تحاليلتونس

الرؤية المغيبة وحقيقة ما يحدث في تونس من صراعات وتباينات

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

يتساءل كثير من المراقبين للأوضاع في تونس مثلما يتساءل المواطنين بما فيهم الشباب المثقف وبعض النخب، ماذا يحدث في تونس تحديدا وخاصة خلال السنتين الماضيتين وهو سؤال مشروع وطبيعي طرحه في ظل تعدد القراءات والرؤى وتسرع الأحداث محليا وإقليميا ودوليا، وتعدد القراءات والإجابات فيظل أجواء الحرية التي اتت بها ثورة 14 جانفي 2011 بعد أن كلن الجميع لا يسمع ولا يرى سوى قراءة واحدة ذات بعد فرعوني تنزيلي ومؤطرة بتأثيث نخبوي في اتجاه واحد وطرح إعلامي تطبيلي بنسقية خادمة للحاشية العائلية والحزبية والاستشارية؟

I- قراءة تشخيصية لما يحدث في تونس وإسقاطات الراهن الدولي والإقليمي؟

أ- لا خلاف في أن تونس وطبيعة موقعها الجغراسياسي في المتوسط وفي شمال القارة الإفريقية وأحد دول المغرب العربي الكبير جعلها رهان القوى الدولية والمحاور الإقليمية وهذه الأخيرة تم إعادة تشكيلها كما تحولت منذ بداية العقد الحالي إلى مجرد أذرع خادمة للقوى الدولية عبر القيام بمهام وظيفية مسطرة ضمن استراتجيات وخطط بعيدة المدى بل أن بعضهما أصبحا ملحق موضوعيا بمحافل وركب وممثليات شركات كبرى وعابرة للقارات، وقد حرصت تلك الأطراف أن تواصل منهجها التوظيفي لتونس وسياسييها بنفس المنطق القديم والمعتمد طوال العقود الست الماضية حيث كانت تسميها وتعتبرها “أرض رخوة” تخترق بها خصم محدد دوليا كان أو إقليميا (لعل المثال الأبرز هو أن أول سفير عراقي استقطبه الغرب وجندته بعض دول غربية هو السفير العراقي في تونس)…

ب- تونس مثلها مثل لبنان مثلت مطمح سياسي نموذج ورافعة ترانزيت في ذهنية بعض الدول الغربية والخليجية خاصة، حتى أن بعض الدول اعتمدت في دعم أحزاب سياسية وتيارات فكرية وفروع منظمات بعينها لخدمة أهدافها ومراميها وفي مناكفة الدول الخصمة لها:

ظهور فروع لكل أنواع التيارات الماركسية ومختلف المدارس الاشتراكية التي ظهرت في الصين وروسيا وكوريا وكوبا وألبانيا…
تنظيم اللجان الثورية في تونس مثلا كان له أكثر من جناح مختلف عن الثاني وفي تنافس زعاماتي معه…

عرفت تونس صراعا مريرا مثلا بين تنظيمات البعث السوري والبعث العراقي وهذه الأخيرة كانت متعددة ومتصارعة في ما بينها وكلها مرتبط بمركز دولة البعث….

ت- بعد الثورة تغيرت استراتيجيات الغرب في التعامل مع النخبة السياسية ولكن تسارع الأحداث والتطورات وظهور موجات الثورات المضادة العربية جعل الغرب يفرمل طرق عمله الجديدة واستراتيجياته ثم يراهن من جديد على عودة السياسيات القديمة، وهو ما افقد تونس فرض ومساحات من الحرية وفتح علاقات جديدة مع آسيا وأمريكا الجنوبية ومع الصين ومع بقية الدول الإسلامية ( ماليزيا – اندونيسيا – باكستان ….)

ث- مما لاشك فيه أن إرادة تمرير صفقة القرن وإدارة الصراعات في الشرق الأوسط كان وسيكون لها أثر في مسار الأحداث والتطورات في تونس، أما إقليميا فان التباين والصراع بين محورين إقليميين يتبنيان رؤيتين مختلفتين بغض النظر عن تركيبة المحورين وصدقهما في دعم وكلائهما المحليين فكريا وسياسيا واجتماعيا:

رؤية أولى، تعمل على تجسيد ودعم قيام أنظمة عسكرية في المنطقة الشمال افريقية وحرق ثورات الربيع العربي وغلق قوسها بل وتحويل مآسي الأوضاع الحالية والمترتبة عن عقود الاستبداد إلى أسباب موضوعية لعودة المنظومات القديمة واعتبار ذلك تتويج للثورات المضادة….

رؤية ثانية، تقوم على التصدي لعودة المنظومات القديمة ودعم منطق التحرر والسيادة والإنعتاق باعتباره مطمح الشعوب وطريق ممهدة لعودة العرب والمسلمون للتاريخ…

ج – قامت القراءة الغربية وأساسا في تونس على خلق جسم سياسي واسع وديناميكي يكون قادرا على منافسة التيار الإسلامي(النهضة أساسا) أو التوافق معه وفقا للمتغيرات وبناء على تطورات الأحداث الإقليمية المشار إليه سابقا في هذا الاتجاه أو ذاك، وما صراعات مرزوق/السبسي الابن ثم الشاهد/السبسي الابن وغيرها من الصراعات بين الأحزاب الدستورية والتجمعية (يُراد وسمها بالعصرية والوسطية كتحيل سياسي على الٍرأي العام)، وبين رافدي اليسار/النقابيين والدساترة في النداء إلا أن تفاصيل تجسيدية لتلك الإستراتيجية أربكت الأوضاع ووجهتها في مسارات أخرى بالتناغم مع الإقليمي

ح – إن تأسيس آفاق تونس/الجمهوري سنتي 2011و2012 ثم النداء ثم المشروع، ما هو إلا استجابة عملية بأدوات ومنازع محلية للقراءة الغربية والأمريكية تحديدا المشار إليها سابقا، لتتبلور في مرحلة ثانية في شكل بقاء الشاهد رقما رئيسيا في المعادلة السياسية ثم ليكون تأسيس “تحيا تونس” مُكملا للذهاب المستقبلي في نهج تلك الإستراتيجية ….

خ – ورثت النخب السياسية أمراض البورقيبية وسيئات وكوارث حقبتي الاستبداد وانعكس ذلك على المعارضة التونسية في بناها التنظيمية والفكرية والسياسية منذ السبعينات لتصاب بأمراض الزعامتية والمحاور داخل نفس الحزب بمنطق مرضي وتقديم الفرد ومصالحه وأنانيته على مؤسسات الحزب والتنظيم وغياب استراتيجيا الوطن وقضاياه والمشاكل الاجتماعية للتونسيين فبقيت الأهداف ضمن السياسي ولم تنزل للاجتماعي والوطني في أفقه الواسعة ( الثقافي والأمن القومي – مصالح الوطن في الإقليم وارتباطاته بالأمة ومصالحها الإستراتيجية) وهي رؤية ومخطط قوى دولية ظاهرة وخفية تعتمد التنزيل عبر مسالك التجارة ومسالك الثقافة والإعلام والعولمة وحتى عبر التكنولوجيا وفلسفة التطور والصراع …

II- قراءة تشخيصية لما يحدث في تونس وإسقاطات الوضعين الاقتصادي والاجتماعي

أ- لا خلاف أن المنظومة التي سمحت لشخص من سقط المتاع السياسي على غرار المخلوع وحاشيته الحزبية والعائلية والاستشارية، بأن يحكم تونس طوال 23 سنة هي منظومة مترابطة الأبعاد من حيث علاقة السياسي الشرق أوسطي والشركات العابرة للقارات، إضافة أن تلك المنظومة على ترابط خفي مع لوبيات مالية في الداخل والخارج وخيوط ترابط مع سند دولي وإقليمي سياسي وفكري وثقافي كما بينا ذلك في الجزء الأول من التحليل…

ب- عندما رفع التونسيون صبيحة 14 جانفي 2011 شعار “خبز وماء وبن علي لا” فهمت تلك المنظومة المترابطة محليا وإقليميا ودوليا، أن وكلائها السابقين لم يعودوا جوادا رابحا وأن هناك إرادة شعبية في التخلص من الدكتاتورية واستبطنت خطة ومسارا مستقبليا يقوم على تنديم التونسيين عن ذلك فعملت عبر أذرعها ولوبياتها على تجويع التونسيين وإرباك اقتصاد لبلاد وإرباك الموازنات المالية بحثا عن تقسيم منظومة الثورة إلى تقسيمات منهجية ظاهرها سياسي ولكن باطنها مخطط له عبر لافتات اجتماعية واقتصادية مالية حتى أن الهدف الرئيسي لكل العمليات الإرهابية وخاصة بين سنتي 2014و2016 كان الغاية منه هز أسس الاقتصاد التونسي والذي ترتب عليه تعويم الدينار وإنهاك مستمر للمالية العمومية والذي زادته عملية تعاقب الحكومات وتردد وزراءها وفاعليها أزمة على أزماته السابقة، كما تم العمل على مزيد تغذية روح النقمة لدى الفئات الاجتماعية الضعيفة والمتوسطة والتي أصبحت الأسر فيها تلاحق لقمة العيش مما يعني أن جل اهتماماتها ستتحول إلى تغطية لقمة العيش وما يعنيه ذلك من استفراد النخب والطبقات البورجوازية بالاهتمامات الثقافية والسياسية، وهو ما سهل إعادة تركيب المنظومة وفقا لنفس المقاييس عبر الدفع إلى الاحتكار وتكديس الثروة لدى وكلاء الشركات العابرة للقارات والقريبين من المحافل واللوبيات وبعض مؤسسات عالمية نافذة ومتنفذة و تم الدفع بالتكنوقراط مجددا في هياكل الإدارة وهم الذين من السهل احتواءهم في إرساء بيروقراطية جديدة متكلسة زادت في تكبيل فعل المؤسسات الوطنية ورهنت فعلها وأهدافها المستقبلية بمصالح كبار رجال الأعمال المسيطرين منذ أكثر من عقدين على القطاعات الرياضية والشبابية والذين أضافوا إلى أجنداتهم واهتماماتهم الجديدة التحكم وتمويل وسائل الإعلام على غرار القنوات التلفزية الخاصة وتوزيع الإشهار على الصحف والمواقع والصفحات والإذاعات، وليتحولوا أولئك لاحقا إلى متحكمين موضوعيا في المنظمات والأحزاب وبعض الجمعيات، وإلا ماذا يعني تدمير بعض أحزاب لصالح أخرى مستحدث ومؤمنة بالتوحش الليبرالي والارتباط بمؤسسات دولية للاستثمار في الطاقة وفي القطاعات الحيوية والكبرى؟…

ت- سقطت المنظمات الوطنية وخاصة النقابية منها في رفع سقف المطلبية المادية مقابل تناسي دعم عقلية الإنتاج لمنظوريهم في الإدارة والشركات الخاصة، وبالتوازي مع ذلك تحولت مطالب التقليص في البطالة وتشغيل أصحاب الشهادات إلى أولوية رابعة إن لم نقل خامسة أو سادسة في أحسن الأحوال…

ث- ساهم تواصل التركيز على متابعة وتنمية قطاع السياحة في إعاقة موضوعية ومنهجية لقطاعي الصناعة والفلاحة وهو ما كرس عمليا فشل المنوال التنموي مما أدى إلى فشل انجاز حتى ما هو مبرمج من مشاريع التنمية في عديد الجهات رغم التلويح ورفع شعار سياسات التمييز الايجابي…

ج- كل ما سبق ذكره من تنزيل سياسات احتوائية للمنظومة القديمة في غفلة من شباب وفاعلي الثورة، أدى عمليا إلى تقوية نزعة اليأس والإحباط وخاصة في الجهات المستثناة منذ عقود، وأصبح هناك شعور عام ومتنام أن الإصلاح لم ولن يأتي أبدا في الوقت الراهن على الأقل، وليكرس البعض من الناعقين على غرار أكثر من “كرونيكار” تلفزي في القنوات الخاصة خطابا يوميا لعقلية مقارنة الوضع بفترة المخلوع، والذي ما هرب في الحقيقة إلا لسببين أولا لجبنه وثانيا لأنه أصبح على يقين انه لن يستطيع مجابهة واقع تسبب هو بنفسه في ذلك عبر تدمير آمال المستقبل فيه من خلال سياساته وإجراءاته وطبيعة تركيبة محيطه، وكيف أنه وحزبه ومساعديه قد حولوا الإدارة والاقتصاد إلى حطام، والحقيقة أن اقتصادنا مدمر منذ سنة 1986 وأنه لم يصمد طوال عقدين لولا ضمانات مالية هائلة كان القذافي يدفع بها لحمايته وحماية نفسه وهو ما يعرفع البعض عبر وديعة كبرى في البنك المركزي، وهو ما جعله يصيح ليلة فرار المخلوع أي مساء 14 جانفي 2011 عندما قال “لقد فعلها الجبان”…

ح- الحقيقة أن المنظومة القديمة أفاقت من صدمتها عشية الثورة وشباب تونس مازال منتشيا بانتصاراته عليها حالما بالرفاه وبالاستقلال الفعلي الذي بات أملا فعليا صبيحة 15 جانفي 2011، ولذلك حاولت تلك المنظومة الاستدراك مبكرا عبر تمويل “الائتلاف الجمهوري” عشية انتخابات 23 أكتوبر 2011 ثم تراجعت للخلف وبنت إستراتيجية ماكرة ومخادعة للإجهاز على منظومة الثورة قبل أن تٌبنى هذه الأخيرة أصلا، وتم عمليا التخطيط لتدمير منظومة الثورة رُكنا رُكنا وقطعة قطعة وذلك عبر القيام بمسح شامل للمجالات والقطاعات وعبر تلبيس كل ما هو جميل بمسحات التيئيس والتدمير وخاصة لدى القطاعات الشبابية وتزامن ذلك مع الانقلاب على الثورة المصرية عشية 03جويلية/يوليو 2013 حيث توسعت الخطة الإستراتيجية عبر سياسيات احتكار الأسواق ومنافذها الرئيسية وعبر تدمير منهجي لممكنات تطور الفلاحة والصناعة وقطع الطرق على الاستثمار الخارجي وأعادت إمكانيات فسادها في قطاعات رئيسية ومفصلية والتحكم المالي واللوجستي وخاصة بعد أشهر من ترأس “المهدي الجمعة” للحكومة سنة 2014 حيث تمت عمليات احتواء التسميات والترقيات من الخلف بطرق محكمة وخفية وعبر استيعاب أغلب أحزاب والفاعلين السياسيين وهو ما تم بين سنتي 2015 و2018 …

خ- لقد سقط اتحادي “الأعراف” و”الشغل” بشكل رئيسي في العودة إلى مربعات ما قبل 2010 ورغم فك الارتباط بين مركزيتي المنظمتين وأحزاب الائتلاف الحاكم بشكل مباشر، فإنهما سقطتا لأنهما تحولتا إلى مدار للتوظيف السياسي وذلك عبر سقوط منهجي لصورة الاستقلالية عنهما بأشكال تراتبية وغير مباشرة حيث كثر التجاذب داخلهما…

د- لم تتجسد التعددية النقابية بآليات محترفة وواقعية مما ثبط فعل المنظمات الجديدة وسقطت أسس فعاليتها وديناميكيتها للإضافة المرجوة وللتطوير ولم يستفد الاقتصاد التونسي في أي شيء لا من التعددية النقابية ولا من غيرها مما كسبته المنظمات الوطنية في فك ارتباطها بالحزب الحاكم والذي كان مكرسا خلال حقبتي الاستبداد…

ذ- لقد وقع لبس في الفهم وتحولت نقمة المواطن كلها في اتجاه السياسيين والبرلمانيين وطبعا هم مسؤولون بشكل رئيسي على ما يجري وعلى ما يحدث بل ويتحملون جزء من الوزر الحالي ببعديه الاقتصادي والاجتماعي ولكن الحقيقة أن بعض لوبيات وعدد من رجال الأعمال هم من عبثوا بأحلام شباب الثورة عبر سياسيات الاحتكار والتفقير والجشع والولاء لمزوديها المحليين والخارجيين وعبر التداخل في مواقفهم وسياسياتهم التسويقية والإنتاجية بين الإقليمي والمحلي وعبر اختراق السياسيات الإعلامية والاتصالية مما أوجد عقلية التثبيط واليأس والإحباط لدى أغلب إن لم نقل كل التونسيين …

III-حقيقة أوضاع النخب السياسية وأوضاع الثقافة والإعلام وعلاقة كل ذلك بما يحدث في تونس

أ- لا خلاف في أن ترتبات الإسقاطات الاقتصادية والاجتماعية على الوضع السياسي أكثر من أن تُحصى أو تُعد، ولكن الثابت أيضا أن الأطراف الإقليمية والدولية التي لا تُريد خيرا لتونس وكل البلدان العربية والإسلامية، قد وظفت كل ما هو إيديولوجي وفكري وثقافي لصنع واختراق نخبة هجينة بطبيعتها وهي نخبة يُمكن استيعابها وتوظيفها في سياسيات الإلحاق الحضاري والاقتصادي…

ب- ساهمت قُوى إقليمية على غرار دول خليجية بعينها وعبر وكلاء محليين من ذوي الأفق الإستراتيجي الضيق في نسج التجاذبات الإيديولوجية والتي أعاقت وكبلت كل تطور سياسي وطني، وهو ما أعاق عمليا بلورة مشترك سياسي داخلي لبناء برامج مشتركة في مرحلة ما بعد ثورة 14 جانفي 2011، حيث تحولت الايدولوجيا إلى خبز يومي وعوض البناء والحوار تحولت كل القضايا الوطنية والاجتماعية إلى محل توظيف سياسيا وفكري مما أوجد عقلية نُفور من كل ما هو سياسي وتم الدفع للعودة إلى مربعات تجريم السياسة وحصرها كاهتمام يومي في جزء من النخبة ذات المنحى المُستلب فكريا والبورجوازي التابع اجتماعيا…

ت- تم إعادة نقل تاريخي لصراع التيارات الفكرية في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي والتي دارت داخل أسوار الجامعة التونسية إلى صحفنا وقنواتنا وحتى في رحاب مؤسساتنا السيادية وتم توظيف كل ذلك لإعاقة أي تطوير وبناء أي مراكمة اجتماعية في التفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية والتكنولوجية، ذلك أن بعض الأطراف حاولت نقل تلك المعارك إلى كل المناحي الحياتية وإسقاطها حتى على تقاليد المجتمع التونسي وأعرافه القيمية، وأصبح ازدراء مظاهر الأصالة والتدين الاجتماعي والتمسك بالقيم مدار تندر لبعض نخب لم تستوعب بعد أن التنمية المستدامة لم تنجح أبدا في بلدان لا تحترم لغتها الوطنية وتتمسك بأعرافها وأديانها وقيمها….

ث- لم يستطع معارضو الاستبداد من نخب فكرية وسياسية القدرة على بناء تنظيماتهم وأحزابهم خارج إسقاطات البُنى الفكرية والتنظيمية والسياسية للاستبداد، فزعماء الأحزاب التقليدية والسابقة لمرحلة ما قبل الصورة أو حتى الوليدة هم “بورقيبيي” التفكير في إدارة أحزابهم وهياكلها بالمعنى السلبي للبورقيبية، ذلك أن مؤسسات وهياكل تلك الأحزاب رُبطت آليا بمحيط الزعيم والرجل الأول في الحزب مما غيب العقلية المؤسساتية تنظيميا وحزبيا، وعمليا لم تتخلص من ذلك لا الأحزاب الليبرالية ولا الماركسية ولا القومية العربية ولا حتى الإسلامية أيضا، وبعضهم وظف المال والعلاقات والايدولوجيا الخطية للسيطرة على الحزب والتنظيم والهياكل، وكل ذلك أوقع الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وفعلها في شراك رؤى وتوجهات الأفراد وغُيبت عمليا كل الكفاءات مما مهد لانسحاب الخيرين أو بالأحرى كل الذين لم يركبوا موجة الزعيم أو لم يصطفوا مع محيطه الاستشاري المباشر أو مع أبنائه وعائلته بحيث لم يبق فقط إلا الذين يقبلون بمواقف وسياسات تتناقض مع رؤيتهم ويقبلون بممارسات تتعارض مع قيمهم وقناعاتهم، ومما لا شك فيه أن ذلك غيب الإبداع والابتكار والاجتهاد إضافة إلى تغييبه للكفاءات والشباب الحالم بالاختلافات البناءة وبالمشاركة والسعي للتغيير…

ج- رغم غياب وسقوط منظومة تدجين الإعلام ورغم تحييد رجال “عبدالوهاب عبدالله” وإبعادهم، فقد بقي الإعلام التونسي أسيرا للسياسيات النوفمبرية من حيث التسميات والترقيات ومناهج التصور والتنزيل للسياسات الإعلامية بل أنه بقي أسيرا لنفس المنهج فأعاق الثورة وكبلها كفعل سياسي باحث على التطوير بل تحول إلى دابتها السوداء وعجز على خدمة المجتمع التونسي لا سياسيا فقط بل حتى في أدواره التقليدية واليومية على غرار إبراز النواقص في كل المجالات، وغاب عمليا تسليط الأضواء وكشف الملابسات في القضايا والمستجدات وكشف خبايا التاريخ المظلم لعدد من الملفات والقضايا والحقبات التاريخية وحضرت سياسة إرهاب الصورة وإقصاء ممنهج لقضايا بعينها وأشخاص محددين وعدنا للخلف في الحصول على المعلومة ونقل الأحداث من قنوات عربية وأجنبية مثلما هو الحال خلال الحقبتين البورقيبية والنوفمبرية….

ح – لم تتحرر الثقافة من سياسات الإلحاق والاستحمار ورغم محاولات مبدعون شباب وكتاب ومثقفين إلا أن أوضاع الثقافة عادت إلى مربعاتها القديمة نتاج التحكم في الدعم ونتاج غياب العقلية الوطنية الخالصة في الترويج للمنتوج الوطني في السينما والمسرح وأيضا في باقي مجالات الإبداع وعادت سيطرة البارونات وكبار رجال المجال الثقافي مركزيا وجهويا ومحليا، وباستثناء الوزير المهدي مبروك وبشكل نسبي فقط، فإن كل الوزراء في سقطوا في التلاءم والرضوخ لبارونات الثقافة الكبار وفي سياسة الولاء للآخر تخطيطا وتفكيرا وتمويلا وفي تكريس رؤية أحادية لدعم الإبداع والابتكار وشمل ذلك مجالات الكتاب والرواية والقصة القصيرة والفنون التشكيلية وفي مشاركات مثقفينا ومبدعينا في المحافل الإقليمية والدولية…

خ- وفي الخلاصة أن ما يحدث في تونس هو صراع يومي مرير بين التحرر والانعتاق من جهة وبين محاولات متكررة ويومية لكسر جسور بنتها ثورة 14 جانفي، وأن هذا الصراع وتفاصيله ما هو إلا نتاج موضوعي لحقب وعقود من التكلس والفردية والاستبداد ومن تكريس منهجي لسياسات الاستحمار والإلحاق والحنين للاستعمار والذي غادر تُرابيا وعسكريا بينما هو لا يزال جاثما فكريا وسياسيا واقتصاديا بل ووظف التطور التكنولوجي مثلما وظف العولمة في البقاء النسبي باحثا عن عودة أكثر نعومة ولكنها أشد خطورة…

د- وإضافة إلى ذلك لم تسع نخب ما بعد الثورة ومن ورائها شبابنا ونسائنا إلى ردم الاستبداد وسياساته ومناهجه وآلياته بطرق مبتكرة ونافذة وناجعة بل هي تأثرت بروحها عبر إعادتها أو في حد أدنى السماح لها بالعودة من النوافذ وتلبست بها نتاج منطق الزبونية السياسية والتغييب الفعلي للقضايا الحقيقية والسقوط المدوي في التجاذبات بكل أنواعها وخاصة الإيديولوجية إضافة إلى الاصطفاف الفعلي للبعض ضمن صراع المحاور الإقليمية…

ذ- زادت سياسات المحاصرة الاقتصادية والاجتماعية لتونس وإرباك العملة الوطنية وماليتنا العمومية التي اعتمدتها أطراف إقليمية عبر لوبيات موالية لها وعبر وكلاء مباشرين في مجالات الثقافة والإعلام من زاوية الإملاء والتمويل وإعادة تركيب حلفاءها السابقين والدفع بهم إلى مربعات الانتخابات بشقيها الرئاسي والتشريعي بل وحتى المحلي من أجل قتل رياح وروح التحرر التي فتح أبوابها “محمد البوعزيزي” ظهر يوم 17-12-2010 والذي باستشهاده برز أمل عودة العرب المسلمين للتاريخ وللجغرافيا أيضا…

ر- إن الأموال التي دفعت والمخططات التي بُنيت لم تستطع بعد ولم تفلح إلى حد الآن في قتل روح الأمل، بل هي لن تفلح أبدا في إطفاء روح ثورة التونسيين، وهي لم تستطع إسقاط الانتقال الديمقراطي رغم سيره على زجاج حاد صنعه ويصنعه الحالمون إلى عودة مربعات الحصار والاستبداد ومن وراءهم مموليهم ومشغليهم الإقليميين والدوليين …

 

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية  18 – 25 جويلية / 01 أوت  2019

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق