تحاليلليبيا

ليبيا: بعد بياني “مجلس النواب” والدول المجتمعة أول أمس في واشنطن … أي حسابات لــ”أبو ظبي” و”القاهرة” بعد الهزائم المدوية لحفتر؟

علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

توجيه قوات حكومة الوفاق منذ أكثر من أسبوعين ضربة قاصمة لقوات حفتر عبر إحكامها السيطرة على مدينة غريان الإستراتيجية، أعاد خلط الأوراق ليبيا وإقليما ودوليا وأربك حسابات “القاهرة” و”أبو ظبي” الداعمين الرئيسيين لبرلمان طبرق وللواء المتقاعد الساعي لحكم ليبيا في إطار خطة بسط أنظمة عسكرية تُعيد عقارب العالم العربي إلى مرحلة الدكتاتوريات، كما أن تلك الهزيمة وما تلاها من تحركات عسكرية وخطوات سياسية في القاهرة وفي كل الإقليم وفي بعض العواصم العالمية، سرع عمليا تراكم المبادرات السياسية وتجدد ظهور محمود جبريل وطرح أسماء كل من “الفضل الأمين” و”محمد معين الكيخيا” و”عارف النايض” سياسيا وعودة الحديث عن بديل لحفتر حتى عسكريا وتم تداول السيناريوهات المطروحة خاصة بعد فشل ذريع لحفتر في اختراق حصون العاصمة رغم مرور أكثر من 100 يوم على إطلاقه عملية عسكرية قصد الإطاحة بحكومة الوفاق؟، فما هي حسابات أبو ظبي والقاهرة الجديدة وما هي قصة بياني “مجلس النواب” والدول الخمس المجتمعة في واشنطن أول أمس الثلاثاء 16-07-2019؟

1- غلبة التكتيكي على حسابات ابو ظبي في ليبيا  

  • على غير ما كان متوقعا وعكس التصريحات السابقة نفت أبوظبي رسميا علاقتها بتسليح قوات حفتر عبر بيان رسمي والذي أكدت فيه التزامها بقراري مجلس الأمن رقم 1970 و1973 بشأن العقوبات وحظر السلاح، كما أكدت التزامها بالتعاون الكامل مع لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، وحثت على خفض التصعيد وإعادة الانخراط في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة وهو ما يؤكد انخراط كامل أو جزئي في الترتيب لاختراق المبادرات السياسية مستقبلا رغم مواصلة السعي لإقامة قاعدة عسكرية في النيجر والتي من أهدافها المرحلية توجيه الصراع في ليبيا لصالحها …
  • مما لا شك فيه أن تنصل الإماراتيين من مسؤولية دعم حفتر بالسلاح جاء بالتزامن مع إرسال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ “روبرت مندينيز” منذ أيام رسالة لوزير الخارجية “مايك بومبيو”، تُطالبه بالتحقيق في صفقات السلاح بين واشنطن والإمارات، على خلفية تقارير بإرسال الأخيرة أسلحة أمريكية إلى ليبيا، وحذر السيناتور الديمقراطي إدارة ترامب قائلاً “أنتم لا شك تعلمون أنه إذا ثبتت صحة هذه المزاعم، فربما يتعين عليكم قانونًا إلغاء جميع مبيعات الأسلحة إلى الإمارات”، ويُضاف إلى ذلك بدأ تحقيقات في وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين بشأن كيفية وصول أسلحة أمريكية متطورة إلى مقاتلي قوات اللواء المتقاعد، ومعلوم أن تقارير تسليح أبو ظبي لقوات حفتر ليست الأولى من نوعها، ففي أفريل الماضي بحث خبراء أمميون فيما إذا كانت الإمارات ضالعة عسكريًا في النزاع الليبي؟، وذلك بعد أن أطلقت صواريخ جو- أرض من طراز “بلو آرو”، من طائرات دون طيار صينية الصنع يمتلك مثلها الجيش الإماراتي، إضافة إلى دلائل أخرى مختلفة….
  • ازدواج المعايير يؤكد رغبة الإماراتيين في التحكم بالملف الليبي عبر كل الأدوات والأساليب الممكنة، بدءًا بالإسناد المادي والعسكري لحفتر إلى استدراج أكثر من مبعوث أو موظف أممي على غرار “برناردينو ليون” بهدف خدم أجنداتها، وهو ما حدا بالمتابعين إلى الجزم بأن الإماراتيين سيعتمدون منطق الدفع بوجوه جديدة على غرار “محمد معين الكيخيا” أو إعادة وجوه توارت على غرار “جبريل” و”النايض و”طاطاناكي”، بل أنه ووفقا لتقارير عديدة فإن الإمارات طلبت من سفير ليبيا السابق لديها وحليفها التقليدي عارف النايض أن يعود إلى بنغازي ويبدأ في تشكيل حكومة جديدة يتم تقديمها على أنها بديل محتمل في الفترة المقبل، وهو ما جسده البيان الغريب والأخير لمجلس النواب اثر اجتماعات القاهرة، كما أن وجوه في طرابلس هي اقرب لــ”أبو ظبي” سياسيا ولذلك تمت المطالبة بابتعادها على غرار مطالب أولية لتحرك فاعلين ينوون القيام بحراك سياسي في تاجوراء خلال الأيام القادمة …
  • خيار الاستغناء عن اللواء المتقاعد خليفة حفتر من الإمارات، مطروح بقوة في الآونة الأخيرة لأسباب عدة وبناء على فشله المتواصل وهزائمه الكارثية إضافة إلى الضغوط الدولية المرتقبة وخاصة من إدارة ترامب التي تواجه هي الأخرى انتقادات واسعة على صفقة بيع أسلحة إلى السعودية والإمارات بقيمة 8.1 مليار دولار، من أجل وقف دعم عمليات اللواء المتقاعد التي تستهدف العاصمة طرابلس، والأهم من ذلك، فإن الإمارات لن تُجازف بخسارة مساعيها دفعة واحدة ولعل إمضاء الدول الخمس( مصر الإمارات – أمريكا – بريطانيا وايطاليا) على بيان أول أمس وبتلك الصيغة وعبر التنصيص على منع تسليح أي طرف والتنصيص على تغييب الحسم العسكري…
  • ستحاول الإمارات رغم كل ما سبق فرض انحيازها لأحد أطراف الصراع في ليبيا بوجوه جديدة وآليات أخرى من بينها الاختراق الناعم للمبادرات والبيانات والفعاليات الإقليمية والدولية، ضمن الاتجاه العام للسلطات الإماراتية بدعم موجة الثورات المضادة للربيع العربي، وحربها على تجربة الإسلام السياسي…..

2- ارتباك السيسي والقاهرة، ماذا وراءه؟

·       سيطرت حالة من الغضب والقلق على الاتصالات الدائمة بين القاهرة متمثلةً في جهاز الاستخبارات العامة والدائرة الخاصة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقيادة قوات حفتر ومليشياته وخاصة بعد هزيمة غريان وتمت المطالبة يومها باستعادتها بشكل عاجل وهو ما فسر قول أحد الإعلاميين المدافعين عن حفتر من بيروت خلال مشاركته في برنامج قناة الجزيرة يومها أنه سيتم استعادتها في ظرف 48 ساعة …

·       مباشرة بعد خسارة غريان نقل عن مصدر دبلوماسي مصري مطلع على الاتصالات بين مصر ودول أوروبية بشأن ليبيا، قوله “إنّ بيانات التخفيف من هزيمة غريان لا تعدو كونها محاولة لتوجيه رسائل للخارج على غير الحقيقة، تجدّد ثقة العواصم الكبرى بأنّ حفتر متماسك وقادر على استكمال مهامه”، وهو الأمر الذي يبدو مشكوكاً في صحته بقوة منذ أسبوعين واقتنعت به حتى القاهرة وهو ما مهد لاجتماع النواب الأخير في القاهرة ومحاولة طرح مبادرة تشكيل حكومة جديدة ولكن المبادرة لم تتبلور وانفض الاجتماع بدون نتائج تذكر، مما تطلب بيان لمجلس طبرق بتلك الصيغة تحديدا وما دفع دوليا لاجتماع واشنطن وإصدار البيان بتلك الصيغة تحديدا (بيان الدول الخمس بتاريخ 16-07-2019)، وذلك لا يعني أن القاهرة لن تستمرّ في دعم حفتر بكل قوة ولو بشكل جزئي حتى لا تسقط سيطرته على مدينة ترهونة، وهي القاعدة الثانية والأخيرة التي تقهقرت لها قواته بعد هزيمة غريان، واللافت أنّ هزيمة غريان جاءت في وقت كان السيسي وبن زايد يرغبان في حسم معركة طرابلس، وتحسين وضع حفتر بشكل نهائي، قبل انقضاء شهر يونيو/حزيران، وهو الأمر الذي كان من ضمن محاور مطالبات عدم الضغط لوقف إطلاق النار….

·       كشفت مصادر مصرية سياسية مطلعة على اتصالات مصرية خليجية بشأن دعم حفتر استخباراتياً وعسكرياً، أنّ هزيمة غريان أعادت الحديث بشأن مدى أهلية حفتر لأداء دور الوكيل المحلي الليبي لحلفائه وخاصة في ظلّ التعثّر الميداني وعدم تحقيق النجاحات المرجوة، على الرغم من المساعدات اللوجستية والإعلامية والعسكرية، ومما لا شك فيه أن المعركة المرتقبة أو المفترضة في ترهونة، سواء طال أم قصر أجلها سوف تكون حاسمة في ملف الدعم الإماراتي والسعودي لحفتر، وسيكون ذلك سبباً مباشراً لتكثيف الدعم العسكري والاستخباراتي المصري له في الأيام المقبلة…

·       المصريين أصبحوا واعين أن حفتر أصبح في وضع صعب رغم تأكيده المستمر لهم أنه قادر على تحقيق انتصارات مستقبلية، وهم واعون أنه شخص لا يعمل بالاشتراك مع الغير مما أدخلهم في مطبات وهزائم حيث يبعد كل مختلف عنه ومنافس له أو له رؤية ووجهات نظر سياسية وعسكرية وهذا يعقد وضع النظام المصري على إعداد للبدائل واللعب على السيناريوهات، وهو ما يعني أن المصريين سيعودون إلى مربع التباينات مع الجنرال المتقاعد من جهة ومع الإماراتيين من جهة ثانية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق