بورتريهتونس

رحيل الزعيم الطلابي الإسلامي التونسي عبد الرؤوف بولعابي

توفي الزعيم الطلابي والشبابي الإسلامي التونسي الرمز عبد الرؤوف بولعابي بعد أعوام من الصراع مع المرض في فرنسا التي لجأ إليها منذ يونيو 1981 بسبب موجة القمع الأولى التي استهدفت 120 من مؤسسي “الاتجاه الإسلامي في الجامعة” وفي المعاهد الثانوية والقادة التاريخيين لـ “حزب حركة الاتجاه الإسلامي” بسبب دورهم في تنظيم مسيرات شعبية ضخمة وإضرابات نقابية سياسية حول قضايا تونسية وعربية ودولية في شوارع أغلب المدن التونسية ما بين 1978 و1981.

وتصاعدت تلك التحركات في كانون ثاني (يناير) وشباط (فبراير) وآذار (مارس) 1981 فأجبرت الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ورئيس حكومته محمد مزالي ووزيري التربية فرج الشاذلي والتعليم العالي عبد العزيز بن ضياء على الاستجابة لمطالب الحركتين الطلابية والتلمذية من بينها تغيير نظام الامتحانات في الثانويات والباكالوريا وديبلوم المعاهد التقنية وتحسين ظروف الدراسة والإقامة في الثانويات والجامعات.

دفن بولعابي في مدينة منزل بورقيبة شمالي غربي العاصمة بحضور مئات من رفاقه القدامي بينهم زعيم حركة “النهضة” راشد الغنوشي ورئيس الحكومة السابق علي العريض وعدد من الشخصيات  الوطنية.

كان عبد الرؤوف بولعابي أول رئيس للحركة بعد زعيمها المؤسس راشد الغنوشي، بعد أن اكتشفت مصالح البوليس السياسي في موفى 1980 وثائق تتضمن تفاصيل “التنظيم السري” والهيكلة وقائمة القياديين خارج الجامعة.

وقد نوّه الغنوشي في كلمة تأبينه بالخصال النضالية والسياسية والإنسانية للفقيد الكبير ووصفه بـ “القائد”

إسناد قيادة الحركة للطلبة

وقد شكل بولعابي القيادة الجديدة، بالتنسيق مع رئيسها المؤسس راشد الغنوشي، اعتمادا على قياديين من الحركة الطلابية وشخصيات من خارجها لم تكشفهم مصالح الأمن.

وكان بين هؤلاء طلبة إسلاميون مستقلون ساهموا منذ السنة الجامعية 1977 ـ 1978 في تطوير إشعاع “الاتجاه الإسلامي في الجامعة” وفي “تونسته” وتأكيد خصوصياته، مما جلب له شعبية متزايدة في صفوف عموم الطلبة، بمن فيهم قطاع من المتعاطفين سابقا مع الحركات الطلابية الثورية اليسارية الماركسية والقومية ومع الفكر العلماني.

لكن هذا التغيير على رأس قيادة الحركة، تزامن مع توترات بين النظام التونسي والنظامين الليبي والجزائري ومع تصعيد سياسي اجتماعي في البلاد واستفحال المعارك السياسية محليا وعربيا ودوليا بين المتصارعين منذ 1969 حول خلافة الرئيس بورقيبة المريض في قصر قرطاج.

انحياز إلى الثورة الإيرانية

كما تزامن صعود “الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية” أواخر السبعينات مع تشرذم اليسار الطلابي والنقابي وبروز دعم شبابي وشعبي للثورة الشعبية الإسلامية الإيرانية ورموزها السياسية بزعامة آية الله الخميني والثقافية بزعامة المفكر علي شريعتي والرئيس الأول لإيران الثورة أبو الحسن بني صدر ورئيس حكومتها الأول مهدي بازرغان.

وقد شهدت الجامعة التونسية وقيادة حركة الاتجاه الإسلامي التونسي بسرعة انفتاحا على المنهج الثوري الإيراني. وشمل الانفتاح القيادات التاريخية والكاريزماتية للحركة الذين زاروا إيران أو قابلوا زعيمها آية الله الخميني وبعض قياداتها في فرنسا قبل اسقاط نظام الشاه رضا بهلوي في شباط (فبراير) 1979  وبعده، وبينهم راشد الغنوشي والفاضل البلدي وعبد الفتاح مورو.

انحازت القيادة الطلابية والشبابية الجديدة بزعامة عبد الرؤوف بولعابي للثورة الشعبية الإيرانية الصاعدة وتأثرت ببعض أدبياتها ومنهجها الثوري الاحتجاجي وبخطابات اليسار الطلابي والنقابي “الثوري” التونسي والعربي عن “القطيعة والصدام مع النظام” وبأدبيات بعض الجامعيين والكتاب الثوريين اليساريين المنتمين إلى تيار الماركسيين الجدد من الايطالي انطونيو غرامشي (1891 ـ 1937) إلى المصري سمير أمين والفرنسي روجي قارودي والمغربي فتح الله ولعلو.

لذلك تطورت في وقت وجيز فسيفساء مكتبة الشباب الإسلامي التونسي في الجامعة وخارجها، فانفتحت على مفكرين ثوريين إيرانيين وعراقيين ولبنانيين وفلسطينيين ثوريين مثل علي شريعتي ومحمد باقر الصدر.

كما أصبحت المجلات والكتب المساندة للثورة الإسلامية الإيرانية والحركات القريبة منها في العراق وأوروبا مثل “الشهيد” و”الأمة” و”العالم”.. من بين مرجعيات الاسلاميين التونسيين.

وتزامن كل ذلك بانتشار أبرز مجلة “المسلم المعاصر” المصرية وهي أول مجلة عربية مختصة ومعمقة تدعو لتجديد الفكر الإسلامي. وقد أسسها العالم والمفكر خريج تيار الإخوان المسلمين جمال الدين عطية ونخبة من العلماء من دعاة الاجتهاد والتجديد والعقلانية بينهم الفيلسوف والمفكر حسن حنفي والمفكر والزعيم السوداني السابق حسن الترابي.

وأثر هذا الخطاب الثوري والعقلاني في مجلة “المعرفة” التي كانت تصدرها القيادة التاريخية “الجماعة الإسلامية” منذ 1972، التي بدأت دينية اجتماعية محافظة بعد “اجتماع الأربعين” في شهر نيسان (أبريل) من نفس العام عند وضع النواة التنظيمة الأولى للحركة بزعامة راشد الغنوشي واحميدة النيفر وعبد الفتاح مورو وعدد من الشيوخ الذين شاركوا في الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي مثل الشيخ عبد القادر سلامة.

تنويه بمنهج الثورة الإيرانية في التغيير

وقد نشرت مجلة “المعرفة” مقالات كثيرة تنويها بالثورة الإيرانية ومنهج زعمائها ومناضليها في التغيير، بعضها كتبها الأساتذة راشد الغنوشي واحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي والحبيب المكني.

وتواصلت نفس الظاهرة لاحقا في مقالات نشرها قياديون في الحركة أو مقربون منها في صحف خاصة اتفقوا مع أصحابها على “تأجيرها” من بينها “المجتمع” ، وكان صاحبها “معتمدا” سابقا (أي نائب الوالي أو المحافظ) والثانية “الحبيب” وصاحبها ضابط أمن سابق.

المواجهة السياسية الأولى مع السلطات

نجح عبد الرؤوف بولعابي و”الجيل الثاني” من المؤسسين للاتجاه الإسلامي التونسي أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات بالتعاون مع قياديين ومؤسسين من “الجيل الأول” بزعامة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وصالح كركر والحبيب المكني وبنعيسى الدمني والفاضل البلدي ونجيب العياري، في تطوير إشعاع الحركة في الجامعة وفي البلاد.

ونجحوا في أن يفتكوا لها “كرسيا” في صالونات النخب السياسية الليبيرالية والحقوقية والأطراف السياسية الجديدة بزعامة حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

كما افتكوا لها فضاءات جديدة في المنابر الإعلامية التابعة للمعارضة الليبيرالية واليسارية مثل “الرأي” و”المستقبل” و”لوفار” و”الطريق الجديد” و”الأنوار” و”البيان”… ثم في بعض الصحف اليومية والأسبوعية الخاصة القديمة مثل “الصباح” و”لوطون” و”حقائق” و”المغرب” و”الشروق” و”الاخبار” و”تونس هبدو”..

لكن “التضخم” السريع لحجم الإسلاميين في الجامعة وخارجها وانحيازهم إالمعارضين لنظام بورقيبة بزعامة أحمد المستيري ولاتحاد نقابات العمال بزعامة الحبيب عاشور والثورة الشعبية الإيرانية أزعج السلطات الأمنية والسياسية وصقور الحزب الحاكم فقرروا توجيه ضربة قوية لهم.

وساعد على الدفع في هذا الاتجاه معارضون للنظام من الخصوم الأيديولوجيين تاريخيا لتيار الإخوان المسلمين  و”الإسلام الاحتجاحي” داخل بعض الحركات اليسارية الماركسية والتيارات العلمانية اليمينية العلمانية المتشددة، على الطريقة “الجاكوبية” الفرنسية .

جيل “الاستراتيجية” و”التأسيس”

واستفحل التوتر بين السلطات وبعض رموز “النخبة العلمانية” و “المعارضة الوظيفية” من جهة وقيادة الاتجاه الإسلامي من جهة ثانية بعد أن تجاوز النشطاء الإسلاميون في الجامعة وفي البلاد “الصبغة الدعوية التوعوية الدينية التقليدية”. وانخرطوا في النضال الاجتماعي والنقابي والسياسي المحلي والإقليمي والدولي، وتبنى بعضهم مقولات غرامشي عن رسالة “المثقف العضوي”.

وكشفت تصريحات مسؤولي وزارة الداخيلة بقيادة ادريس قيقة وفي قيادة الحزب الحاكم وقتها بزعامة محمد الصياح وعامر بن عايشة ومحمد شرشور منذ نهاية السبعينات قرارا لاستئصال “مشروع الصحوة الإسلامية” بشقيها الدعوي والسياسي وإيقاف مسار تفجير ثورة اجتماعية وشبابية “يسارية” متأثرة بشعارات الثورة الإسلامية الإيرانية”.

وانزعجت السلطات أكثر عندما أعد عبد الرؤوف بولعابي ونخبة من رفاقه الجامعيين في صائفة 1980 أدبيات ودراسات متنوعة ومطولة عن تاريخ البلاد والحركة الوطنية والجامعة والنقابات والمنظمات الطلابية والعمالية بلوروا بعدها “استراتيجية شاملة للتغيير”.

ونجت تلك الأدبيات في التنظير للقطيعة مع النظام الحاكم في البلاد وفي النظامين العربي والدولي وإلى تأسيس اتحاد طلابي مستقل عن حزب بورقيبة وعن المنظمات التي اكتشفوا أن لوائحها ومقررات كل مؤتمراتها تؤكد عدم استقلاليتها، بينها الاتحاد العام لطلبة تونس.

وبلغ التوتر أقصاه لما تصاعدت التحركات الاحتجاجية في الجامعات والمعاهد الثانوية بعد مظاهرات وسط العاصمة والمدن الكبرى يومي 18 و20 شباط (فبراير)1981، بينها 5 مسيرات شارك فيها عشرات الآلاف من الشباب التلمذي والطلابي والعمالي انطلقت في نفس التوقيت ظهر يوم 18 شباط (فبراير) من 5 ساحات رئيسية في العاصمة: شارع الحبيب بورقيبة وساحة باب سويقة ومحطات النقل العمومي في ساحة برشلونة والبساج / حديقة الحبيب ثامر ومن باب الجزيرة.

وتخوفت السلطات من “مراجعات الجيل الثاني من قيادات الإسلاميين” لمنهجهم الفكري والسياسي والدعوي السلمي التقليدي ومن تبنيهم جانبا من خطابات التغيير الشامل و”إسقاط النظام العميل” وغيرها من أدبيات الثورة الإيرانية من جهة واليسار الطلابي الراديكالي القومي والماركسي اللينييي وزعامات حركات “العامل التونسي” مثل “الشعلة” و”الوطد” و”الطليعة” من جهة ثانية.

وكان التخوف أكبر عندما نجحت قيادة حركة الاتجاه الإسلامي خارج الجامعة في إقناع رموز الحركة الطلابية الجدد، بزعامة عبد الرؤوف بولعابي، بالإنخراط معها في نفس التنظيم، بقرار استثنائي في موفى 1979 توج باجتماع “استراتيجي” ضم حوالي 60 من كوادر الجامعة عقد ليلا في معهد خاص وسط العاصمة في جهة الحلفاوين، ثم بمخيم ثقافي سياسي رياضي فكري في غابة الرمال في بنزرت، 50 كلم شمالي العاصمة تونس، في موفى كانون ثاني (يناير) 1980.

وكرس الحدثان توسع قاعدة المصالحة بين الحركتين الطلابية والشعبية وانحيازا للفريق المؤسس والقيادي الأول بزعامة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وصالح كركر ورموز “مؤتمر منوبة 1979” الذي طور أدبيات “التأسيس الأول للجماعة الإسلامية” في نيسان (أبريل) 1972 .

تنازلات وتصعيد

أسفرت التحركات الطلابية التلمذية الشبابية في الجامعات والمعاهد والشوارع في كانون ثاني (يناير) وشباط (فبراير) وآذار (مارس) 1981 عن بروز “ظاهرة الإسلام الشبابي الاحتجاجي”.

لكنها أسفرت كذلك عن قرار رسمي اتخذته رئاسة الدولة والحكومة لأول مرة يقضي بحل خلايا الحزب الحاكم في الجامعات وكل المعاهد والمدارس، تحت شعار “عدم تسييس التعليم”، بما فيها منظمتا “الشبيبة البورقيبية” و”الشبيبة المدرسية”.

لكنها أسفرت كذلك في الكواليس عن قرار القضاء على مشروع “الجيل الثاني للمؤسسين” بقيادة عبد الرؤوف بولعابي ورفاقه أعضاء “مجلس الجامعة” وبقية رفاقهم قادة هذا الحراك الطلابي الشبابي الشعبي “الثوري”، وبينهم محمد علي التوزري (المنسق العام بين الحركتين الطلابية والتلمذية) ومحمد بن نصر ومبروك قريرة والهاشمي المدني وكمال الغزي وفوزية المرشاوي ( كلية الاداب والعلوم الانسانية) وعبد القادر الطرابلسي وعبد العزيز التميمي ونجيب حسني وسعيدة البحيري وجنات بن عبد الله ومكي الشريف (كلية الحقوق) وكمال بن يونس وزهير بن يوسف ومصباح الباشا وسعاد الغزي ومحمد الطاهر ميساوي (دار المعلمين العليا) وحسين الجندوي وحمزة حمزة بن عبد الله (كلية العلوم) وتوفيق حمادي ومنصف السليطي (المدرسة الوطنية للمهندسين) والازهر عبعاب والمنجي معاد (المدرسة العليا للادارة) ومصطفى الونيسي (عن كلية الشريعة).. وعلي العريض (عن جامعة سوسة) ومنصف بوعزيز (عن جامعة صفاقس)… ومجموعة الإسلاميين والمستقلين من الطلاب من رموز “التظاهرات الثقافية” وكتاب بلاغات الحركة الطلابية والصحيفتين الحائطيتين الدوريتين “الحدث السياسي” و”الحدث الثقافي”.. فضلا عن عدد من الجامعيين والنشطاء القياديين في الجهات وفي العاصمة تونس..

وشمل القرار لاحقا دفعات أخرى من القيادات التلمذية والطلابية والشبابية، بعضها سجن وبعضها الآخر هاجر في الأعوام الموالية.

وتوسعت حملة القمع فشملت القيادة التأسيسية لحزب حركة الاتجاه الإسلامي بصيغته القانونية التي أعلن عنها في 6 حزيران (يونيو) 1981 بما في ذلك هيأتها التأسيسية الموسعة والقيادة العلنية الأولى الجديدة بزعامة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وبنعيسى الدمني والحبيب المكني وزاهر محجوب… ثم الهيئات التي استلمت المشعل بعد ذلك بزعامة علي العريض وحمادي الجبالي وشمس الدين حمودة وعلي بوراوي ورفاقهما..

مناظرات “الإرادة” و”الرسالة”

فتحت وفاة الزعيم الإسلامي الشبابي عبد الرؤوف بولعابي مناسبة نوه فيها رفاقه وتلامذته بخصاله النضالية والإنسانية وانفتاحه مبكرا على “الآخر” وبثراء المدرسة التونسية المغاربية وخصوصياتها وبنجاحها مبكرا في تكريس قدر كبير من التوازن بين الحداثة والأصالة، بين الاجتهاد واحترام المرجعيات الإسلامية.

وقد نوه رفاقه بنجاحه مع نخبه من رفاق الطريق داخل تونس ثم في المنفي في تحقيق إنجازات علمية وسياسية كثيرة مع عدد من رفاقه في منفاهم منذ محاكمات صائفة 1981، بينها إعداد رسالة دكتوراه في علم الاجتماع في جامعة “السوربون” بباريس.

وكانت من بين إضافات بولعابي وعدد من المقربين منه في منفاهم بباريس فتح مناظرات فكرية سياسية عبر صحيفتين داخليتين “الإرادة” و”الرسالة” منذ 1982.

وقد كانت “الارادة” رمزا للدفاع عن “خصوصيات الاتجاه الإسلامي التونسي”، وعن “الخط الإسلامي الوطني التحرري الثوري” المناصر للثورة الإسلامية الإيرانية وعن “تقديم قراءات نقدية ومراجعات فكرية وسياسية لأدبيات جماعة الاخوان المسلمين” وقياداتها في المنفى ولمسيرتها.

وكان من أبرز أعمدة “الارادة” عبد الرؤوف بولعابي ومحمد بن نصر وصالح التقاز وتوفيق حمادي والازهر عبعاب وحسن بوسليمي ورفاقهم في المنفى من رموز الجامعة والحركة الطلابية…

في المقابل دافعت “الرسالة” عن “الوفاء للخط الاخواني” وعن براغماتية الشراكة والتعاون مع قيادات “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين” للتعريف بمظلمة المساجين واللاجئين الإسلاميين وقمع النظام التونسي لهم والحصول على دعم إعلامي ومادي لهم ولعائلاتهم.

وفي مرحلة تبين أن المناظرات بين الفريقين ساهمت في ترشيد خطابهما وتقريبه، خاصة بعد الافراج عن القيادة التاريخية للاتجاه الإسلامي في صائفة 1984 والسماح لقيادات المهجر بالعودة تكريسا لمصالحة سياسية مع بورقيبة ورئيس الحكومة محمد مزالي ساهم في إنجازها محامون وقياديون من رابطة حقوق الإنسان وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين بينهم حمودة بن سلامة وصلاح الدين الجورشي وخميس الشماري والمحاميان فتحي عبيد ومحمد النوري.

وقد دعمت جهود المصالحة بعض وسائل الإعلام من بينها “الرأي” و”المستقبل” و”الصباح” و”الشروق” و”الأنوار”.

تيار النهضة والإصلاح والنضال الوطني

اقتنع عبد الرؤوف بولعابي ورفاقه الشبان زعماء “جيل التأسيس الثاني” للتيار الإسلامي السياسي التونسي منذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات بما كشفته الصحافة الوطنية في عهد الاحتلال الفرنسي وبعده وأكدته دراسات المؤرخين الجامعيين الحداثيين والعلمانيين، من كون “الصحوة الشبابية الإسلامية” في تونس والدول المغاربية لم تكن مجرد ردة فعل سياسية ظرفية على أخطاء الحكومات في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، بل كانت “ظاهرة متعددة الأبعاد” أفرزها واقع مجتمعي وسياسي معقد مليء بالتناقضات الثقافية والعقائدية.

كشفت منشوراتهم وبعض أدبياتهم في صحيفة “الحدث” الحائطية ثم في الصحافة الوطنية أن من بين مميزات الصحوة الشبابية التونسية أنها كانت مبكرا منفتحة على الآخر ومؤمنة بالتعدد.

انحاز عبد الروؤف بولعابي ورفاقه في الجيل التأسيسي الثاني لأسباب عديدة إلى راشد الغنوشي والموالون له ما بين 1979 و1981 في مرحلة خلافاتهم حول الزعامة ومسائل فكرية سياسية داخلية برزت بحدة في مجلة ” المعرفة ” وخارجها مع مع بعض رموز”اليسار الاسلامي” أو “الاتجاه الجديد” بزعامة الأساتذة احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي والمنصف القلعي.

وبصرف النظر عن الفائزين والخاسرين في تلك المناظرات الفكرية والسياسية داخل البلاد وخارجها، فإنها ساهمت في إثراء الخطاب الفكري والسياسي لكل الأطراف وإلى تراكم النضالات الحقوقية والسياسية باسم “التنظيم” ومن خارجه وإلى مسار طويل من التفاعل مع “الآخر” العلماني واليساري والإسلامي، بما شجع دور النخب في التجديد الفكري الإصلاحي والتغيير الثقافي والاجتماعي والسياسي والنضال الوطني.

انفتح الحراك الشبابي الإسلامي على خريجي علماء المدارس المنفتحة على الثقافات الأوروبية والفرنسية المعاصرة، مثل “الصادقية” و”الخلدونية” ومعهد كارنو الفرنسي، وعلى رواد الإصلاح من خريجي جامعة الزيتونة ومناضليها داخل الحركتي الطلابية والوطنية منذ بدء تحركات اساتذتها وطلبتها عامي 1910 ـ 1911.

كما استوعب مبكرا انخراط سائل الإعلام والجمعيات الثقافية والاجتماعية والنقابات والمجتمع الأهلي في معركة الدفاع عن الهوية الوطنية والكفاح ضد سياسات سلطات الاحتلال، بدءا من جمعيات الكشافة والشبان المسلمين والصادقية والخلدونية وبقية الجمعيات الادبية والثقافية والرياضية.

تفاعل مع الجامعيين العلمانيين

انفتحت نخبة من الجيل المؤسس الثاني لـ”الاتجاه الإسلامي التونسي” على أساتذة الجامعة التونسية الأوروبيين وخريجي الجامعات الأوروبية، بمن فيهم ثلة من المختصين في الدراسات الحضارية والفلسفية والعلوم الانسانية وفي الأديان المقارنة والاقتصاد والقانون والفقه وعلم الأصول مثل هشام جعيط ومحمد الطالبي وتوفيق بن عامر وعبد المجيد الشرفي والبشير التركي وعبد المجيد النجارواحميدة النيفر وكمال عمران ومحمد الهادي الشريف وعبد الحميد هنية وعبد الجليل التميمي وعبد الباقي الهرماسي وعبد القادر الزغل وعبد الوهاب بوحديبة ومحمد اليعلاوي ومحمد بن عبد السلام وحافظ ستهم وأحمد القصاب وعلي المحجوبي والبشير التليلي ورضا الامين وعمار المحجوبي ونور الدين الدقي ونبيل قلالة والحسين الجعايدي وحمادي بن جاء بالله والمنصف الشنوي.. الخ

كما انفتحت هذه النخبة القيادية التأسيسية على أدبيات تيار الاصلاح الفكري والديني منذ العلامة محمد بيرم الاول في القرن 18 ( 1718 ـ 15 ـ 1800) إلى بيرم الخامس ( 1840 ـ 1889) والمصلح الكبير سالم بوحاجب (1827 ـ 1924) والوزير التحديثي خير الدين باشا التونسي (1800 ـ 1890) والمفكر أحمد ابن أبي الضياف (1802 ـ 1874) و الزعيم الوطني والاسلامي العملاق عبد العزيز الثعالبي (1876 ـ 1944) والمجدد في علم الأصول الطاهر بن عاشور (1879 ـ 1973) والزعيم الوطني والنقابي الاسلامي الفاضل بن عاشور( 1909 ـ 1970) والمفكر والمصلح الاجتماعي الثوري الشيخ الطاهر الحداد ( 1899 ـ 1935)…

وشيدت هذه النخبة مبكرا جسورا مع رموز تيار النهضة والإصلاح والتجديد في الجزائر والمغرب وليبيا بزعامة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين واتحاد طلبة شمال إفريقيا المسلمين ومكاتب المغرب العربي للحركة الوطنية المغاربية في القاهرة ودمشق وبرلين وأدبيات “ابن رشد القرن العشرين” المفكر والمصلح الجزائري مالك بن نبي وزعماء حزب الاستقلال و”التيار السلفي التحديثي” المغربي ثم مع كبار المفكرين المغاربين أمثال محمد عابد الجابري وعبد الله العرويي ومحمد أركون..

بل اعتمدت هذه النخبة في تظاهراتها الثقافية والسياسية أدبيات زعماء حركات التحرير الوطني التونسية والجزائري من خريجي الجامعة الزيتونية والجامعات الاوربية ممن يحملون “جنسية مزدوجة” مثل أحمد توفيق المدني وعبد العزيز الثعالبي وشاعر الثورة في الجزائر وتونس مفدي زكرياء والرئيس الجزائري خريجي الجامعة الزيتونية هواري بومدين (اسمه الحقيقي محمد بن ابراهيم بوخروبة).. وزعماء حزب الاستقلال علال الفاسي وعبد الكريم غلاب ورفاقهما من رموز “التيار الاسلامي السلفي الوطني المنفتح ” وزعماء الكفاح الوطني الليبي مثل سليمان الباروني وعمر المختار وزعماء الحركة السنوسية..

من مؤتمر مرناق إلى مؤتمر منوبة

يمكن تصنيف عبد الرؤوف بولعابي ورفاقه ضمن فريق المناضلين المخضرمين الذين بدأوا مسيرتهم مع التجارب الإصلاحية الدنيية والمجتمعية الأولى المتأثرة في نفس الوقت بـ” الجماعة الإسلامية ” وزعمائها بقيادة استاذ الفلسفة راشد الغنوشي وبتراث القادة المؤسسين  لحركة الاخوان المسلمين في مصر وسوريا وجماعة “الدعوة والتبليغ” الهندية الباكستانية ورموزها التونسيين والمغاربيين المؤثرين في فروعها الأولى في فرنسا والدول المغاربية مثل محمد الهمامي و”يونس من تونس” ومحمد الحمداوي …

كما تأثر هذا الجيل المخضرم بخطباء ومربين يرمزون إلى ما تبقى من الزيتونة ورموزها مثل المشايخ عبد الرحمان خليف الإمام الخطيب في جامع عقبة بن نافع في القيروان والمشايخ محمد الصالح النيفر وعبد القادر سلامة وأحمد بن ميلاد وحسن الخياري والشاذلي النيفر ومحمود الباجي والبشير العريبي ومحمد الحبيب المستاوي ومحمد الزغواني ..

في نفس الوقت يرمز عبد الرؤوف بولعابي إلى “جيل مخضرم” عاش مع القيادة السرية المؤسسة للجماعة الإسلامية تجارب تنظيمية وفكرية مختلفة من مؤتمرها التأسيسي السري الأول في ضاحية مرناق جنوبي العاصمة تونس عام 1972 إلى مؤتمرها الأول بعد خوضها تجارب التسييس العصرية الأولى والذي عرف بمؤتمر منوبة 1979.

وقد كان بولعابي من بين مجموعة صغيرة من طلبة الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية التي شاركت في هذا المؤتمر بحكم انتمائها لتنظيم” الجماعة الإسلامية ” بزعامة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وصالح كركر.

تزعم بولعابي ورفاقه حراكا احتجاجيا وثقافيا سياسيا إسلاميا غالبيته الساحقة من عموم الطلبة والشباب التلمذي والعمالي ممن كانوا مستقلين فكريا وتنظيميا عن مدرسة الاخوان المسلمين وعن “الجماعة الإسلامية التونسية الاولى” بل كان أغلبهم لا يعلم بوجودها وبمفهوم “التنظيم السري” أصلا، بما في ذلك بعض الخطباء البارزين في الجوامع والاضرابات والتحركات في الجامعات والمعاهد الثانوية والتجمعات الشعبية مثل الأعراس والمآتم.

غيب القمع عبد الرؤوف بولعابي عن الساحة التونسية منذ 1981، بعد أن كان الصراع مع المرض الخبيث في مستوى الفم والحنجرة والانف طوال 17 عاما قد حرمه من لعب دور مباشر في الصفوف الاولى في تونس قبل ثورة كانون أول (ديسمبر) 2010 ـ كانون ثاني (يناير) 2011 وبعدها..

لكن الجنازة الوطنية التي نظمت له والاجماع على التنويه به وبخصاله وإضافاته قد يساهم في ترشيد المناظرات الفكرية والسياسية التي تجري حاليا في تونس والدول المغاربية والعربية حول خصوصيات الحركات السياسية والثقافية الإسلامية ونسبة ولائها للوطن وبقيم الدولة الوطنية الحديثة ودستورها.

كمال بن يونس
المصدر: عربي 21 بتاريخ 20 جوان 2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق