إصدارات

صدر مؤخرا للسياسي والدبلوماسي السابق عبد الوهاب الجمل: «حُكَّام إفريقيَّة وتونس.. من الفتح العربي الإسلامي إلى العهد الجمهوري»

موسوعة تؤرخ لحكام تونس وما رافقهم من أحداث لتأكيد قدرة هذا البلد على التغلب على المحن

اختار الدبلوماسي السابق عبد الوهاب الجمل أن يقدم كتابه «حكام إفريقية وتونس من الفتح العربي الإسلامي إلى العهد الجمهوري»، في لقاء انتظم مؤخرا بمقر مركز جامعة الدول العربية بتونس بحضور عدد من الدبلوماسيين السابقين وبعض سفراء الدول العربية. وهو اختيار يعكس مدى أهمية المؤَلَّف وما حظي به من ردود أفعال إيجابية خاصة أن صاحبه ليس مؤرخا ولا باحثا في التاريخ وإنما هو إطار إداري متقاعد وسياسي ودبلوماسي سابق وهو ما دفعه لتنظيم هذا اللقاء للتعريف بإصداره الجديد بعد عام تقريبا من إصداره.

وهذا الكتاب صادر عن دار «سمباكت» في طبعة أنيقة تضم 650 صفحة، ويعد مرجعا بحثيا هاما نظرا لما يتميز به من شمولية ودقة في المعلومات والمادة التاريخية خاصة أن صاحبه اعتمد في تأليفه على أكثر من 240 من المراجع والمصادر والدراسات والأطروحات والبحوث والمستندات الأخرى أوردها بالتفصيل في الكتاب.

والهام في هذا الكتاب التاريخي الذي بينه عنوانه الكامل «حُكَّام إفريقيَّة وتونس من الفتح العربي الإسلامي إلى العهد الجمهوري: الفاتحون والغزاة والولاة والأمراء والخلفاء والسلاطين والثائرون والدايات والبايات والرؤساء»، أنه حدد مفهوم الحاكم الذي يدور حوله الكتاب خاصة أنه انطلق من القرن السابع ميلادي وتحديد سنة 648 ميلادي الموافق لسنة 27 هجري وهو تاريخ دخول العرب والمسلمين إلى تونس وتواصل الحكم إلى يومنا هذا أي على امتداد حوالي حوالي أربعة عشر قرنا، معرجا على مختلف التسميات لهذا البلد وحسب المراحل التاريخية موضحا أن تونس كانت تُسمَّى بلاد البربر الشرقية أو إفريقية البربرية أو إفريقيَّة ثمَّ إفريقية العربية.

ولئن كانت المادة التاريخية مترامية هنا وهناك في مصادر مختلفة، فإن طريقة تقديمها في هذا الكتاب من خلال الاعتماد على أسلوب في الكتابة يجمع بين السردي والتاريخي والتحليل التوليفي يجعل هذا المؤلف أشبه بموسوعة لتاريخ حكام تونس خلال هذه الحقب التاريخية الطويلة بما يوفِّر للقارئ مادة تمكنه من التعرف على كل الذين ساسوا البلاد منذ عهود بعيدة وذلك من منطق مقولة لعبد الرحمان ابن خلدون في «المقدمة» مفادها إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار ولكن في باطنه نظر وتحقيق». ليبين أن لهذا البلد قدرة عجيبة على التطور والتغلب على مختلف أشكال المحن والنكسات وهو تقريبا لب هذا الكتاب وهو ما أكده المؤلف في كتابه والمناسبات التي تحدث فيها عن هذا المنجز التاريخي والأدبي.
وهو تقريبا ما هدف له هذا السياسي والدبلوماسي السابق باعتبار أن الحديث عن هؤلاء الحكام تضمن تقييما وحديثا عن أهم ما ميز حكمهم.

وما يشد في هذا الكتاب أن عبد الوهاب الجمل قدم فيه تفاصيل دقيقة عن تونس وحكامها في هذه الفترة التاريخية الطويلة إذ أحصى في دراسته مائة وسبعة وعشرين (127) من «الحُكَّام» الذين تداولوا على رأس السلطة في تونس وأوَّلهم الوالي الفاتح عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخو الخليفة عثمان بن عفَّان بالرضاعة، الذي دخل إفريقية سنة 648 ميلادية الموافق لسنة 27 هجرية، وآخرهم الرئيس الباجي قايد السبسي. وقدَّم وصفًا شاملاً لما عاشه كلُّ حاكم منهم وما عاشته تونس من أحداث ووقائع فضلا عما سُجِّل من معلومات وأخبارٍ ووقائع خلال فترة حكم كل واحد منهم وما حفَّ باعتلاء كل واحد منهم كرسي السلطة. كما عرَّف بإنجازاتهم وبأعمالهم وكذلك بخيباتهم وإخفاقاتهم وظروف نهاية مهامِّهم.

نهاية عنيفة
أكد عبد الوهاب الجمل في هذا الكتاب الذي ضمنه أرقاما وتواريخ تحدد بدقة حياة ونهاية كل واحد من هؤلاء الـ27 1حاكما. فتضمن التوثيق أن إمرأة واحدة حكمت تونس وهي الكاهنة وجاءت في الثامنة في الترتيب الزمني والتاريخي للحكام الذي اعتمده المؤلف مبينا أنها حكمت شعبها وتحديدا القبائل البربرية في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن ميلادي لمدة 35 سنة.

127 عدد حكام تونس منذ 648 إلى 2018 من بينهم امرأة واحدة و60 منهم كانت نهاية حكمهم عنيفة

كما جاء في نفس الكتاب أن 60 من بين هؤلاء الحكام أنهيت مهامهم بشكل عنيف و24 منهم كانت نهايتهم بين القتل والاغتيال أو الإعدام.

وجاء الكتاب في شموليته تام الشروط المنهجية التي تحدث عنها في التوطئة التي وضعها عبد الوهاب الجمل لكتابه، فكان أن قسمه إلى عشرة أبواب وجزأه إلى فصول تمحور كل فصلٍ حول مجموعة أو سلالة من الحكام، بدءًا بالفاتحين والولاة العرب مرورا بالدولة الأغلبية ثم الخلافة الفاطمية والدولة الصنهاجية فالسلطنة الحفصية وغيرها من المراحل التاريخية الأخرى التي عرفتها تونس وصولا إلى العهد الجمهوري، وجزَّأَ كلَّ فصل إلى فقرات تتعلق كلُّ واحدة منها بحاكم واحد.
لذلك جمع هذا الكتاب التاريخي مادة تاريخية كانت مترامية ومنتشرة بين مصادر مختلفة قضى الكاتب سنوات في تجميعها وترجمتها والقيام بمقارنات لمعرفة مدى صدقها وحقيقة ما يتداول حولها، وفق ما أكده مما يجعل الكتاب وثيقة تاريخية بمستوى وقيمة مرجع تاريخي شامل وكامل خاصة أن «الأنا» لم تكن حاضرة في الكتاب. لذلك كانت المساحات الخاصة بكل حاكم متفاوتة حسب مدة وثراء كل مرحلة بالأحداث والمستجدات السياسية وكانت أوسعها ما تعلق بمرحلة حكم محمد المنصف الباي رغم أن فترة حكمه كانت قصيرة ولم تتجاوز 11 شهرا. ومثلها مرحلة البايات في العقد الأخير قبل استقلال تونس.

تحفظ تجاه الحكم في العهد الجمهوري 
فقارئ الكتاب يتبين المسافة التي وضعها الكاتب بينه وبين كل حاكم بما تناوله لحكام تونس الذين عايش مراحل حكمهم باعتبار أن الكاتب في العقد السابع من عمره، وعدد هؤلاء الرؤساء خمسة وهم كل من الراحل الحبيب بورقيبة الذي أفرده بستة أسطر فزين العابدين بن علي والرئيس المؤقت فؤاد المبزع ومثله المنصف المرزوقي والأخير وليس بآخر، الباجي قائد السبسي الذي خصه بثلاثة أسطر فقط وعلل ذلك بقوله: «أهملت الحديث قصدا والإيجاز والاختصار في سرد المعلومات المتعلقة بالعهد الجمهوري نظرا لما تتسم به المرحلة من سياقات سياسية مختلفة يمكن أن تصنف الكتاب في خانة «تصفية الحسابات» وإيمانا مني بأن المسافة الزمنية ضرورية في مثل هذه الحالات قياسا على المسافة المادية للنظر والمشاهدة ليترك للمؤرخين في مراحل لاحقة مجال الحديث والتأريخ والتقييم لمراحل حكم هؤلاء».
والكتاب لم يقتصر على الحكام فقط بل عرج في ثنايا وتفاصيل بعض المراحل على الدور الذي لعبته النخب الثقافية وأعيان الجهات. كما ضمن كتابه آيات قرآنية وأحاديث نبوية من منطلق الاستشهاد أو الاستناد وليؤكد أن تونس ظلت دولة محافظة على منهج الدين الاسلامي.

  بقلم : نزيهة الغضباني

المصدر : جريدة الصباح بتاريخ 27 ديسمبر 2018 – العدد 22301 صفحة 9

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا : http://bit.ly/2Xc6uBv

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق