تحاليلليبيا

بعد أكثر من أربع أشهر من بداية هجومه … ليبيا: لماذا يخسر حفتر وحلفاؤه معركة طرابلس، حاضرا ومستقبلا؟

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

بعد أكثر من أربع أشهر بالتمام والكمال لا يزال اللواء الليبي المتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر” وقواته يتجرعون الهزيمة تلو الأخرى، ذلك أنهم في أكثر من مناسبة يعدون حلفائهم المحليين والإقليميين والدوليين أنهم سيدخلون العاصمة، ليجدوا أنفسهم عاجزين حتى عن المبادرة بالهجوم للمحافظة على مواقع بعينها جنوب طرابلس، فما هي أخطاء حفتر وخاصة الاتصالية منها إضافة إلى كوارثه الحربية والتخطيطية والاعتبارية سياسيا وهي أخطاء كارثية جعلته يخسر معركة طرابلس ولماذا سيخسر معاركه المستقبلية أيضا رغم الدعم السخي والكبير من قوى دولية وأذرع إقليمية راهنت عليه منذ أكثر من خمس سنوات؟

++ حيثيات الأسبوعين الماضيين

وفقا لما يتم تداوله من القريبين من قوات اللواء المتقاعد فإنهم حاليا بصدد التحضير وتكثيف الضغوط على قوات الوفاق في محاولة جديدة للسيطرة على العاصمة وأنهم حريصين على أن تتزامن سيطرتهم المرتقبة والتي يحلمون بها مع ذكرى تأسيس الجيش الليبي (09 أغسطس/أوت)، ولكن الغريب أن أفق الربح غير متوفر حاليا ولا يلوح في الأفق ولا شيء يُوحي بذلك من خلال استقراء حيثيات الأسبوعين الماضيين، خاصة وأن قواته قد خسرت منذ مساء الاثنين 29 جويلية/يوليو منطقة الزطارنة، أي أول خطوط الدفاع عن مدينة ترهونة (95 كيلومترا عن جنوب شرق طرابلس)، وهو الأمر الذي مكن قُوات حكومة الوفاق من التقدم باتجاه ترهونة، ما يعني إمكانية سقوطها خلال المدة القادمة خاصة في ظل التهديد الذي تعيشه قاعدة الجفرة وتدمير قوات الوفاق لكميات كبيرة من الذخيرة المخزنة من طرف قواته، ومعلوم أن كل ذلك تزامن مع إطلاق البعثة الأممية لجهود تدعو لوقف القتال والإعلان عن هدنة بمناسبة قرب حلول عيد الأضحى (أنظر الإفادة الأخيرة لمجلس الأمن)، وذلك ليس له من معنى إلا وجود وتراكم الضغط من داعمي حفتر الإقليميين والدوليين على غسان سلامة لإقناع طرفي القتال بعقد هدنة بهدف إنقاذ موقفه الفاضح، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات متعددة عن الأسباب التي أدت إلى فشل معركته على طرابلس…

++ تقدير سيء من حفتر لمواقف مكونات المنطقة الغربية

نقل حفتر بداية أفريل الماضي كتائب عدة على غرار “اللواء 73 مشاة” و”كتيبة طارق بن زياد” إلا أنّ قواته اعتمدت عمليا وبشكل رئيسي على التحالفات والصفقات مع بعض القوى المحلية، من خلالها السيطرة على “غريان” و”ترهونة” من دون قتال، ووفقا لقراءات المتابعين فإنّ أولى علامات الفشل التي مُني بها هو وقواته هو في اعتماده على اتصالات مع قوة مسلّحة داخل طرابلس لتنفيذ انتفاضة داخلية لصالحه والتي رفض بعضهم ذلك أو تراجع في آخر لحظة لاعتبارات عدة، وبذلك فشلت تلك الإستراتيجية والتي تم اعتمادها سابقاً للسيطرة على الجنوب ومناطق من شرق البلاد والهلال النفطي أيضاً…

عمليا ومنذ الساعات الأولى لانطلاق معركته في إبريل/نيسان، تبين أن تلك الطرق والآليات المتبعة لن تنفع في الغرب الليبي، ومع ذلك لم يعمل على معالجة وتدارك الأمر، ما سرع من فقدان مدينة “غريان” الإستراتيجية، والتي كانت تحتضن غرفة عملياته الرئيسية وفي أقل من ست ساعات التحمت قوات الجيش بقيادة الحكومة مع فصائل من داخل المدينة، وبالتالي فهو قد تسرع واستفاق متأخرا وتجلت استفاقته في نقله لغرفة العمليات الرئيسية إلى قاعدة الجفرة (بعيدة عن طرابلس بواقع 550 كيلومترا جنوب الغرب)، بدلاً من نقلها إلى “ترهونة” المحاذية لطرابلس، التي تسيطر عليها مليشيات اللواء التاسع المؤلفة غالبيتها من مقاتلي النظام السابق والذين لا يثق بهم بشكل تام، وسريعاً اختلف مقاتلو تلك المليشيات مع “كتيبة طارق بن زياد”، وقاموا بطردها من المدينة لتنتقل للتمركز في منطقة الهلال النفطي، بعيداً عن مسرح المعركة….

باستقراء عسكري بسيط لا يمتلك حفتر أي وجود عسكري قوي جنوب طرابلس، باستثناء مناطق صغيرة في أحياء “عين زاره” و”وادي الربيع”، بينما الوجود الأغلب لمقاتلي مليشيات اللواء التاسع، التي يبدو أنها تتبعه اسمياً فقط في “قصر بن غشير” و”وادي الربيع”…

عمليا وفي تقدير خاطئ وسيئ راهن حفتر ويراهن حاليا على سلاح الجو في معركته في طرابلس على غرار معاركه السابقة في الجنوب ومنطقة الهلال النفطي وفي بنغازي ودرنة التي اعتبر فها الطيران عاملاً حاسماً للمعركة، وعلى الرغم من امتلاك، قوات الوفاق طيراناً رادعاً لقوات حفتر الجوية، فقد اعتمد الأخير على قواعد خلفية لتسيير غاراته، كقاعدتي “الوطية” و”الجفرة”، البعيدتين عن طرابلس، وسريعاً ما أصبحت كلتا القاعدتين مهددتين بالقصف المتوالي، ووقعتا ضمن حصار جوي ضربته، قوات الوفاق، ما حد من قدرتهما على تنفيذ ضربات جوية مناسبة لحجم صعوبة المعركة على الأرض…

كُل العوامل سالفة الذكر وغيرها من المعطيات والأبعاد مثلت انكشافا لظهر قواته من ناحية الجنوب، والذي يشهد فراغاً عمليا عجل بعودة نشاط المجموعات الإرهابية وفي مقدمتها التنظيم الإرهابي “داعش”، ما كشف عن سوء تقدير عسكري كبير وغير طبيعي للمعركة، وهو ما قلص من قدرته على فتح جبهات أخرى بعيداً عن أرض المعركة (أي جنوب طرابلس)، ومعلوم أن تصريحات قادة قواته أشارت في أولى أيام المعركة، إلى نيتهم إشعال محاور جديدة في سرت شرقاً، وأخرى غرباً في “صرمان” و”صبراته” باتجاه طرابلس وهما المدينتين التين خطط حفتر أن تحدثا المفاجأة بناء على حضور للمداخلة فيهما….

++ الاستهانة بقوات الوفاق في طرابلس وتقديم خدمات مجانية لها

رغم تقدم قوات حفتر في 04 أفريل الماضي باتجاه جنوب طرابلس، بعد سيطرته على “غريان”، وتقدم مناصرين له في “ترهونة” (الجنوب الشرقي للعاصمة)، فانه لم يستطع التقدم أكثر داخل أحياء “قصر بن غشير” و”وادي الربيع” و”عين زاره”، بناء على التصدي الكبير وثبات مجموعة حماية العاصمة المؤلفة من أربع قوى كبرى: “لواء ثوار طرابلس”، و”كتيبة الدعم لسريع”، و”قوة الردع الخاصة”، و”لواء النواصي”…

عمليا دفع “خليفة حفتر” بقرابة 10 آلاف مقاتل لمعركة طرابلس ترافقها عربتان مسلّحتان من نوع “تايقر” (TIGER) الإماراتية تزامناً مع تقارير أكّدت يومها دعماً لوجستياً قدمه له ضباط فرنسيون من داخل “غريان” وغرف يشرف عليها ضباط إماراتيون لتسيير طائرات من دون طيار، ووجود مصري كذلك، وعمليا وحتى اليوم العاشر من المعركة لم تتمكن حكومة الوفاق من الحصول على دعم عسكري مناسب لحجم المعركة، كما لم تصل قوة مصراته التي تتركز أغلبها، في ذلك الوقت، في سرت وعدد من مناطق أخرى بالإضافة لمصراته نفسها؛ إلى أرض المعركة جنوب طرابلس، ما جعل الفضل يعود لثبات قوة مجموعات طرابلس المسلّحة، التي أساء حفتر تقدير قواتها، لا سيما عندما تمكنت خلال الساعات الأولى من استرداد منطقة ورشفانة غرب طرابلس، والسيطرة على بوابة (27 كيلومترا غرباً) والتي تمثل المنفذ الغربي الرئيسي للعاصمة…..

++ بينما الخديعة والانتحار سياسي

حتى مطلع إبريل/نيسان الماضي كانت كل القوى السياسية والدولية تنتظر نتائج ملتقى غدامس والذي وسم بـــ”الملتقى الوطني الجامع” والذي عملت البعثة الأممية طيلة أشهر لإعداده ليكون فاصلا في تاريخ ألازمة الليبية والذي كان سيكون تزكية لاتفاقات أبوظبي2، لكن عدم ذهاب السراج وعدوله عن لقاء جينيف ومراهنة حفتر على حسم قواته لمعركة طرابلس أضاعت عليهما تلك الفرصة، وقطع حفتر على نفسه خط الرجعة، فتوقيت إعلانه الحرب على طرابلس يعني انقلابه على الحل السياسي ورفضه لأي اتفاق ينبثق عن لقاء “غدامس”، لا سيما مع وجود الأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، وقتها في طرابلس لمتابعة التحضيرات الأخيرة لعقد الملتقى…..

أدرك حفتر الخديعة التي وقع فيها واكتشف أنه قد يكون انتحر سياسيا واكتشف ذلك بشكل مبكر ذلك أنه ما إن انتهى الشهر الأول حتى بدأ في جولة دولية زار خلالها عواصم عربية ودولية في مقدمتها باريس وروما، وعكست تصريحات وبيانات مسؤولي تلك الدول يومها مساعي “حفتر” لبحث إمكانية وقف القتال وسبل العودة للمسار السياسي، الذي اصطدم برفض حكومة الوفاق واشتراطها العودة للعملية السياسية بانسحاب كامل لقواته وعودتها على مواقعها الرئيسة في شرق وجنوب البلاد، ما يعني بالنسبة له استسلاماً مقروناً بتبعات تفقده مكانته وقوته حتى بين مؤيديه في شرق البلاد، الذين يمثلون قاعدة انطلاقه الأصلية…..

++ ديناميكية تراجع الحلفاء بين المحلي والإقليمي والدولي

على الرغم من سعي حكومة الوفاق للرد بشكل غير مباشر على داعمي حفتر الدوليين من خلال إجراءات تعليق تنفيذ اتفاقات أمنية مع فرنسا، وإلغاء تراخيص 40 شركة أجنبية عاملة في ليبيا، إلا أن ذلك لم يثنِ داعميه عن حثه على التقدم نحو طرابلس وتسير كل السبل لذلك بما في ذلك تقديم الخبرة العسكرية، بل والأسلحة وجلب المرتزقة (“التشاد” و”السودان” أساسا)، ليكون للميدان الكلمة الفصل في تراجع قوة الدعم الدولي….

منذ منتصف مايو/أيار بدأت تصريحات حلفاء حفتر الدوليين والإقليميين في التراجع عن دعمه بعد أن منحته الضوء الأخضر (والأصح الأصفر) لشن هجومه بل ورفضت اتصالات السراج ليلة الهجوم ، ووهي التراجعات التي تزايدت مطلع الشهر التالي أي في يونيو/حزيران وهي تراجعات عكست المواقف الجديدة والصيغة التفاعلية للأحداث للقوى الدولية على عكس سياساتها في عدد من الملفات الأخرى في المنطقة…

دعا وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير يومها لوقف القتال، مؤكداً أن بلاده تعترف بحكومة الوفاق، وأعقبه تصريح مماثل لوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش. ولم يمر وقت طويل حتى بدأت أبوظبي والقاهرة بالزج بشخصية ليبية سياسية هو السفير الليبي السابق في أبوظبي، العارف النايض، في كواليس حل الأزمة كمشروع بديل عن حفتر، تزامناً مع مساعي فرنسا لإعادة علاقاتها مع حكومة الوفاق….

انكشف عمليا التراجع الدولي بشكل أكثر في تصريحات القائمة بأعمال السفارة الأميركية في ليبيا “ناتالي بيكر”، منتصف يونيو/حزيران الماضي والتي أكدت خلالها بأن أطرافاً داعمة لحفتر ضللت الإدارة الأميركية لدفعها لتأييد حفتر في معركته على طرابلس. بل وحددت، بيكر، أكثر من ذلك موقف بلادها من حفتر بالقول إنّ “الحرب على طرابلس أثبتت فشل رهان بعض الجهات التي حاولت إقناع البيت الأبيض أن قوات حفتر مرحب بها وتحظى بشعبية غرب ليبيا، فيما نفت، بيكر، أنباء دعوة بلادها حفتر لزيارة واشنطن، أكدت أن بلادها تعتبر حكومة الوفاق شريكاً سياسياً في محاربة الإرهاب، وأن “حكومة الوفاق هي شريك مثالي قدم نموذجاً يحتذى به”….

التخلي الدولي وإن لم يبدُ تخلياً كلياً إذ لا تزال الإمارات تقدم لحفتر الدعم العسكري، أثّر بشكل كبير في مواقف المجتمع الدولي الذي كان يميل إلى الصمت والترقب، لصالح عودة الدعوات للحل السياسي ورفض الحل العسكري، ما أجبر حفتر على التمليح أكثر من مرة في مقابلات صحافية عن إمكانية قبوله بحلول سياسية، وسط محاولات لم تتوقف حتى الآن للعودة إلى مواقعه السابقة جنوب طرابلس وفي غريان لتعزز موقفه في حال انخرط مجدداً في مفاوضات مع الحكومة من جانب، ومن جانب آخر للمحافظة على قوة قاعدته المحلية التي تشهد خلافات من خلال محاولة إقناع حلفائه المحليين والقبليين بأنه لا يزال يحتفظ بقوته السابقة….

++ طبائع القذافي المستنسخة والكوارث الاتصالية

نجحت حكومة الوفاق والنشطاء الموالون لها في تسجيل انتصار إعلامي عبر فضح جرائم اقترفتها قوات حفتر في مواقع بالقرب من طرابلس وداخلها، مقابل فشل إعلامي ذريع لإعلام حفتر رغم تعدد القنوات ووسائل الإعلام المساندة لها محلياً وإقليميا ودولياً….

التأثير البالغ للإعلام الذي كان يوالي نقل صورة الحدث يبدو أنه أوقع أثراً بالغاً، وكشف زيف حرب حفتر على الإرهاب والمليشيات في طرابلس، فشهادات أسرى قوات حفتر، التي كانت تبثها وسائل إعلام الحكومة، كانت ترسل عبر لقاءات مرئية للأسرى عدم صدق دعاوى حفتر عن وجود إرهابيين في طرابلس، ومشاركة عناصر “داعش” في القتال وغيرها من الدعاوى. وأضاف للنجاح نقل إعلام الحكومة الحجم الحقيقي لخسائر قواته، ولا سيما البشري منها، وفي الوقت الذي أعلنت حكومة مجلس النواب في الشرق الليبي منذ أسبوعين حظر بث وسائل الإعلام المرئية والإلكترونية التابعة لحكومة الوفاق، وهي عشر وسائل إعلامية، في أراضي سيطرة حفتر، بل وحذرت النشطاء والسياسيين والنواب والبلديات من التعامل معها….

سجل كل المتابعين نجاح إعلام الحكومة في نقل مشاهد قصف طيران حفتر للأحياء والمنشآت المدنية، من بينها مطار العاصمة الوحيد؛ دفع بالكثير من المنظمات الإنسانية والدولية إلى التعبير عن موقفها الرافض لتلك التعديات واعتبارها “جريمة حرب”، ولا سيما بعد قصف مقر إيواء مهاجرين في تاجوراء ومستشفيات ميدانية…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية ، العدد 119، 08 أوت 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق