تحاليل

البريكي وبسمة والوطد ومن قتل شكري؟ (2 من3)

بقلم :  عبد الله الكافي

 

تضمن الجزء الأول من هذا التحليل تعريفا موجزا بفسيفساء مكونات رما يعرف بالتيار الوطني الديمقراطي (الوطد ومشتقاته)، كما بينا كيف تلتقي موضوعيا مسارات التاريخ مع ثنايا البحث حول الفاعلين الرئيسيين في عملية اغتيال الشهيد “شكري بلعيد”، ثم استعرضنا الإرهاصات الحالية لملف الاغتيال والأسئلة المعلقة…

أما في هذا الجزء الثاني فنستعرض مسارات وتغيرات كل من طليقة الشهيد بلعيد بسمة الخلفاوي وأهم رفاقه التاريخيين وأمين عام حركة تونس إلى الأمام “عبيد البريكي” ودورهما التوظيفي للقضية …

** بسمة وتغييرها للتموقعات بين النداء والجبهة والآخرين

أ- تعاملت طليقة بلعيد من البداية بعدم الوضوح مع الرأي العام عبر المغالطة أولا وغياب رؤية للتعاطي مع تطورات الأحداث ثانيا، حتى أنها لم تضع نصب عينيها معرفة الفاعل الحقيقي أو بالأحرى الجهة التي خططت للجريمة الدنيئة، وكل ذلك افتراضا أنها لم تشارك بوعي أو بدون وعي في بعض من أجزاء الجريمة بدء من رفض إعطاء أقوالها في البداية والتحجج بوضعها النفسي ليتبين في الأخير أنها أخفت جزء من خصوصيات الشهيد ومتعلقاته المعلنة والمعروفة فما بالك بما هو غير معلوم إلى حد الآن من أشياء ومعطيات وأسرار، والحقيقة أن كل الأطراف القريبة فكريا وسياسيا وعائليا من الشهيد لم تسع إلى ذلك ونسوا أو تناسوا أن القاعدة الأساسية في مثل هذه الجرائم أنها تُبنى تخطيطا وتنفيذا على اختراق الإطار الضيق للضحية والاعتماد عليه في تنفيذ الجريمة وفي حد أدنى الحصول على معطيات دقيقة وهامة منه، وكان مطلوبا من الجميع وأولهم “بسمة الحلفاوي” تحديد الشخص أو مجموعة الأشخاص من المحيط الضيق الذين اعتمد عليهم المجرمون ولكنها لم تفعل واستغلت الظروف والملابسات وطبيعة الوضع والتجاذب السياسي الحاصل للتورية بل القفز إلى مناورات أخرى عبر الحصول على منافع وامتيازات ومن خلال زيارات مكوكية إلى باريس وبقية عواصم أوربية والى مراكش ومدن عربية أخرى وحضورها للمناسبات والفعاليات المتعددة، والأكيد أنها اعتقدت أن الاتهامات المركبة لحكومتي الترويكا والنهضة ستبقى قائمة وان السيناريو المصري من الممكن أن يتكرر في تونس وانه لن يتم العودة مجددا للبحث عن الحقيقة عبر التدقيق في التفاصيل…

ب- بنت طليقة بلعيد خطابها واستراتيجياتها على تلبيس الجريمة للنهضة ونسيت أن هناك مقولة تتجسد دوما وهي “يا قاتل الروح وين تروح”، وبالتالي فان القتلة والمخططين طال الزمن أو قصر ستعرف بكل تفاصيلها، كما نسيت أن من اجتمعوا بالأمس لتوجيه السفن نحو مسار معين سيختصمون اليوم أو غدا لكشف ملابسات ذلك الاجتماع وليكونوا بوصلة لفتح كل أطوار الجريمة ومن شارك فيها رصدا وتخطيطا وتنفيذا وتغطية على الفاعل الحقيقي، أي “من خطط؟، من أمر؟، ومن نفذ؟”، وهي العبارات التي استعملتها هي نفسها ورددها قبلها وبعدها سياسيون وإعلاميون يدورون في ركب “السيستام”…

ت- لقد سارعت الخلفاوي إلى المشاركة في مسار توظيف دم بلعيد بكل أطواره فركبت حصان “الجبهة الشعبية” حتى أن البعض اعتبرها وأعتقد فعلا أنها رفيقة بلعيد قبل أن تكون زوجته ثم طليقته، وقد اعتبر البعض الخلفاوي من مؤسسي “جبهة الإنقاذ” المشكلة في صائفة 2013 ضمن مسار توظيف اغتيال الشهيدين “بلعيد والبراهمي” سياسيا وتجاريا قبل أن تكون قريبة من مرزوق وبعض القيادات الندائية قبل ظهور الشقوق أثناء حملتهم الانتخابية ولتُجري مقابلات صحفية وتحضر لقاءات واحتفاليات وفعاليات الحزب بناء على ذلك حتى أنها كانت أول الحاضرين في حملة الحزب ومرشحه الرئاسي يومها في شارع الحبيب بورقيبة قبل يومين فقط من الاستحقاق الانتخابي سنة 2014، ولتُساهم لاحقا في الخلافات داخل الجبهة ولتطلق اتهامات لحمة الهمامي ثم في مناسبة ثانية لعبد الناصر العويني ثم لقيادات أخرى من الجبهة واليسار، ثم لتغيب شهورا ولتعود كل مرة عبر خطاب توظيفي ويتكرر ذلك ولتظهر بأكثر فعالية بالتوازي مع إطلاق حكاية ما يعرف ب”الجهاز السري” ولتقول بوضوح أنه مطلوب أن لا تشارك حركة النهضة في انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية  ثم يخيب أملها بسقوط الرهان وخاصة بعد ظهور المحامي “بشر الشابي” على قناة التاسعة مسقطا وفي دقائق معدودة كل رهاناتها ورهانات تُجار الدم وتوظيف قضية طليقها الشهيد شكري بلعيد، ولم يعد لها من حل سوى أن تركب بالتوازي رهانين اثنين:

أ- دعم لمبادرة “محامون ضد التمكين” كبديل فعلي وموضوعي لما سمي ب”الجهاز السري” الذي طالما راهنت الخلفاوي على تمريره وتصديق الرأي العام له مع كل رفاقها في لجنة الدفاع عن الشهيدين “بلعيد والبراهمي”…

ب- تفعيل انتمائها وعضويتها للحزب الوليد والمؤسس حديثا “حركة تونس إلى الأمام”..

** البريكي بين حزب اليسار الكبير إلى باتيندة “حركة تونس إلى الأمام”

أ- عرف عن عبيد البريكي أنه من قيادات اليسار الماركسي الذين يركبون موجة الأحداث ويسيرون سير الرابحين وهو مسار انطبع به منذ كان طالبا في الجامعة متبنيا للفكر الماركسي اللينيني وهو ستاليني الهوى والمنطق وعرف عنه ترديد مقولات العنف الثوري وأنه من بين الذين تغنوا في بداية الثمانينات بأن “الديمقراطية هي أثاث البورجوزاية”، وهو أصيل مدينة جرجيس الجنوبية والساحلية وقد درس في مدن عديدة وأساسا في باجة ومدن الشمال، وهو أيضا أحد نقابيي التعليم المعورفين، وقد تجنب مثله مثل اغلب الوطدييين محاكمة نظام السابع لمعارضيه السياسيين مصطفا وراء النقابي أحمد الكحلاوي والذي قدمه وأعطاه الفرص لينقلب عليه لاحقا عبر تحالفات معقدة ليحتل موقعا في المكتب التنفيذي للمركزية النقابية ضمن مسار المهادنة الذي قاده عبدالسلام جراد حتى أنه اشتغل وكُلف بمشروع صندوق التأمين على المرض رغم هناته التي لا تعد ولا تحصى والتي كرس بها نظام المخلوع ضرباته لقطاعي الصحة والشؤون الاجتماعية، وبغض النظر عن تقييم مسار البريكي قبل الثورة وبعدها فقد عاد  الرجل وزيرا في حكومة الشاهد الأولى مسقطا مقولته أنه لن يكون ضمن فريق حكومة تضم النهضة بل وليخدم هذه الأخيرة بان كذب كل ما قيل حول مقولة “التعوضيات واختراق النهضة للإدارة والسيطرة على مفاصل الدولة” وقبل ذلك وبعده لم يقم بالريكي بأي خطوة فعلية ليدافع عن كشف حقيقة اغتيال بلعيد سواء قبل أو بعد توزيره  ولا أثناء رفعه لشعار “بناء حزب اليسار الكبير” والذي كان هو أهم دافنيه كحلم تاريخي لأجيال من الماركسيين واليساريين …

ب- الثابت اليوم أن البريكي وقبل وبعد مشاركته في فعاليات في لقاء وزاري في دولة الإمارات قد سعى لتأسيس حزب بعقلية ربحية انتخابية والتقط مسار توظيف دم بلعيد ليشكل حزب ضمن قياديته الرئيسية “طليقة بلعيد” وشقيقيه والنقابي السابق المثير للجدل “عدنان الحاجي” موظفا عضويته السابقة للمكتب التنفيذي للاتحاد بانيا مساراته الأولى بمنطق تسيير الاتحاد أيامات مؤتمر الكرم ومتحالفا أخيرا ضمن ما يعرف بالعائلة الديمقراطية الاجتماعية مع بعض الليبراليين الجدد على غرار قياديي حزب نجيب الشابي الجديد وقيادات الجمهوري وحزب المسار الاجتماعي وبعض مكونات أخرى ..

ت- بنا البريكي إستراتيجيته على فعل سياسي ظرفي عبر الارتهان للوقائع ورهن الحزب لتوظيف دم بلعيد والدليل ركوبه موجة الدفاع بحماسة عن طليقة بلعيد ومفاجأة الرأي العام أن هاتف بلعيد المبحوث عنه منذ ست سنوات هو على مكتبه وهو ما يُحيل إلى أسئلة حارقة ومتعددة من بينها أين هم المغيبين في القضية على غرار الصحفية الشاهدة والمتوارية منذ عملية الاغتيال، أو في الاختفاء المبرمج للسائق سواء كان شاهدا أو متهما في القضية إضافة إلى بعض المعتقدين في الإفلات من العقاب ومن بينهم رجال أعمال وقياديين سياسيين وبيادق مباشرة لاستخبارات أجنبية بعضها إقليمي والآخر دولي…               

 يــتــبــع في الحلقة الثالثة والأخيرة: بقية المغيبين والسائق المتواري والآخرين المعتقدين في الإفلات من العقاب

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية ، العدد 114، بتاريخ 4 جويلية 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق