الجزائرتقارير

في ظل تعدد الشعارات ضدها في فعاليات كل جمعة  … كيف أجبر الحراك فرنسا على تغيير سياساتها تجاه الجزائر؟

بقلم :  أبو رسلان

لا شك أن تساؤل الرسميين في باريس عن مستقبل علاقتهم بالجزائر ومُسارعة دوائرهم لاتخاذ خطوات وإجراءات عملية تجاه مصالحهم ونفوذهم الحالي المستقبلي في الجزائر، أمر له دلالته الكبرى والمفصلية، وإن كان من الطبيعي أن تتحرك باريس في ظل إصرار شعبي ورسمي على قطع عروق ظلت منسوجة ومنحتها امتيازات اقتصادية كبيرة على مدى عقود، ولكن هل يعني ذلك أن الحراك الشعبي والذي تُنظم غدا الجمعة 19-07-2019 فعاليات أسبوعه الثاني والعشرين، قد أجبر فرنسا على تغيير سياساتها في الجزائر؟، وهل الأنسب في ظل المستجدات والدلائل الحالية هو التساؤل على الكيفية وليست على الفعل في التغيير من عدمه؟

** المتابع لفعاليات الحراك الشعبي منذ تاريخ 22 فيفري، يلاحظ تعدد عمليات المطالبة بإشكال مختلفة بالحد من النفوذ الفرنسي بالجزائر، وهو أمر تؤكده الصور واللافتات والشعارات ومضمون الفعاليات من أسبوع لآخر، وتذهب بعض أقلام جزائرية أن مسؤولين سابقين قد تورطوا عمليا في دعم ذلك النفوذ وأن أغلبهم يتواجدون الآن رهن الحبس والإيقاف على ذمة التحقيق في قضايا فساد وملفات كبرى بناء على خلفية امتيازات خيالية كانت تُمنح للفرنسيين دون سواهم، ومما لا شك فيه أن الارتباط الفرنسي بالجزائر لم يكن يوما ومنذ الستينات اقتصاديا فحسب، وأنه شمل وخاصة منذ بداية تسعينات القرن الماضي الثقافة والسياسة ومجالات أخرى عديدة…

** أبدى الفرنسيون خلال الأسابيع والأيام الماضية قلقهم الكبير عبر الجهر بمواقفهم تجاه تحركات جزائرية للتفتح نحو اللغة الإنجليزية وجعلها اللغة الأجنبية الثانية بدلا عن الفرنسية، حيث صرح السفير الفرنسي بالجزائر، “إكزافييه دريانكورت”، منذ أيام أن بلاده تسعى للحفاظ على مكانة الفرنسية في الجزائر، كم تحدث عن مستقبل العلاقات بنبرة استعلائية مؤكدا انه “مهما يكن المستقبل الذي تكتبونه، سيبقى شيء هو العلاقة بين فرنسا والجزائر”…

** أول مظاهر التدخُّل الفرنسي في بداية الحراك كان مع دعوة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” يومها إلى “فترة انتقالية لمدة معقولة”، وكان ذلك أمرا طبيعيا باعتبار أن العهدة الخامسة التي أسقطها الحراك الشعبي كانت مبرمجا مُساندتها ودعمها فرنسيا منذ فترة “فرنسوا هولاند”، ولكن وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لو دريان”، سارع إلى استدراك الموقف بعد ردات الفعل القوية والشعارات التي رفعت ضد باريس، إلى القول أن بلاده “تتابع عن كثب الاحتجاجاتِ المناهضةَ للرئيس بوتفليقة في الجزائر، لكن الأمر يرجع إلى الجزائريين في تحديد مستقبلهم…”، وأضاف يومها “علينا أن ندع العملية الانتخابية تتقدم، وفرنسا تتابع الأمر باهتمام، نظرا إلى الروابط التاريخية بيننا…”.

** أغلب المراقبين والمتابعين يجزمون أن الحراك الشعبي أربك حسابات باريس التي هرعت إلى التدارك ومحاولة إنقاذ بقايا نفوذها التقليدي بعد أن استشعرت خطر الهبّة الشعبية على مصالحها، ولعل اجتماع البرلمان الأوروبي بتاريخ 28-3-2019 يؤكد أن الحراك الجزائري قد تمكن من تبليغ صوته إلى المنابر الدولية، فالاجتماع جرى عشية الجمعة السادسة للحراك، قد عقد لإجبار فرنسا على الاعتذار عن فترة استعمارها لإفريقيا، وبلغ النقاش حد مطالبتها بتعويض الحكومات الإفريقية ومن بينها الجزائر وإعادة الآثار المسروقة منها، وكذا رفع السرية عن الأرشيف الاستعماري….

** العلاقات الجزائرية-الفرنسية معقدة جدا، وحسب بعض المحللين السياسيين الجزائريين ليس الفرنسيين فقط هم المسؤولين ولكن السياسيين الجزائريين المباشرين للحكم في العقود الماضي يتحملون قسطا مهما ورئيسيا في ما جرى وخاصة في موضوع نهب خيرات الجزائريين والتي ترتب عنها الخضوع لقوى خارجية بأشكال مختلفة، وهو ما يعني أن الحل الأمثل اليوم هو في بناء نظام سياسي سليم وصحيح، عبر انتخابات رئاسية شفافة ونزيهة ومن ثم انتخاب مؤسسات دستورية ذات شرعية شعبية تعمل على صون سيادة الشعب على دولته وسيادة البلاد على ثرواتها…

** الحراك الشعبي أثر على عدة متغيرات من بينها إعادة رسم العملية السياسية ومستقبلها خلال السنوات والعقود القادمة بل أنه مكن المؤسسة العسكرية من التأكيد خلال الأسابيع الماضية على الحفاظ على السيادة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية وصيانة المصالح الخارجية والإستراتيجية، ومما لاشك فيه أن المتابع لتطورات المواقف الفرنسية، يستنتج أن باريس قد غيرت إستراتيجيتها في التعامل مع تفاصيل الملف الجزائري وأنها ستعيد بناء علاقاتها وفقا للمتغيرات الجديدة لا سياسيا فقط ولكن أيضا في المستويات الثقافية والاقتصادية وفي بقية المجالات بل حتى في استراتيجيا حضورها في المنطقة الشمال افريقية ومع دول الساحل والصحراء….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 18 جويلية 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق