تحاليلموريتانيا

وسط مشهد إقليمي معقد ومتقلب … موريتانيا: المتغيرات السياسية المنتظرة بعد فوز “ولد الغزواني” في الرئاسيات  

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

++ مقدمة

بعد إجراء الانتخابات الرئاسية يوم 22 جوان الماضي وإعلان المجلس الدستوري خلال الأيام الماضية فوز “ولد الغزواني” بشكل نهائي ورفض طعون منافسيه الرئيسيين، تقف موريتانيا على عتبة تغيير سياسي حاسم، وسط مراقبة كثيفة من الخارج والداخل حول تأثير التطورات التي تعيش على وقعها كل من الجزائر والسودان، على الوضع في موريتانيا خاصة وأن التنافس الانتخابي دار في أجواء تنافسية كبرى اشتعلت فيها حمى توجيه الاتهامات بين السلطة والمعارضة إضافة إلى الاجتجاجات التي أعقبت إعلان النتائج، وهو ما يعني أن البلد سيشهد انتقالا ديمقراطيا تشوبه العوائق والتحديات الجسام بسبب الهنات والتجاوزات التي عرفتها موريتانيا أثناء الحملة الانتخابية واتهام المعارضة باستعمال المرفق العام لصالح مرشح “السيستام”، إلا أن السياق الاجتماعي والسياسي والإقليمي في هذه الفترة الحرجة يمكن أن ينتهي بها إلى مسار سياسي متعثر في بلد تعددت فيها خلال العقود الماضية الانقلابات العسكرية، فما هي المتغيرات السياسية المنتظرة وخاصة مع بداية أوت/أغسطس القادم أي بالتوازي مع تسلم الرئيس الجديد لمنصبه خلفا لــ”ولد عبد العزيز” بطريقة وسمت أنها لعبة مماثلة للعبة “ميدفيف/بوتين”؟

  ++ العوامل المؤسسة لواقع موريتانيا المستقبلي ضمن المسار الإقليمي 

أ- من المعلوم أن عين المجتمع الدولي تتابع باهتمام ما يجري في الجزائر والسودان من تطورات، فيما تتجه عينه الأخرى صوب موريتانيا، التي تقف على عتبة تغيير سياسي حاسم، حيث شهدت بدورها تحركات ومظاهرات بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والتي فاز فيها “ولد الغزواني” بــ 52 بالمائة وبفارق كبير على منافسيه الرئيسيين والذين اعترضوا على النتائج المصرح بها….

ب- تحمل موريتانيا الكثير من الخصوصيات الإستراتيجية التي تجعلها محط اهتمام العالم المشغول بعودة الحديث عن الجهاديين في أفريقيا، كما أن التنافس التجاري والعسكري في المنطقة الشمال- إفريقية سيضع البلد ضمن استراتيجيات العديد من القوى الدولية والإقليمية…

ت- موريتانيا وكما هو معلوم محط أعين اهتمام الإسلاميين نتاج اعتدال وبراغماتية الخطاب السياسي لحزب “تواصل” وبناء على نتائجه المهمة في بلديات وتشريعيات 2017 وبناء على إستراتيجيتهم في التطور التنظيمي والاجتماعي مُحاولة منهم للنسج على منوال حزبي “حركة النهضة” في تونس وحزب “العدالة والتنمية” في المغرب….

ث- عمليا هناك إحساس لدى المعارضين الموريتانيين أنهم انتصروا نسبيا على النظام رغم فوز “ولد الغزواني” في رئاسيات 22-06-2019، حيث أنهم أجبروا الرئيس المنتهية ولايته “محمد ولد عبدالعزيز” على عدم الترشح واحترام الدستور، كما عبّرت المعارضة منذ أشهر عن قلقها إزاء إقدام السلطات على تنظيم انتخابات، في ظروف غير شفافة حسب رأي زعمائها والذين انتقدوا يومها تركيبة “اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات”…

ج- رغم بعض الإصلاحات التي تشدق بها الرئيس المتخلي “محمد ولد عبد العزيز”، إلا أن البلاد ترزح عمليا تحت كم هائل من المشاكل الاجتماعية المُزمنة، والمترتبة على وضع اقتصادي مُترهل، بالإضافة إلى الوضع الأمني الدقيق والحساس، حيث يظل تهديد الإرهاب الجهادي مستمرا عبر الحدود مع مالي….

ح- يرى عدد من المتابعين للشأن الموريتاني وبعض الباحثين الموريتانيين أن موريتانيا يمكن أن تحذو حذو السودان والجزائر، مستحضرين احتجاجات سنة 2011، التي جاءت كتفاعل مع نجاح ثورتي مصر وتونس وأوضاع عدد من البلدان العربية الأخرى، واليوم يتكرر سيناريو التأثر بالجزائر والسودان، ورغم أن التحركات التي يشهدها الشارع الموريتاني، هي سياسية بالأساس وهادئة ولكنها عميقة وقابلة للتراكم الكمي وهو ما يعني أن البلاد تقف عند مفترق حاسم…

خ- يربط أغلب المحللين والمتابعين للشأن الموريتاني بين شغف الموريتانيين بالتغيير وطبيعة الرئيس المنتخب الجديد، وهل سيواصل السير على نفس نهج “ولد عبد العزيز”؟، وهل سيقوم بالإصلاحات الضرورية؟، أم سيغرق البلاد في دوامة الفوضى والاحتجاجات عبر بقائه أسير لاملاءات “السيستام”؟

د- تبدو الحكومة الموريتانية قلقة من التحديات التي تطرحها قوى المعارضة وخاصة الإسلاميين والذين تتهمهم موريتانيا ومكونات المحور الاماراتي/السعودي/المصري بأنهم يسعون إلى الدخول عبر الثغرات التي يولّدها غياب الثقة المزمن بين الحكومة والشعب، في حين يتهم إسلاميو موريتانيا وحلفائهم السلطة الحالية بأنها توالي قوى دولية وإقليمية على حساب انتظارات الموريتانيين…

ذ- السباق الرئاسي وفقا لبعض المتابعين بين أن النظام الموريتاني غير قادر على التطور بعد 11 عاما من قيادة “ولد عبد العزيز”، وانه على النخب الموريتانية أن تكون قادرة على تعبئة الشارع بطرق سلمية وعبر طرح البدائل، لان الحكومة الحالية ساعية عمليا إلى احتواء التحديات المتزايدة، وعبر السعي للحفاظ على الهيمنة وهو ما يعني أن المعارضة ستكون أمام تحدي تحويل ذلك إلى محرك للتغيير الاجتماعي والاقتصادي…

++ خلاصات أساسية للوضع المستقبلي في موريتانيا

  • تحمل موريتانيا الكثير من الخصوصيات الإستراتيجية التي تجعلها محط اهتمام العالم المشغول بعودة الحديث عن الجهاديين في أفريقيا، كما أن التنافس التجاري والعسكري في المنطقة مع دخول قوى صاعدة لها سيجعلها محل اهتمام متنام من الجميع وخاصة من طرف كبرى الشركات العابرة للقارات…
  • لا يمكن إغفال أن موريتانيا تشهد فعليا منذ منتصف 2018، انتقالا ديمقراطيا هادئا رغم منطق المغالبة والحنين للدكتاتورية، وذلك مُنبن أساسا على ما تم تسجيله خلال الحملة الانتخابية في رئاسيات 22-06- 2019 من هنات وتجاوزات بل واستعمال المرفق العام لصالح مرشح “السيستام” أي وزير الدفاع السابق “ولد الغزواني”…
  • بعد انجاز الانتخابات الرئاسية، توضحت عمليا معالم التحديات التي ستواجه موريتانيا خلال السنوات الخمس القادمة، وستفرض تطورات الأحداث في السودان والجزائر، على الرئيس الجديد “ولد الغزواني” التعامل الجدي والسريع مع عدد من الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحارقة…
  • لو أحس الموريتانيين بعد فترة أنه فعلا تم تزييف إرادتهم او حتى احتواء لاحق لطموحاتهم، فان الشارع الموريتاني سيعرف هزات سياسية واجتماعية كبرى، وخاصة في ظل ما تم التصريح به من طرف بعض المترشحين منذ منتصف نهار اليوم عن سرقة للعملية الانتخابية…
  • عمليا ستعمل موريتانيا على إعادة موازنة علاقاتها الدولية، وعلى الأخص عبر الدور المركزي الذي لعبته في تشكيل مجموعة دول الساحل الخمس في فبراير من سنة 2014 لتنسيق التعاون الإقليمي ومتابعته، بالإضافة إلى تلك المبادرة، تعمل موريتانيا على تعزيز علاقاتها مع دول جنوب الصحراء ودول الخليج العربية…

المصدر: صحيفة الرأي العام ، العدد 115، بتاريخ 11 جويلية 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق