟ ومما زاد الطين بلة أن «لجنة خبراء» أبعدت حاملي الأستاذية في التصرف وأعطت أولوية التدريس لمن لهم شهادات دون الأستاذية، والمهازل كثيرة ولا تخطر على بال، اقتصرت على بعضها حتى لا يمل القارئ، المهم انتظرنا كارثة مِؤكدة في نتائج أول بكالوريا.

صدقت تكهناتنا وجاءت نتيجة البكالوريا في جوان 1995 جديرة بالتسجيل في كتاب جيناس للأرقام القياسية فقد نجح بكامل الجمهورية التونسية 471 تلميذا فقط في الدورة الرئيسية يمثلون نسبة6,37 % من مجموع المترشحين، في عديد المعاهد لم ينجح أي تلميذ، ولدرء الفضيحة والترقيع، لأول مرة في تونس، يفوق عدد الناجحين في دورة المراقبة عددهم في الدورة الرئيسية ليلتحق 764 بصفوف الناجحين لكن النسبة تبقى دائما بعيدة عن النسبة العامة16,70 % مقابل 32,70 %.
إن ما حدث مهزلة وجريمة في حق الشعب، في الأمم المتقدمة تقوم الدنيا ولا تقعد، يفتح تحقيق، حقيقي، وتحدد المسؤوليات، وتعرف الأسباب والمسببات، فيُبعد المتسببون ويُستمع إلى من عارض ونبه وحذر. لكن شيئا من ذلك لم يحدث ونفس المشرفين على الحظوظ ونفس البطانة واصلت عملها لا حساب ولا توبيخ ولا عقاب كأن الذي حدث عادي كم من تلميذ يئس وانقطع عن التعليم وكم من عائلة فقيرة حرمت نفسها لتدريس ابنها تنتظر نجاحه بفارغ الصبر فينسيها الفرح جسامة تضحياتها لكن الوزارة لا عين رأت لا أذن سمعت وعدم عقاب المخطئ وإنصاف المصيب عواقبه وخيمة فيجترئ المتهاون الغبي ويثبط المجتهد الذكي وتلك آفة البلدان المتخلفة وسبب هجرة نخبتها الحقيقية وعزوفها عن البذل والعطاء حصل كرها لا طوعا.

خلال السنة الدراسية 1995/ 1996 أصدرت وزارة التربية منشور عدد 85 ـ 10 ـ 95 بتاريخ 25
في نوفمبر 1995 أدخل تحويرات وترميمات في التوقيت والضوارب وأُرجع الأساتذة الذين أُبعدوا فتحسنت النتائج قليلا، ولكن الشطحات تواصلت خاصة بعد صدور القانون عدد 112 لسنة 1996 مؤرخ في 30 ديسمبر 1996 يتعلق بنظام المحاسبة للمؤسسات وما أحدثه من تغييرات جوهرية في المادة وقع تجاهلها سنة 1997/1998 وهوما يعد في حد ذاته مخالفة خطيرة جدا، فالبرامج الرسمية لا بد أن تكون مطابقة للقوانين الجاري بها العمل، ولا أدري، إلى الآن، هل السبب عدم القدرة على استيعاب ما طرأ ؟ أم سهو؟ أم جهل من «المشرفين على حظوظ المادة»؟ سنة دراسية كاملة تُدرَّس المحاسبة بقانون ميت لم يعد ساري المفعول بعد أن جبّه قانون جديد، إهدار للوقت وللمال وللجهد دون جدوى.

بلغت أزمة المادة أشدها سنة 1998/1999 عندما كانت المادة الرئيسية التصرف وتُدرس دون كتاب مدرسي يرجع إليه الأستاذ والتلميذ، رغم الحاجة الملحة والحارقة إلى ذلك، وفي منتصف السنة الدراسية 1998/1999، وزعت الوزارة مجانا على تلاميذ الأقسام النهائية آلاف النسخ من كتاب مادة التصرف، مهزلة أخرى تضاف إلى الخُرْق والتجاوزات التي عانت منها هذه المادة منذ إحداثها.

خلال اجتماع عام بأساتذة كامل الجمهورية، اعترف أحد المديرين العامين بالوزارة، الذي شغل عدة سنوات متفقدا لمواد الاقتصاد والتصرف في شعبتي المحاسبة والكتابة، آنذاك بالفضيحة وشبّه الكتاب بالميت وقال إكرام الميت دفنه، فقد رافقت توزيع الكتاب قائمة في الأخطاء المرتكبة باعتراف «المشرفين على حظوظ المادة» تضم 47 خطأ نعم 47 خطأ بالتمام والكمال… ولأن الأخطاء أكثر من ذلك بكثير وجهت الوزارة إلى مدرسي المادة المذكرة عدد 403 بتاريخ 5 أفريل 1999 لإصلاح الأخطاء الأخرى وهي عديدة وجوهرية، استجبت شخصيا لهذا الطلب بإصلاح البعض واعتبرت ذلك صحوة وبداية الوعي بضرورة الإصلاح الجذري وإعادة النظر في تركيبة المشاركين في البرمجة والتأليف، لكن الحال بقي عما عليه، نفس المشرفين على حظوظ المادة، نفس البطانة تغنم الترقيات وتُستدعى للجامعة الصيفية وتُرسل خارج الوطن للتكوين، أموال الشعب تذهب هباء فمتى يُصلح من خرّب ؟ وهل يرجى من فاقد الشيء نيله ؟

إن هذا قليل من كثير ذكرته وذكّرت به لوضوحه، وفهمه لا يتطلب أهل الاختصاص ولوعددنا الهنات التي طالت هذه المادة لكُتبت كتب ولكن ما يُحبط العزائم أن الوزارة لم تحرك ساكنا فلم نسمع بتحقيق فُتِح ولا بمسؤولية حُدِّدت وكأن هذه الأخطاء والممارسات قدر وجب التسليم به، رغم أن هنالك من نبّه قبل حصول الكوارث، فكتب العرائض وتدخل في كل مناسبة، والوزارة تعرف جيدا من كان يعارض، ويحذر، ويقترح وكيف أُبعد وعانى من الإقصاء، ومن كان يتملق ويتزلف ، ينافق ويوافق، وكيف كوفئ وأُجزل العطاء.

قديما جدا، منذ ما يزيد على الألف سنة، كتب ابن المقفع إن السلطان إنما يؤتى من قبل ست خلال أولاها الحرمان وهو إبعاد الأكفاء من أهل الرأي والنجدة والأمانة من الساسة والنصحاء وأضيف إليهم الشرفاء الذين علاقتهم بالوطن ليست أخذا فقط وإنما أكثر منها عطاء.

فهل تستوعب الوزارة الدروس؟ وتفتح ملفات أغلقت، حتى لا تتكرر المهازل وحتى تعود إلى الكلمات معانيها، فيكون الإصلاح نافعا يبني ويفيد، لا تخريبا يضر ويهدم بدل التشييد، وإن عفا الله عما سلف فلنتحمل المسؤولية في بناء مستقبل البلاد ونتحاسب حسابا عسيرا في ما خلف.

للمصلح خصال متى توفرت كان الإقلاع والنهوض وانتهى الانحطاط والركود كأن يكون جريئا يتسنم الصعاب، ولا يبالي في ما يعتقده صوابا وحقا عن مخالفة أي شخص كائنا من يكون، بالجهد والعناء نحت شخصيته، لا بالخنوع والولاء، يتعفف عن الأخذ ويقبل دون تردد على العطاء، يسموحتى يرى كل الوطن ولا يقتصر نفعه على العشيرة والأصدقاء، فالمهمة صعبة وجسيمة، تتطلب تكاتف رجال أشداء، وليست كما تعتبرها كائنات فرصة ووليمة تستدعي لها رخويات للغنم والثراء.

إن للفساد فسائل فحذار من نموها، ويجب على من يروم الإصلاح بصدق، قبل كل شيء، تشخيص صحيح لداء التعليم فإن كان صداعا خفيفا فقليل من الحبوب يسكن الألم، وإن هوورم لا بد من جراحة لاستئصاله، أما إذا كان في غيبوبة فالصعقات تصبح ضرورية لعل القلب ينبض من جديد وتعود الحياة.

بقلم: المولدي عواشرية (أستاذ تعليم ثانوي)

المصدر : جريدة الشروق التونسية بتاريخ 16 / 23 نوفمبر 2015

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا :    http://bit.ly/2WzbID7  //  http://bit.ly/2Iben1U

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق