تحاليلرأي

قرا ءة في الجذور الفكرية والتحولات السياسية للمترشحين لرئاسيات 2019 (1 من 2)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

وضمن ذلك السياق تساءل الرأي العام التونسي والذي فتحت أمامه ثورة الحرية والكرامة منطق الفرز والبحث والتساءل والفطنة في التقبل والتعديل والتجريح، عن هوية وانتماءات المترشحين المقبولين أوليا للرئاسية وطبيعة أطروحاتهم وبرامجهم في ما يهم الأمن القومي والعلاقات الدولية باعتبارهما الوظيفتين الرئيسيتين والصلاحيتين الكبيرتين لرئيس الجمهورية وفقا لدستور 27-01-2014، ومعلوم أن عدد المترشحين أوليا قد قارب الـــ33 مترشحا في انتظار حسمه نهاية الأسبوع الجاري والأغرب أن بعض المترشحين برغبة نسقية ولأسباب سياسية تهم محيطه وداعميه يريد إخفاء جزء من تاريخه وعلاقاته الفكرية والسياسية والإقليمية، فما هي الجذور الفكرية ومختلف التحولات السياسية لأولئك المترشحين، وإلى أي حد يمكن تصنيفهم ضمن التصنيفات السياسية الكلاسيكية والتي تمتج كما هو معروف من أقصى اليمين الليبرالي إلى أقصى اليسار الماركسي؟

الجزء الأول : مترشحين محسوبين على اليسار بمختلف تولاناته وتقسيماته

** مترشحين مصنفين ومحسوبين على أقصى اليسار الماركسي

لم يستطع أقصى اليسار حتى بعد الثورة ورغم تشكيل أحزاب وجبهات وائتلافات أن يقوم لا بمراجعات ولا تأسيس ما سماه البعض بـــ”حزب اليسار الكبير”، فقد بقي وفقا لوصف الباحثين والمتابعين “قاصرا” من حيث رؤيته الفكرية والتنظيمية في بناء استراتيجيا تمكنه من التموقع السياسي، وعمليا تتشكل تنظيمات وأحزاب وأعضاء أقصى اليسار التونسي إلى أربع مجموعات كبرى: “تنظيمات وأحزاب تروتسكية التوجه والمنشأ”- “تنظيمات تعود نشأتها لتنظيم “العامل التونسي” وخطوطه” – “تنظيمات تعود نشأتها لتنظيم “الشعلة” الماوي وقيادات سابقة اختارت الاستقلالية التنظيمية الظاهرة….
وبناء على ما تقدم أن هناك فقط مرشحين لأقصى اليسار الماركسي منتمين له حاليا ضمن سياقات فكرية وسياسية وتنظيمية، وقد ترشح الرحوي والهمامي بناء على الخلافات الأشهر الأخيرة في ائتلاف الجبهة الشعبية….

حمة الهمامي، مرشح الجبهة ( حزب العمال/التيار الشعبي)

يعتبر حمة الهمامي مترشحا كلاسيكيا لأقصى اليسار الماركسي بناء على ترشحه سنة 2014، وينحدر الهمامي من أصول اجتماعية من الطبقة الوسطى إذ هو أصيل ريف مدينة بوعرادة من ولاية سليانة في الشمال الغربي، وهو طالب الآداب في سبعينات القرن الماضي والذي التحق بتنظيمات اليسار وليصبح قياديا في منظمة “العامل التونسي” (ماركسية لينينية) ثم أصبح أهم قيادات خطها الرئيسي باعتبار انقسام “العامل التونسي” إلى خطوط عدة ومتصارعة نتاج قراءات لطبيعة المجتمع التونسي وموقع تونس في العالم العربي وعدد من القضايا المطروحة يومها…

في 03 جانفي 1986 أسس الهمامي مع ثلة من رفاقه وبعض طلاب من تيار “النقابيين الثوريين” حزب البوكت (POCT) أي “حزب العمال الشيوعي التونسي”، وترأس الهمامي في بداية التسعينات إدارة صحيفة “البديل”، كما تولى خطة الناطق الرسمي باسمه وهي الخطة التي يشغلها إلى اليوم، وينتقد الهمامي من طرف قياديين سابقين أنه المسؤول الفعلي عن انقسام الحزب وسط تسعينات القرن الماضي إضافة إلى مغادرة حوالي 130 قياديا في مؤتمر ديسمبر 2018…

تعرف الهمامي في شبابه على القيادي الفسلطيني “حكم بلعاوي” وتأثر به وبقيادات التنظيمات الفلسطينية وبالتجربة الماركسية في ألبانيا وخاصة خلال فترة حكم أنور خوجة، وبعد خوضه لنضالات خلال حكم الرئيس المخلوع وخاصة بعد منتصف التسعينات ومشاركته في تحالف 18 أكتوبر 2005 قبل الهمامي ودفع إلى حذف كلمة “الشيوعي” من اسم الحزب، وكان عمليا أهم المؤسسين لجبهة 14 جانفي التي كان تأسيسها مقدمة موضوعية لتأسيس الجبهة الشعبية في أكتوبر 2012، والتي انقسمت على نفسها خلال الأشهر الماضية بسبب موضوع مرشحها لرئاسيات 2019، وهو الانقسام الثاني بعد خروج 06 مكونات في صائفة 2013 بسبب اتهامها بأنها تحولت إلى حديقة خلفية لليمن الليبرالي، وقبل ذلك شارك الهمامي عشية اغتيال بلعيد في فيفري 2013 في “جبهة الإنقاذ” واصطف مع نداء تونس ضد الترويكا كما ساهم في قطع الطريق على الرئيس المرزوقي في الدورة الثانية لرئاسيات 2014 وهو الموقف الذي اعتبره أخيرا خطا كبيرا وجسيما في مسيرته السياسية….

من المنتظر أن يحل حمة الهمامي في المرتبة التاسعة أو العاشرة في ترتيب الدرة الأولى للرئاسية نتاج تغيرت المعادلات والاصطفافات مقارنة بـــ2014 عندما حل ثالثا….

منجي الرحوي، مرشح الوطد الموحد وحلفائه

منجي الرحوي هو موظف سابق بالبنك الفلاحي والمتحصل على ماجستار المحاسبة والتصرف من الجامعات الفرنسية، وهو رغم انتمائه خلال الفترة الشبابية لتنظيمات أقصى اليسار الماركسي وتحديدا لتيار “الوطج” (الوطنيون الديمقراطيون في الجامعة) خلال الفترة الطلابية، فانه أقرب لليبرالية الاجتماعية قادته الظروف بعد الثورة أن يكون أهم قياديي حزب “الوطد الموحد” باعتباره أحد نوابه في التأسيسي وفي المجلس النيابي الحالي، برز الرحوي بعد اغتيال المرحوم الشهيد شكري بلعيد، حيث أصبح أحد أهم رموز الحزب واهم قيادات الجبهة الشعبية بناء على قربه من نداء تونس من حيث التحالف وبناء على عروض عدة قدمت له للمشاركة في حكومتي الصيد (2015-2016) وأساسا في حكومات الساهد الثلاث ( 2016-2019) وبناء على مناكفته ومعارضته لحركة النهضة ومواقفها السياسية حيث يسارع إلى اتخاذ الموقف المعاكس لها بشكل شبه آلي، ثم معارضته لحمة الهمامي داخل الجبهة الشعبية وتعمد انتقاده بكل مستمر…

مما لا شك فيه أن الرحوي سيأخذ من كوته أصوات حمة الهمامي التي تحصل عليه الأخير في انتخابات 2014، وعمليا لن تتجاوز أصوات الرحوي بعض عشرات آلاف في حد أقصى…

** مترشحين محسوبين على “وسط اليسار”

“وسط اليسار” هو مُصطلح سياسي للأفراد والأحزاب السياسية  أو المنظمات مثل خلايا التفكير الذين يتموقعون أيديولوجيا بين الوسط واليسار على الطيف بين اليسار واليمين ويستبعد مواقف أقصى اليسار (أقصى اليسار الماركسي أو الاشتراكي)، و قد يُشير إلى تموقع وسطي في توجه يساري في بلد معين، ويعتبر “محمد عبو” و”الياس الفخفاخ” أهم أولئك المترشحين….

محمد عبو

“محمد عبو” هو الأمين العام الحالي لــ”حزب التيار الديمقراطي” المؤسس سنة 2013 بعد مغادرة عبو لحزب “المؤتمر” واستقالته قبل ذلك من حكومة حمادي الجبالي والتي كان فيها عبو وزيرا للإصلاح الإداري، ويحسب عبو على اليسار الاجتماعي باعتباره محام في قضايا سياسية معروفة قبل الثورة ودفاعه عن قضايا اجتماعية واصطفافه في عدد من المواقف خلال حقبة الرئيس المخلوع حتى أنه وصفه بأنه شارون تونس وهو المقال الذي سجن بسببه…

يعتبر “عبو” شخص جدلي فهو متهم من قبل البعض بالتسبب في الانقسامات التي حدثت في الترويكا قبل مقتل بلعيد إضافة إلى تسببه المباشر في انقسامات حزب “المؤتمر”…

بعد 2014 عرف “عبو” وحزبه مسارا مختلفا إذ اعتبر الحزب المعارض الأهم والأكثر معارضة من حيث خطابه السياسي رغم أن بعض المتابعين اتهم الحزب بأنه “وظيفي” ومجال سهل لاختراق لمنظومة ما يسمى بأحزاب الثورة، وقد تسبب ذلك بغض النظر عن نسبيته في ضعف حضور الحزب بين مؤتمره الأول والثاني وتراجع أدائه، ورغم تقدم الحزب نسبيا في بلديات 2018 مقارنة بأحزاب أخرى فانه شهد استقالات عدة وخاصة من طرف بعض مستشاريه البلديين والتحق بعض أعضائه بحزب “تحيا تونس”…

الثابت أن “محمد عبو” اقرب لليسار الاجتماعي بغض النظر عن تقييم خطابه السياسي ومبدئيته في أطروحاته السابقة ووفائه للخط الثوري والتي يعتبرها البعض تقلصت تدريجيا وبشكل ناعم ووظيفي، ومن المنتظر أن يحصل على موقع ضمن العشر الأوائل ولكن وصوله للدور ثاني يبدو صعب في ظل المعطيات الراهنة ….

الياس الفخفاخ

الياس الفخفاخ، هو احد قيادات حزب التكتل التي شغلت مناصب في وزارات السيادة في حكومتي الترويكا، وهو عمليا مرشح الحزب الذي عوض المرشح المتخلي “مصطفى بن جعفر” على خلفية أن بن جعفر انسحب من الحزب منذ مدة وثانيا باعتبار أن “بن جعفر” خير أن يكون مرشحا توافقيا ثم قرر لاحقا الانسحاب…

“الفخفاخ” مرشح أربعيني عن اليسار الاجتماعي، وهو خطيب مفوه ومستوعب للحظة السياسية وعمليا سيحصل على أصوات أكثر من العديد من المرشحين اليساريين الآخرين جميعا، ولكن وصله للدور الثاني غير وارد ….

** مترشحين محسوبين على اليسار العروبي

المنصف المرزوقي

المرزوقي شخص عرفه كل العالم بدفاعه عن القضايا الحقوقية وله مفهوم خاص وجدلي لليسار الاجتماعي إذ يراه مساحة للدفاع عن المواطنين والمظلومين يرفض الإسقاطات الإيديولوجية ويقدم الحقوق والحريات على الصراعات الفكرية، ورغم مساهمة محيط المرزوقي في الحد من شعبيته وموقعه السياسي فانه غني عن التعريف في كل العالم وفي كل البلاد من جنوبها إلى شمالها..

عمليا تم ترذيل شخصية المرزوقي وتم نشر عشرات الأكاذيب حول شخصه وحول مواقفه وتاريخه، ويُغيب البعض أن الدكتور محمد المنصف المرزوقي طبيب مختص في الأعصاب وأنه ابن معارض يوسفي هرب بجلده وعائلته للمغرب الأقصى هروبا من أحكام سلطها عليه وعلى رفاقه قضاء الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في حربه المدمرة على مناضلي التيار اليوسفي المعارض، وفي المغرب انبنت شخصيته على الدفاع عن المحرومين والفقراء، وهو ما جسده لاحقا بانتمائه لرابطة حقوق الإنسان وترأسه لها سنة 1994 وترشحه ضد بن علي ودخوله السجن ثم قيادته للقوافل الطبية في كل ربوع تونس وتأسيسه لحزب معارض جديد سنة 2001 اي حزب المرتمر من أجل الجمهورية ومساهمته المباشرة في بعث منظمة حقوقية جديدة أي “المجلس الوطني للحريات” …

عند توليه الرئاسية بين 2011 و2014 لم يتخل المرزوقي رغم أخطائه أو بالأحرى أخطاء المقربين منه، عن أفكاره وقناعته فاقتسم مرتبه مع عائلات فقيرة ودافع عن قضايا حقوقية واستقبل الفلسطينيين وناصر غزة ورفض عسكرة الثورة السورية، ثم ترشح لرئاسيات 2014 وقاد معسكر الثورة ضد ما اسماه المنظومة القديمة ولكنه خسر الدور الثاني وبناء على ذلك أسس في مرحلة أولى ما سماه “حراك شعب المواطنين” ثم بناء على ترتبات المفاوضات مع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، أعلن تأسيس “حزب تونس الإرادة” وقد بقي المرزوقي وفيا لأطروحاته ومقولاته وأفكاره ومن بينها مقولات اليسار الاجتماعي وأساسا “اليسار العروبي” باعتباره يرفض أن يقال أنه “قومي” ويفتخر بأنه “عروبي الانتماء”، ومعلوم أنه حاول أن يُجري مصالحة بين التيارين “البورقيبي” و”اليوسفي” حيث أجرى لقاء في القصر بين “هاجر بورقيبة” ونجل “صالح بن يوسف” وأكرم العديد من رجالات اليوسفيين كما حاول إقناع السلفيين بخطأ مواقفهم وسياساتهم وأفكارهم وقراءاتهم ورؤيتهم لتونس الجديدة وقد وُظف ذلك ضده في رئاسيات 2014 بالتشويه والترذيل والتغييب…

الثابت اليوم أن المرزوقي ثابت في مواقفه وأطروحاته ووفي لها ولكن الثابت أيضا أن حظوظه في بلوغ الدور الثاني تختلف تماما عن حظوظه في بلوغه في رئسايات 2014 ….

الصافي السعيد

هو احد أهم اليساريين العروبيين الذين كانوا قريبين من التنظيمات الفلسطينية وهو أحد أهم المقربين من قيادات وأطروحات اليسار التونسي في نهاية الستينات وبداية السبعينات بل أنه واقعيا أحد المساهمين فيها حيث كان محررا لمجلة “وعي الضرورة” (صدر منها عددين فقط)، ورغم تقلب مساراته ومواقفه وأطروحاته وتنقله المستمر بين بيروت وبغداد وتونس وليبيا وبلدان عربية وآسيوية وأمريكا اللاتينية فان الرجل لا يزال وفيا ليساريته رغم انه ليبرالي الطباع الاجتماعية ويحلم أن يكون صحفيا ومحللا على شاكلة صحافيي لبنان الثمانيات وصحافي أوروبا الستينات وقد كان صحفيا في تلك الحقبة متنقلا بين مخيمات الفلسطينيين ومنتديات اللبنانيين…

رفض الصافي سعيد أن يكون ضمن الفريق المنفذ لعملية قفصة في جانفي 1987 كما كتب عددا من الروايات والكتب السياسية وكتب عن حقبة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة وذكر أن هذا الأخير كان ينعت بعض وزراءه بأبشع النعوت كما كشف بإطناب المستور السياسي لتلك المرحلة….

مع بداية الألفية غير الصافي مواقفه واصفطفاته الاجتماعية ورؤيته للعالم العربي، وعمليا لم يكن الصافي سعيد معارضا لنظام بن علي بل كان في تماس معه في عدد من الموافق والالتباسات، وهنا ليس مجالها أو سردها ويكفي مراجعه حواره لمجلة الملاحظ، ولكنه بقي مهووسا بمستقبل العرب وموقعهم في العالم الجديد وعندما انتصرت ثورة الحرية والكرامة انتصر لها رغم تغير انساق فكره السياسي فأصبح يساريا اقرب لليبرالي حياتيا حيث أصبح مستشارا لرجل الأعمال شفيق جراية وما لا يعلمه البعض أن هذا الأخير له جذور يسارية عائليا ….

الصافي سعيد مثال للمثقف العربي الذي يحن لليسار شعوريا ولكن ليبرالي الأفق والممارسة الاجتماعية المباشرة ومن حيث الاصطفاف السياسي الفعلي في قراءة موقع السلطة وتوظيفها ولكن السؤال هل طرق الباب الصحيح لولوج قصر قرطاج، وهل له فرصة في ذلك وفي تجاوز الدور الأول أو في حد أدنى الحصول على أكثر من مائة ألف صوت؟

** مترشحين كانوا سابقا في ضمن مدارس اليسار وتصينفاته ولكنهم اصطفوا إلى الليبرالية المتوحشة 
ناجي جلول

إذا ما صح أن النرجسية تلازم السياسيين الإيديولوجيين وترافقهم طوال مسيرتهم فان الثابت أن “ناجي جلول” هو النرجسية التي تمشي على ساقيها كما يقال مجازا، وفي نفس الوقت تلازمه البلاهة السياسية فكريا وثقافيا، ذلك أن القيادي الأسبق في الحزب “الجمهوري” بعد الثورة، قد كان أستاذا جامعيا وقد تم تعيينه في كلية الشريعة بخلفية التباسية وإيديولوجية، وهو أيضا قد شغل مهمة مستشار لوزير دفاع المخلوع الدالي الجازي، وهو لم يكن بعيدا عن أجندات وسلوك يساريين اختاروا أن يكون خدما للتجمع المنحل ولأجهزة الدولة ضد خصومها السياسيين…

عند تأسيس النداء غادر ناجي جلول مع مئة عضو للحزب الجمهوري ليؤثثوا نخبة حزب المنظومة وليؤكد في تصريحاته أنه مع الباجي مهما فعل، وقد قدم ناجي جلول نفسه في بداية سنة 2015 لبعض النهضويين انه قدم من البقالطة للجامعة في نهاية السبعينات مُصليا قبل بعض بداية تدين قياداتهم الحالية…

يُغيب جلول في بعض تصريحاته أنه كان قياديا في الساحة الطلابية في تيار الوطد في كلية الآداب، مع أنه يتباهى بذلك في تصريحات أخرى، والثابت أنه كان استئصاليا كبيرا ووطديا منظرا لإقصاء حتى بعض اليساريين ذلك أنه كان يؤمن بنظرية الشبه الشبه (المجتمع التونسي مجتمع “شبه إقطاعي سبه رأسمالي”)، والتي نسيها وغيبها عندما التحق بالنداء منظرا لليبرالية وليؤمن بالتوافق سنة 2014 بغض النظر أن ذلك كان تكتيكيا أو اقتناعا بتغير المعادلات السياسية وهو ما أكدته تصريحاته آخر أيامه في وزارة التربية والتي تحمل حقيبتها وهو ليس مقتنعا بها كحقيبة، وبالتالي مارس الإرباك في الوزارة بعقلية الليبرالي فتصدى له يساريون وعروبيون ونقابيون رغم تأكيده المستمر يومها أنه “باق ولن يذهب إلا بذهاب الحكومة”، وقد غادر وهو يعتقد أن الإسلاميين هم من ساهموا في إخراجه من “باب بنات” ليعود لمنطق وخطاب الاستئصال مؤكدا انه من حيث الصراع في النداء ومع صاحب الباتنيدة حالما يومها بان يكون سفيرا في النمسا ثم عدل عن ذلك وحلم بقيادة النداء حتى أخرج منه عنوة أو بالأحرى مطرودا، ولتتغير المعطيات والتطورات ويؤكد ترشحه من بين حوالي 06 مرشحين ندائيين كانوا مؤسسين للحزب في 15 جوان 2012…

من المنتظر أن يكون جلول من بين المنسحبين لصالح أحد المرشحين في الأيام القادمة أو بعض المتحصلين فقط على مئات أو بعض آلاف الأصوات لا غير، وهو نتاج طبيعي للمراوحة بين أقصى اليسار والليبرالية المتوحشة والتخندق ضمن مربعات اليمين الليبرالي…
محسن مرزوق

محسن مرزوق كان طالبا وسياسيا ولكن الأحلام السياسية تاهت به منتصف العقد الماضي، وتاريخيا تنقل مرزوق – وفقا لما أكده بنفسه- بين تكوين الشعب الدستورية وهو تلميذ في الثانوية في صفاقس القادم إليها من مدينة المحرس مدينته الأصلية، برز مرزوق في البداية بعد تفوقه في مادة الفلسفة حيث نشرت له مقالة في مجلة “العلوم الفلسفية”…

عندما انتقل لكلية 09 أفريل وبقدرة قادر تحول مرزوق إلى صفوف أقصى اليسار وتحديدا لتيار “الوطج” وليكون رفيقا ملازما للمرحوم “شكري بلعيد” ومتصارعا معه على زعامة التيار وسندا له في صراع التيار مع طلبة “البوكت” على غرار خلافات المؤتمر 19 للاتحاد العام لطلبة تونس، وكان ذلك بعد تجنيده سنة 1987 في رجيم معتوق كقيادي طلابي يساري….

بمغارته للساحة الجامعية تخلى عن انتمائه اليساري وتوضح ذلك من خلال تقاريره الصحفية في مجلة “الملاحظ” ليركب لاحقا موجة الليبراليين العرب في المهجر الأوروبي والخليجي والأمريكي وأساسا “فريدم هاوس” وعلاقته الملتبسة بها مثله مثل العديد من السياسيين التونسيين حتى سمته عبير موسى سنة 2016 بــــ”فرخ فريم هاوس”، وقد كان مقربا من سعد الدين إبراهيم و”الشيخة موزة” وجمعيات ومحافل ومنتديات دولية وترأس منتدى الكواكبي وكان عضوا في جمعيات أخرى عديدة وممثلا لها في تونس حتى بعد الثورة مباشرة…

بعد الثورة ركب مرزوق موجة “التحليل السياسي” في الإذاعات الخاصة ثم ركب منطق بعث المؤسسات الموازية، وصولا لتأسيسه مع الباجي “نداء تونس” بعد تنظيره لمقولة أن “التونسيين في حاجة لأب”، ثم ذهب للقصر بعد 2014 ومارس أدوارا ملتبسة ثم شغل منصب الأمين العام قبل صراع الهروات في أكتوبر 2015 وليؤسس حزب “المشروع” بعد خلاف مع فريق من المنسحبين من النداء وليرواح بين انتقاد الحكومة وتأسيس جبهات ضدها ثم الالتحاق بها ثم شبه انسحاب منها وهو ما حدا بالعشرات وأهم وجوه الحزب ينسحبون وآخرهم “وطفة بلعيد” بل أن بعض من زكوه كانوا من خارج كتلته نتاج رفض بعضهم لتزكيته ليجد نفسه مرشحا في الرئاسية بعد أن قال أن الترشح ليس من طموحاته….

لعب مرزوق أدوارا عدة بناء على طموحاته وبأدوار وظيفية للغير سياسيا وفكريا وإعلاميا، وهو مرشح لا أمل له في المرور للدور الثاني بغض النظر عن عشرات الآلاف من الأصوات التي قد يحصل عليها نتاج عقليته البراغماتية، ولا يستغرب انسحابه في الساعات الأخيرة قبل الإعلان النهائي لقائمة المرشحين، فهو ينتظر منه سياسيا أي موقف وبشكل قد يكون مفاجئا للانتظارات….
سليم الرياحي

قبل الثورة لم يكن احد يعرف سليم الرياحي، و”سليم” هو نجل احد أهم العروبيين الذين فروا من تونس بناء على خلفية قربهم من فاعلي ومخططي “حادثة قفصة” في 27-01-1980، رغم وجود رواية قضية حق عام تتعلق بالشهادة العلمية للرياحي الأب…

عاش الرياحي بين صفاقس (كان يومها مقربا وقريبا من عائلة شفيق جراية) والعاصمة رغم أن أصوله العائلية تعود لولاية سليانة، وقبل أن يعود إلى تونس تنقل الرياحي بين ليبيا أين كان يعيش في محيط المعتصم (نجل القذافي) وبين بريطانيا والإمارات وعواصم الاستثمارات الليبية في الخارج، وعشية الثورة دخل إلى تونس لأسباب لم تعرف بدقة إلى حد الآن، وأسس حزب “الشركة” الموسوم باسم “الاتحاد الوطني الحر” وتحرك ضمن سياقات إقليمية ودولية وكان حاضرا على هامش لقاء باريس ببين الغنوشي والسبسي في أوت 2013، وتحدث يومها عن استثمارات كبرى سينفذها وخاص انتخابات 2011 تحت شعار “توا” وفي انتخابات 2014 ركب موجة الحزب القريب من النداء فاستفاد من التصويت المفيد ومن مئات الملايين التي صرفها ي حملته وتحصل على 16 مقعدا ولكنه دخل في تحالفات عديدة وعملية استثمار سياسي وإعلامي ودخل في مطبات التفاوض بين سياسيين على غرار مرزوق وشفيق والزنايدي وآخرين فخسر وخسر حزبه بعض النواب ثم ركب موجة المشاركة في الحكومات المتعاقبة والانسحاب منها حتى خرج هاربا لباريس بناء على قضايا ضده مطلقا اهمات عدة ضد الشاهد، وعاش الأشهر الأخيرة مقيما هناك ومتنقلا بين عدد من العواصم وتم اتهامه بشكل جزافي بغض النظر عن الحقيقة، وليظهر أخيرا في شكل مرشح رئاسي بتوكيل وليتغير حزبه من لافتة “الوطني الحر” إلى “الوطن الجديد” والذي من المنتظر أن يكون قد عقد مؤتمرا مساء أمس (28-08-2019)…

حظوظ “الرياحي” تبقى جد ضعيفة بغض النظر في نجاحه في دخول تونس بعد أيام من عدمه، وهو يشارك عمليا بخلفية أن تستفيد قائماته التشريعية من حملته الرئاسية.

 

المصدر: الرأي العام بتاريخ 29 اوت 2019 

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق