تحاليلليبيا

في ظل التحرك نحو مؤتمر دولي جديد حول ليبيا … حفتر والسبتمبريون، من يتحكم في الآخر؟

علي عبد اللطيف اللافي *

لو اختار أي متابع للأوضاع في ليبيا أن يكتب بالتفصيل والتدقيق حول علاقة الجنرال المتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر” بــ”السبتمبريين” أو ما أصطلح على تسميته بــ”أنصار القذافي” أو “أنصار النظام السابق”، لاضطر لكتابة مجلدين أو ثلاث أو أكثر من ذلك بكثير في صورة اختياره إضافة ملاحق ووثائق مهمة تهم تاريخ ليبيا منذ 01-09-1969 إلى تاريخ 27 جوان/يونيو الماضي (أي يوم إفتكاك قوات حكومة الوفاق لمدينة غريان الإستراتيجية)، خاصة في ظل تأكيد مصادر عدة أن بعض فاعلين في قيادات السبتمبريين قد فكروا عمليا في التخلص من حفتر ساعات بعد دخوله المخطط له لطرابلس والذي حدد لمساء 06 افريل/نيسان الماضي، وهو حديث يتماهي مع نقاشات بين قياديين في تيار وتنظيمات أنصار القذافي في العاصمتين التونسية والمصرية صيف 2015 وحديثهم لأنصارهم يومها أنهم سيركبون موجة حفتر مرحليا وانه يوم يتحقق الهدف سيكون حفتر أول ضحاياهم….

وان كان قدر الليبيين هو المصالحة بين جميع الأطراف دون استثناء وجلوس “الديسمبريين” (نسبة لــ24-12-1951)، و”السبتمبريين”(نسبة لـــ01-09-1969) و”الفبراريين”(نسبة لـــ17-02-2011) على طاولة واحدة لرسم مستقبل دولة مدنية ذات سيادة ودفن آلام الماضي بأخطائها ومآسيها، فان العلاقة بين الجنرال المتقاعد ورفاقه من “السبتمبريين” بقيت جدلية وتتسم بالغموض طوال المراحل الثلاث:

** عندما كان في خدمة نظام العقيد باعتباره عسكري شريك في انقلاب 01-09-1969 على الملك إدريس السنوسي، حتى قيلدته لحرب التشاد سنة 1987…

** عندما انشق على القذافي بعد طلبه من الرئيس التشادي يومها “حسين حبري”، الخروج من الأسر مقابل الالتحاق بأهم حركات المعارضة الراديكالية التي كانت تسعى يومها للإطاحة بالعقيد (أي “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا”)، وفي وقت لاحق أقيل منها وبقي مقيما في فرجينيا الأمريكية حتى 2011….

** بعد 2011 وبعد وقبل 2014 عند إطلاقه عملية “الكرامة” واعتماده على أهم قيادات “السبتمبريين” سواء كانوا عسكريين أو أمنيين أو مدنيين من سياسيين ومن قيادات “حركة اللجان الثورية” المنحلة والهاربين لمصر وتونس أساسا…

وعمليا بقيت العلاقة بين الطرفين يسودها الغموض وسط سؤال يردده أنصاره وخصومه ويردده كل المتابعين اليوم للتطورات في ليبيا وهو: هل وظف حفتر السبتمبريين؟، أم هم من وظفه لصالح عودتهم بالتدريج، ومن يتحكم اليوم في الآخر؟ وأهمية السؤال تنبني على التساؤل: من هي الأطراف التي ستتفاوض في ظل عودة الحديث عن ترتيب مؤتمر دولي جديد حول ليبيا يعقبه مؤتمر ليبي-ليبي ….

++ هل حفتر سبتمبري رغم كل ما حدث منذ أسره في التشاد؟

  • كل تاريخ حفتر يتسم بالغموض وان كانت مرحلة نشأته ومشاركته في حركة الضباط الأحرار في سبتمبر 1969 تتسم بنوع من الوضوح في تفاصيلها من حيث محطاتها وتواريخها واصطفافاته السياسية والعسكرية وميولاته الفكرية (هو في شبابه أقرب لفكر “البعث” من حيث الميل السياسي، ذلك أنه عسكري أكثر منه سياسي ولا قدرات فكرية له حتى أنه لم يكتب تقريبا أي نص طوال حياته)…
  • تبدأ مرحلة الغموض في مسيرة حفتر ما بعد افتككاه من الأسر والتحاقه بالمعارضة الليبية كما وضحنا ذلك أعلاه، فهو قد شغل المسؤول العسكري الأول في “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” حتى 1993….
  • بعيدا عن كتابة تاريخ الرجل، فان هناك نقاط استفهام حول لقاءاته بــ”عبدالمنعم الهوني” و”أحمد قذاف الدم” في سويسرا قبل وبعد محاولة انقلاب “ورفلة” في بداية التسعينات وحول تردده على مصر وربما ليبيا رغم إقامته الدائمة في أمريكا، والمهم في كل ذلك أن حفتر لم يتخلص من أتون العقلية “السبتمبرية” في سلوكه السياسي سواء نسق مع النظام في مرحلة ما بعد 1993 بشكل مستمر أو في بعض المحطات اللاحقة، ويبقى السؤال كيف أدار حفتر علاقاته مع أطراف إقليمية ودولية يومها؟ وهي نفس الأطراف التي تسنده اليوم سواء كانوا حلفاء إقليميين أو دوليين على غرار فرنسا وجهات أمريكية بعينها إضافة إلى مصر ودول خليجية، أو حتى مع أطراف لا تظهر في واجهة الأحداث ولكنها أكثر فاعلية في بعض السياسات الدولية؟

++ واقع وحقيقة العلاقات بين حفتر والسبتمبريين بعد 2014

  • ليس هناك أي غموض ظاهر في عموميات العلاقة بين “السبتميريين” و”حفتر” منذ 2011 فهو قد تنكر لهم واعتبر نفسه محررا ليبيا من القذافي و”فبرايريا” حتى نهايات 2012، ليبدأ التحرك المرتب له بدقة بداية من 2013 وينسج علاقات في ليبيا وتونس ومصر مع بعض وجوه “سبتمبرية” عديدة وخاصة في إنشاء وتوسعة ما سماه يومها بــ”كتيبة الجيش الوطني الليبي” (السؤال: كيف خدعت وزارة الدفاع يومها لتك الحيلة المدبرة)، ثم مناداته المتكررة والمستمرة بمجلس أعلى عسكري أثناء نقاشاته مع كل الأطراف…
  • الثابت أن “حفتر” ليس شخص بل هو مشروع إقليمي ودولي في ليبيا وان وُسم ذلك المشروع بأنه ليبي، وكان ذلك واضحا منذ فيفري 2014 تاريخ تحركه وبياناته التلفزية ووضوح اصطفافه الإقليمي وركوبه موجة الثورات المضادة في المنطقة وهنا بدأت أعداد السبتمبريين في الالتحاق بصفتهم كأفراد وعبر وساطات علاقاتية داخلية وإقليمية، وقد وظف حفتر شعور “السبتمبريين” بالهزيمة والاندثار فأعادهم محاربين معه ووظفوا هم موقعه من تيار فبراير بين 2011 و2013 لتكتمل الصورة في سياقات خطط كل طرف تجاه الآخر بناء على خلفية أن كل من الطرفين في حاجة للآخر….
  • اختلف “السبتمبريون” سنوات 2014-2017 أي حتى السيطرة على كل “بنغازي” في طرق إسناد حفتر، ولكنهم اختلفوا أكثر بين سنتي 2017 و2019، فمنهم من أصبح في صف حفتر نهائيا، ومنهم من تحوط واحتاط في علاقته بحفتر ورجاله رغم السند الظاهري رغم أن أغلبهم ذهبوا معه للجنوب وناصروه في خطوته، وأيضا في قدومه مهاجما إلى جنوب العاصمة يوم 04-04-2019 ….

++ “معركة طرابلس” وبداية القطيعة والتصفيات بين حفتر والسبتمبريين

  • مما لا شك فيه أن كل حلفاء حفتر بما فيهم “السبتمبريين” اعتقدوا أن دخول طرابلس بات أمرا واقعا، وان خاتمة الأمر ستكون مساء 06 افريل/نيسان، ورغم تعدد محطات المحاولة أي في 21 افريل و 20 رمضان (25 ماي) و18 جوان و09 أوت فان الخلافات تطورت وتراكمت بين الطرفين الحليفين والمتمايزين وخاصة بعد خسارة قوات حفتر لــ”غريان” يوم 27-06-2019 …
  • عمليا أبرزت حوادث القتل الغامضة التي تستهدف قادة قوات حفتر جنوب طرابلس عمق الخلافات بين حفتر و”السبتمبريين” حيث أثارت جدلا واستنكارا في صفوف أنصاره، ولعل حادثة مقتل آمر القوة الثالثة المساندة للواء 21، “خالد أبو عميد” وخمسة من حرّاسه، في ظروف غامضة بعد ساعات من العثور على جثة “كمال بن مبارك”(آمر السرية 20 في قوات حفتر)، في أحد المقار بمنطقة سوق السبت المحاذية لمدينة ترهونة جنوب شرق طرابلس، كما أن انتماء القياديين لقبيلة ورشفانة، استنكر رئيس المجلس الاجتماعي لقبيلة ورشفانة، “المبروك أبو عميد” حادثة الاغتيال، والتي وصفها بـالغادرة، متهما منفّذيها بـالخونة، بل طالب قيادة قوات حفتر، بـــ”تحمّل مسؤولياتها والقبض على القتلة المجرمين والمأجورين”، كما طالب شباب “ورشفانة” بـــ”تحكيم لغة العقل”….
  • ليست تلك الحادثة، هي الأولى التي يقتل فيها قادة عسكريون من ورشفانة إذ اغتيل العميد مسعود الضاوي، أبزر قادة القبيلة والقيادي البارز في قوات حفتر، في نهاية مايو/أيار الماضي، في ظروف غامضة، وكل ذلك مداره خلافات غير معلنة ومتكتم عنا بين السبتمريين ورجال حفتر، ورغم نعي قيادة قوات حفتر للضاوي، إلا أنها لم تعلن عن أي تحرك للتحقيق في حادث مقتله، ومعلوم أن قبيلة ورشفانة تُعد من كبرى القبائل الليبية وعرفت منذ اندلاع ثورة فبراير بموالاتها للقذافي ثم لحفتر والزج بالمئات من شبابها للقتال في صفوف كتائب كل منهما ضد الثوا، كما كونت القبيلة جيشا عُرف بـــ”جيش القبائل” عام 2014، والذي دخل معارك لأشهر ضد مقاتلي “فجر ليبيا” التي استهدفت الكتائب الموالية لحفتر المتواجدة في طرابلس وقتها…..
  • خلال عامي 2016 و2017، عيّن حفتر العميد عمر “تنتوش” (أحد أبرز ضباط النظام السابق)، آمرا لمنطقة ورشفانة العسكرية، قبل أن يقيله على خلفية رفضه أوامر عسكرية صادرة من حفتر وقتها، ومنذ ذلك الوقت بقيت مليشيات ورشفانة خارج الأحداث، حتى إعلان حفتر حربه الحالية على طرابلس، حيث كوّنت مليشيات ورشفانة أحد أبرز قواته التي هاجمت المناطق المحاذية لأراضيها غرب طرابلس، قبل أن تتمكن قوات حكومة الوفاق من استرداد تلك المناطق، وهي “السواني” و”الكريمية” و”الزهراء”….
  • أغلب المتابعين أكدوا أن “سياسة القتل الممنهج لدى حفتر، التي تستهدف قياداته، ليست جديدة…”، مشيرا إلى أن العديد من الأسماء البارزة قديما وحديثا اختفت من الساحة، كما أن بعضهم أشار إلى تغييب اللواء عبد السلام المسماري (الآمر السابق الغرفة المركزية لقيادة القتال ضد طرابلس)، وهو ما حدث أيضا مع اللواء فوزي المسماري الذي كان أبرز قادة الكرامة في معارك جنوب طرابلس….
  • يُمكن التأكيد أن الفرق في تعاملات قيادة حفتر هو أن القادة المنتمين لشرق ليبيا يمكنه اعتقالهم وتغييبهم، بينما قادة غرب البلاد، وبحكم سيطرته النسبية هناك، فالاغتيال هو الطريق الوحيد لإزاحتهم، والثابت هو وجود ارتباك كبير في صفوف قوات حفتر، إلا أنه يرى أن “اغتيال قادة قبيلة تنتمي للنظام السابق يعني أنه يسعى إلى تحييدهم، ما يعني نشوب خلافات بينهم في الكواليس، وأن فصيلا جديدا سيبرز قريبا في أرض المعركة، كما يمكن الجزم أن “موجة الاغتيالات إن كانت تستهدف أنصار النظام السابق فمن الطبيعي أن تستهدف قادة ترهونة، فهم الآخرون من أنصار هذا التيار، ويمكن الاستنتاج أن موجة الاغتيالات تظهر خلافات خارجة عن السيطرة”، مضيفا، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن “حفتر أحوج ما يكون في حالة الضعف العسكري التي يعيشها إلى كل مقاتل وقائد…
  • مما لا شك فيه أن الخلافات تاريخية وقديمة بين “ورشفانة” و”ترهونة”، ولجوء الأولى إلى مناطق ترهونة بعد فقدان مناطقها التي استردتها قوات الوفاق زاد من حجم الخلافات، ولا يمكن تغييب أن كل الاغتيالات وقعت في ضواحي ترهونة، ومما لا شك فيه أن إبعاد حفتر لقادة سابقين، مثل “الحاسي” و”المنصوري”، تسبب في ضعف سيطرة حفتر على قيادة المعركة، وبالتالي فنشوب خلافات تصل إلى حد الاغتيالات أمر جد مرجح في ظل وعي الطرفين أي (رجال حفتر – انصار القذافي المضمرين لحفتر العداء رغم التحالف المرحلي معه)، تربص خصمه به خلال المرحلة الحالية …

++ الخلاصة

  • تاريخ حفتر يسوده الغموض وهو غموض شبيه بغموض كل مرحلة قيادة القذافي لليبيا طوال أربع عقود ومما لا شك فيه أن “السبتمبريين” لم يكونوا يوما وحدة متكاملة حتى في ظل حكم القذافي والذي تعمد ذلك بل وصنعه وخطط لذلك التشتت….
  • تتتالي الأحداث بعد 2011 ثم بعد 2014 وطبيعة التطورات كلها فتحت ثنايا عديدة لتلك الأطراف من “السبمتبريين” فتوحدت من جهة على المدى المرحلي والتكتيكي ولكنها زادت تشتتا من حيث ارتباطاتها المحلية والإقليمية والدولية ومن حيث تركيبتها وذهنيتها، فسهل عمليا توظيفها داخل وخارج ليبيا وضد حفتر ومعه….
  • سيبقى السبتمبريون أسيري لتحالفات حفتر وفي خدمته حتى لو أيقنوا بغدره لهم وسترتبط آفاقهم المستقبلية بموقعه المستقبلي خاصة وأن كل مشروع حفتر وظيفي بالأساس لا في ليبيا فقط بل في كل المنطقة ضمن سياقات أخرى من بينها صفقة القرن والمشاريع المستقبلية سواء كانت إقليمية أو دولية….
  • وان اعتقد السبتمريون أنهم وظفوا حفتر فهو من وظفهم ويسقطون دائما في أن يكونوا موالين له حتى احترق أوراقه كشخص، وعندئذ سيوظفون في المشروع المعوض له وان بأشكال أخرى لان فكرهم وطابعهم السياسي لا يمكن أن يكون إلا وظيفي ويستثنى من ذلك الطيف الوطني من السبتمبريين وهم كُثر عدديا وقلة كسياسيين….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 29 أوت / أغسطس 2019 

ــــــــــــــــــــــــــــ

*-كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق