تونسرأي

بقرار تاريخي ، المناصب الرسمية في الدولة ممنوعة على الغنوشي !

نصرالدين السويلمي

تصدر زعيم حركة النهضة المشهد الإسلامي منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، ثم تصدر المشهد السياسي كمحور للمعارضة في مستهل ثمانينات القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت استأثر بلقب الخصم الأول لبورقيبة ثم لبن علي، واحتكر لافتة المعارض الأول من 1980 الى 2010، طوال العقود الأربعة كان شغل النظام الشاغل، والشخص الذي يصنف النظام خصومه وفق الاقتراب منه، وحتى القيادات المعروفة دفعت ثمن علاقاتها به، على غرار محمد مواعدة ومحمد مزالي وغيرهم.

إذا وطوال عقود شكل الرجل الواجهة الأولى للمعارضة واعتبر في الكثير من الأحيان قاطرتها الأساسية بحكم قيادته للحزب الأكبر في البلاد منذ تأسس في نسخته الثانية “الاتجاه الإسلامي” قبل ان يتحول في نسخة ثالثة إلى حركة النهضة. صنع الغنوشي خلال سجاله مع بورقيبة وخاصة مع بن علي علاقات واسعة وأصبح شخصية اسلامية معروفة حولت المثقف الاسلامي التونسي من متلقي للمنتوج المشرقي الى صانع لمنتوجه الخاص، حيث لم يبرز الغنوشي كشخصية حافظة للمرويات وإنما كشخصية ناتجة تقدم الفكرة أكثر مما تأخذها وتستهلكها، ومازال على تلك الحركية الفكرية السياسية حتى أدركته الثورة.

حال انخراط النهضة في المشهد السياسي وبدا نجمها يطفون ظهرت آراء تسوق لغنوشي يصلح للتنظيم ولا يصلح للدولة، تكفلت بهذا التسويق جهات لا ترغب في رؤية الرجل في قلب السلطة، ثم مع الوقت بدا وكأن الجسم النهضاوي استسلم لهذه الفكرة، ومع الوقت تطورت ثم تورمت، الشيء الذي أسهم في صناعة صورة غريبة مريبة انطلقت سنة 2011، صورة تسوق مرة وتجرّ مرات، تفيد بان الزعيم التاريخي للحزب الأول في البلاد، لا يصلح لرئاسة الدولة و لا يصلح لرئاسة الحكومة وكذا لا يصلح كرئيس للبرلمان، هو أيضا لا يصلح للوزارة والتوزير ولا حتى للولايات وربما المعتمديات!!!

ولان المكينة التي اطلقت هذه الفكرة وتعهدتها، اشتغلت عليها بمكر تمكنت حتى من غزو الذهن النهضاوي، فقد هضمت الساحة التونسية وقطاعات نهضاوية واسعة غنوشي التسويات والتوازنات والتكتيك وشعرة معاوية ومنتديات دافوس وجوائز غاندي، وأعرضت عن غنوشي السياسية الرسمية او السلطة الفعلية المباشرة، بروباغندا موجهة وذكية نفثت في الذهن النهضاوي، ان زعيمهم يصلح لقيادة تجربة انتقال كاملة يصلح لبناء حالة توازن فريدة يصلح للجنوح بالقافلة بعيدا عن قراصنة الثورة المضادة، فقط هو لا يصلح لأي مهمة من داخل السلطة وان كانت مشيخة او عمدة، قرر سدنة الطقوس السياسية وصناع المناخات، ان ينفروا من غنوشي المناصب السياسية الرسمية بعد ان فشلوا في فرملة حزبه ومنعه من التصدر وقيادة التجربة، لقد نجحوا في صناعة قرار تاريخي، منعوا بموجبه الغنوشي من ولوج الدولة، انه المنع بالإلحاح النفسي والضغط الدعائي المتواصل والمدروس.

رأينا نهضاويين يستهجنون مجرد طرح اسم الرجل في بورصة الانتخابات الرئاسية، بينما في البورصة تدور أسماء القروي والصافي سعيد والباجي وكلثوم كنو وسليم الرياحي وعبير موسي..

وحتى تبلغ السخرية ذروتها ، يكفي القول ان اسم قفراش اقتحم وتم تداوله، ولم يثر الجدل كاسم الغنوشي! والامر نفسه وقع حين طرحت فكرة قيادة الغنوشي للحكومة، وايضا للبرلمان، ومازالت مكينة الحضر تضغط وتوسوس وتغذي طقوس التشكيك، حتى رأينا من صلب النهضة من يستغرب ترشح رئيس الحركة للانتخابات التشريعة!!!

لا نتحدث هنا عن الاحتجاجات التي جاءت على خلفية اعادة الانتشار الرهيبة والمثيرة التي أقدم عليها المكتب التنفيذي، وإنما عن تلك الاحتجاجات النابتة بفعل مكينة الحضر الماكرة المتمكنة ذات الخبرة الواسعة، التي قررت قتل الغنوشي رجل الدولة، ولما لا المساعدة في إنهاء الغنوشي رجل التنظيم، وتكون بذلك قد نجحت ولو بشكل نسبي، فشلت في إقصاء النهضة ورموزها من الدولة، لكنها نجحت في منع زعيمها من دخول الدولة بشكل رسمي، والذي يعرف طبيعة المنظومة وخصامها التاريخي مع الغنوشي، يدرك ان مهمة منعه من منصات الدولة تعتبر معركة متقدمة على أجندتها.

لا دخل لهذه الإشارات بالخلاف او الاختلاف النهضاوي النهضاوي، إنما هي إشارة لتنبيه الحواس وتنشيط الذهن وتحصينه ضد الفكرة المعلبة المسرطنة المسربة، هي إشارات لكي يخرج ابناء الثورة من سطوة التطعيم المسموم، ومن ثم يشرعون في التحرك بعقولهم بعيدا عن الأنماط الجاهزة المعدة لاغراض انتقامية عنصرية مغموسة بالحقد التاريخي..

بشيء من العقل ندرك أن أحشاء الدولة ولجها سمير الطيب ودخلها بن تيشة ودخلها التهامي العبدولي ودخلها القروي الشابي ولطفي براهم وسلمى اللومي ..

دعنا من كل ذلك! هل البرلمان الذي دخله القصاص والحطاب والمسدي لا يجب أن يدخله الغنوشي؟! يحتاج العقل السياسي إلى إعادة تحيين مركزة، بعيدا عن المعلّب والجاهز والمدسوس، يحتاج الى التخلص من الوصاية والعمل على تنظيف مسالك وقنوات الرفض والقبول، يحتاج العقل السياسي الى عقل صالح للتفكير، لا يحتاج فقط الى جمجمة صالحة للتعبئة.

نصرالدين السويلمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق