إصدارات

«نافذة على ثلاث حضارات» للدكتور عبد الرزاق المجبري رحلة في تطور الفكر عبر تلاقح الثقافات

يُمثّل البحث في الروابط الحضارية مَدخلا لفهْم علاقة التأثير الفكري المتبادل بين الأمم والحضارات. وفي هذا المعنى نشر للدكتور عبد الرزاق المجبري كتابا بعنوان «ورقات: نافذة على ثلاث حضارات»، كان أصدره في طبعة أنيقة عن مجمع الأطرش للكتاب المختص. وقد راوح مؤلف هذا الكتاب الذي اشتمل على 152 صفحة في دراسته للحضارات الرومانية والعربية الإسلامية والألمانية بين دراسة نظام الفكر الذي ساد العالم في زمانه من فترة زمانية إلى أخرى وبين تمظهرات ذلك النظام على الصعيد المعماري ممثلا في المؤسستين الدينية والمدنية أي في العمارة وما تشتمل عليه من فنون وآداب وما تنضبط في إطاره من قوانين.

ويتبيّن قارئ هذا الكتاب أنّ السلطة تلعب دائما دورا رئيسيا إمّا في إحباط بعض النُظم الفكرية وإمّا في تكريسها عن طريق تبنيها بشكل رسمي. فمثلا نشأت الأديرة في الإمبراطورية الرومانية على نحو مستقل وبعيدا عن رقابة السلطة باعتبار أن مجتمعها «قد اعتزل المجتمع المدني وصنع مجتمعا مخصوصا في قوانينه وأحكامه وأخلاقه، ولا شأن له بالعالم الخارجي». ثم سرعان ما تبنّت السلطة تلك المؤسسات الزُهدية فعمّت الإمبراطورية الرومانية من القسطنطينية إلى روما، وصارت مختصة في الإنتاج الفكري وفي صياغة القيم الاجتماعية الجديدة، ولهذا فإنها ستناهض مخالفيها في الفكر بعد اتهامهم بالهرطقة.

أمّا دراسة المدينة العربية الإسلامية وخاصة عن طريق كتب الجغرافيين والرحّالة العرب فإنها تكشف الغطاء عن الخلفيات الفكرية لتحويل المُدن المفتوحة من قِبل العرب بعد تغيير ملامحها إلى عمارة تعكس في خصائصها ووظائفها تجليات العقل العربي المسلم، كما تقيم حركة تشييد المُدن العربية الجديدة في مختلف أقطار الإمبراطورية الإسلامية الدليل على أن العمارة كانت نتاج فكر حضاري قام على ثلاثية الديني والدنيوي (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) والعسكري.

والذي خلص إليه الدكتور عبد الرزاق المجبري من دراسته لكتاب آدم متز عن الحضارة الإسلامية هو تشكيل رؤية للحضارة الإسلامية في تنوعها العرقي وامتدادها الجغرافي من خلال مقاربة تستخرج من أسئلة القراءة أسئلة الحضارة.

وتكمن أهمية هذا الكتاب في قدرته على ضبط منزلة الفكر في خضمّ السجال المتواصل بين المسألة الدينية والنظام السياسي وما يتمخّض عن ذلك اللقاء من اختلاف أو ائتلاف نعثر على أثر له عميق وملموس في العمارة باعتبارها حاضنة لقيم المجتمعات وأفكارها وأنماط عيشها، والتي تُعدّ اليوم كمعالم تاريخية نوعا من المصادر الأثرية التي تتكامل في صبغتها الحضارية مع المصادر النصية.

    بقلم : منصور

المصدر : الصحافة اليوم بتاريخ 13 جوان 2019

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا : http://bit.ly/2KN1VH6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق