تحاليل

شعارات رئاسية تونس 2019 السابقة لأوانها وطاقاتها الاتصالية

بقلم : الدكتور السلامي العماري

         

        يُمثل الشعار في العملية الانتخابية مُكونا من جملة مكونات أخرى وكلها تمثل سلسلة مكتملة أو متصلة الحلقات ومن بين هذه الحلقات الممثلة للسلسلة البيان الانتخابي والبرنامج الانتخابي” والرموز والتواصل المباشر عبر الوسائل السمعية والبصرية والافتراضية وفي كل هذا لا يُمكن ان يغيب عن محلل للفعل التواصلي عن أهمية اللغة المكتوبة او شفوية ودورها الأساسي إضافة الى فعل الصورة وحركة الجسد ونوعية اللباس وما الى ذلك فاللغة عُنصر حاسم في التواصل الانتخابي ولكن اللغة المقتضبة او العبارة الموجزة التي يعمد اليها المترشح ويستعملها شعارا في مساره الانتخابي على أهمية بمكان فخفة العبارة أو اختصارها يخفي أمورا ثقيلة وجهدا كبيرا في الانتقاء فهي عبارة مملوءة ومكتنزة عكس وضع الاقتضاب فقد عنى المترشح النفس لانتقاء عبارة تقول أشياء كثيرة في بيان مصغر (Micro-Manifeste) وبرنامج مصغر (Microprogramme) وخطة حجاجية (Tactiqueargumentatif )

ذلك أن الشعار إضافة الى وضعه المختصر هو عبارة غايتها الاقناع، وان كان في صورة خاصة وبنية قياسية مكسرة وهو مكثف ومزدوج أو مركب ضرورة غايته الاقناع في اتجاهين اقناع بالإيجاب وإقناع بالسلب فيه جلب للناخب لصالحه وفيه تبعيد له عن غيره انه اشهار للذات وتشهير بالآخر فهو في ظاهره اشهار وفي باطنه تشهير وهو ما سنحاول بيانه ونحن نبحث فيه بنية وطاقة تواصلية وآلية اقناعية …

** مدونة الشعارات

تشمل مدونة الشعارات 26 شعارا موزعة وفق عدد المترشحين وهو ما سنجمعه في الجدول اللاحق مرتبة ترتيبا خاصا استندت فيه “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات”على عملية قرعة تم التوزيع وفقها:

 جدول1: مدونة الشعارات

تقتضي منا الضرورة المنهجية إقامة التحليل في مستويات ثلاث

* مستوى أول، نحلل فيه الشعارات باعتبارها خطابا ظاهريا اشهاري….

* مستوى ثان، نحلل فيه الشعارات باعتباره ذات باطن يمثل خطابا تشهيريا…

* مستوى ثالث، نقول ما بدا لنا في هذه الشعارات من ملاحظات تتعلق بمراجعها ومدى كفاءتها التواصلية…

1- الشعار “إشهار”

 * في النحوية

سنعمد اعمال النظر السيميائي انطلاقا من البنية وصولا الى الدلالات والقدرة او الكفاءة التواصلية في باب النحوية، فقد تم توزيع الشعارات تركيبيا الى اسمي وفعلي ومن الناحية البلاغية وبالتحديد في علم المعاني إلى انشائي وخبري وكان البناء مكتملا مرة ومقتضبا أخرى بناء على الحذف او التقدير فالشعار “الكلمة” هو في الحقيقة بنية تركيبية بنيت على التقدير وبهذا يكون الشعار مفيدا ودالا وان كانت تنقصه النحوية الشكلية أو بعابرة أخرى كان لا نحويا أحيانا…

يضعنا هذا التنويع التركيبي والبلاغي امام حالة لها مردود اتصالي فالاسمي وصفي والفعلي انجازي حركي والانشائي توتري والخبري تقريري مطمئن فهو يصف ويتحرك ويؤكد ويقرر ويطلب ويستدعي آمرا وكل ذلك في اطار عملية تواصلية أو عقد تواصلي أقامه صاحب الشعار بينه وبين الناخب فيثبت امامه امرا: “نعم نغير” -* او نحن هنا او يخبره بوضع “ديمقراطية مسؤولة ” (شعار3) أو يصف حالة “عمر بالشعب منصور” ( شعار 15) او يدعوه ويحفزه “لنجرؤ” (شعار عدد 21) أو يبشره “نصنع الامل” (شعار 20) و”غدوة خير” (شعار 25)، فالنحوية التركيبية هنا تؤدي افادة صادرة من المترشح تحمل فائدة للناخب والمترشح معا حسب ما يُوهم به المترشح…

وفي فالنحوية ثانيا، شد نظرنا في التركيبة النحوية للشعارات بُنيتين مُهيمنتين مُهمتين تتعلق اولاهما بالزمن فالشعارات فعليَها وإسميها تقصي زمنا وتفسح المجال لهيمنة زمن آخر، تقصي الماضي تماما وتوغل في المضارع حاضرا ومستقبلا فالأفعال كلها وردت في صيغة المضارع والأمر الذي هو من المضارع “انتخب” (مثال 4 و12 و14) “لنجرؤ” (21) و”نصنع الامل” (20) “نحميها ونعليها” (11) و”المستقبل يجمعنا” (9)، فما من فعل الا وهو في صيغة المضارع الذي يدل على الزمن الحاضر أو المستقبل اما في التركيب الاسمي المجرد من الفعل فكان التعبير عن الزمن حاضرا وان غاب بالصيغة وهي لفظة المستقبل مثال 6 و9 وهنا (22) الجديدة (24) وغدوة (25) الامل ( 20) فالحرص على الزمن الحاضر او المستقبل باد عن الشعارات مُتمكن منها وقد قوبل اكتساح الزمن المستقبل او الحاضر بمحو تام للزمن الماضي فما مدلول ذلك؟

نكتفي بالإشارة الى دلالة الاحضار على أن نعيد الى دلالة التغبيب في سياق لاحق فإحضار الزمن المستقبل وغرسه في مدونة الشعارات يدخل في اطار الخطة التواصلية الهادفة الى اثارة آمال في مستقبل باسم ( غدوة خير) وبعث امل في الأفضل ولهذا نجد استعمال تفضيل هو تفضيل الحاضر او الآتي على السابق (14+25) ويعود هذا أيضا الى اظهار المترشح نفسه في مظهر المنتشي أو الظافر (نعم 1شعار) نحن هنا (شعار 25) لنجرؤ ( شعار 21) والحديث عن الآتي أعلق بالنفوس واوغل في التأثير فيها، فالذات وهي تستعمل الزمن الاتي هي ذات مبشرة ونبية وقدوة لذات أو ذوات تائقة لأحوال أخرى تنسيها حالها الراهنة أو أوضاعها السابقة ولهذا نسيت الذات متعمدة متقصدة الالتفاتة الى الماضي خشية من النفور منها من قبل ذوات لا تُريد العودة او تذكر ماض فيه مآسيها ….

اما المهيمنة الثانية في إطار النظرة النحوية للشعارات فهي مهيمنة الإضمار بالمفهوم النحوي أي في استعمال الضمائر لا بالمفهوم الحجاجي ذلك أن الاضمار Ente méme عند علماء الحجاج هو نوع من القياس المضمر أي الذي غابت فيها أطراف من بنيته …

فقد اكتسح الضمير المخاطب  بصنفيه والمتكلم بصنفيه الاضمار في الشواهد انظر الاستدلال 1+9+8+11+13+18+19+20+21+11 في استعمال المتكلم بصنفيه وانظر الأمثلة 4+12+14 في استعمال المخاطب بصنفيه وقد لاحظنا في استعمال الضمائر وصلا بين الأنا المفردة والجماعة فتم ادماج الأنا في الجماعة فتكون ضمائرية الشواهد دائرة في فلك المتكلم والمخاطَب، ذلك ان الشعار في النهاية هو آلية تواصل بين هذين الطرفين فهو خطاب وعقد بين مخاطب ومخاطَب ورسالة، انه بنية تخاطبية وليست سردا انه خطبة والخطبة تقتضي الحضور والاحضار لما هو غائب وقلب الغائب مخاطبا يتوجه الى المخاطب بخطبة او خطاب فالخطبة لا تكون الا بالحضور في المقام أساسا،  وبالتالي بقي مكان الغائب شاغرا او وقع افراغه او وقع احتلاله او اكتساحه من قبل المخاطب القائم في حضرة المخاطب لسماع الخطاب  الصادر عنه عن المخاطب والموجه اليه (المخاطب)

من المظاهر النحوية لا بالمفهوم النحوي الضيق وانما بمعنى الصياغة والبناء ما رأيناه في بعض الأمثلة من سعي الى ادماج او دخلنة(Intériorisation) اسم المترشح او مقطعا منه في الشعار ففي المثال (8) تضمن الشعار اسم صاحبه او اسم المترشح (لازمها حمة) (8) وكذلك في المثال 15 وقع ادخال الاسم ببدله والمبدل منه في نص الشعار “عمر بالشعب منصور” (15) وكذلك في الشعار الثالث فقد جاء طرفا من اسم المترشح مضمنا في جزء من الشعار  او في الممضي على هذا الشعار “عبير الوطن”، اما المثال الأول فقد عمد فيه المترشح الى اخذ المقطع الأخير من لقبه ليجعله عنصرا من عناصر الشعار يؤدي وظيفة النائب عن المفعول المطلق “نعم” وهي ترجمة لـــ “وي” التي ذيل بها اسمه للفرنسية    والتي وقع ترجمتها للعربية بــ”نعم”، فجاءت عبارة الشعار “نعم نغير” (Oui Change).

ان هذا الفعل الصياغي القائم على استحضار الاسم كاملا او طرفا او مقطعا في الشعار هي عملية ادماج بين القائل والمقول ولهذا دور اتصالي فالمخاطب أريد منه الا ينسى اسم مخاطبه او صاحب الشعار الصادر منه إليه وهو يُريد منه ألا تأخذه سنة او غفلة، فيسهو عن الاسم ويتعلق بمضمون الشعار فالغاية ليست المضمون وإنما صاحب المضمون…

نختم هذا القسم المتعلق بفحص الشعار من حيث التركيب والصياغة بملاحظة تتصل باللغة الحاملة  (Véhicule)، فقد جاءت الشعارات في لغة فصحى (أنظر 1+2++4+5+12++13+14+15+16+17+20+21+22+23+24++26) وبلغة الحكي اليومي (Langue dialectale) أنظر (7+8+10+11+18+19+25) ولكل استعمال دوره التواصلي فالشعار الفصيح هو الغالب، غايته تطبيع مقومات الهوية كما نص عليها الدستور “العربية لغتها” في فصله الأول وبالتالي بقي المخاطب في اطار الذات المتعالية المرتبطة بالمتعالي، ألا وهو النص الأعلى أي الدستور خاصة وانه مترشح لانتخاب وظيفة صاحبه المحافظة على الدستور وبهذا يستشعر من المخاطبين تبجيلا له لانسجامه مع مقتضيات النص ولاستجابته له والعمل على عدم خرقه أي وهو مازال في اطار صياغة الشعار، ويهذا يكبر في عين الصغير وهذا يتماشى مع دوره  كمبُشر وقدوة ….

اما الطاقة التواصلية للغة المحكية فهي سعي إلى جسر الهُوة والاندماج والتلاحم مع المخاطبين كما تجلى ذلك في نظام الاضمار والاندماج في إطار الضمير المتكلم الجمع وهو باندماجه مع عالم المخاطب العادي اللغوي يكون قد دخل معه في علاقة تآنس وانفتاح وبالتالي في للحظة سكن وطمأنينة ذلك ان اللغة الفصحى قد لا تكون قادرة على احداث روابط مع المخاطَب غير النخبوي كما هي حال اللغة المحلية …

* الدلالة وطاقتها الاتصالية

لمدونة الشعارات بنية تركيبية وفحوى دلالي ونكتفي بالوقوف عند القيم المتعالية المضمنة فيها إذ لم يخل الشعار من قيمة مذكورة نصا أو مفهومة معنى وهو ما سنجمعه في الجدول التالي:

القيمة

رقم المترشح

التغيير 1+25++19+11+7++21+10+15+20+24+6
العدل 2+3+13
الحرية 3
الحماية والرفعة 11
القوة والإرادة والقدرة والعزيمة 2+14+16+17+22+23

 جدول2: القيم العامة في الشعارات

ان هذه القيم وقع ذكرها على أساس كونها مفقودة ولكنها منشودة وجاءت مدونة الشعارات لتبشر بها، ولما كانت كذلك فان صاحب الشعار بنى عليها برنامجه ومحتوياته فمحتوى هذا البرنامج هو مدونة قيم في مدونة شواهد وهو بذلك يبني برنامجه القيمي الى تلبية رغبات لدى المخاطبين واهم قيمة في هذه القيم هي قيمة التغيير والخروج من الوضع الراهن والقطع مع الماضي وهذا يتقاطع مع نظام الزمن المبني على المستقبل والمغيب للماضي كما لاحظنا ذلك سابقا ….

ويلي قيمة التغيير حيث العدد أو الكم يرتبط بها من حيث الوظيفة هي قيمة القوة والإرادة والتحدي فالتغيير قبل ان يكون إنجازا هو إرادة وعزيمة وتحد وبهذا أظهرت الذات المخاطبة نفسها من خلال برنامجها القيمي في مظهر الذات الفاعلة والعازمة انها ذات فريدة وارادتها من إرادة شعبها انظر (17) “الشعب يريد” وهي اذ تتصف بهذه الصفة تكون واقعة في مدار محدد انه مدار الثورة التي اتخذت من الإرادة شعارا لها “الشعب يريد” وتكون الذات باختيارها القيمي قد تواصلت مع المُخاطَبين اذ تجسدت فيها قيمهم وهي ذات فردية تجسدت فيها قيم الجماعة المنشودة …

وقد لاحظنا ان التواصل او الطاقة التواصلية للقيم تمثلت بالتركيز على بؤرة معينة هي بؤرة الإرادة والتغيير وهي اذ تفعل ذلك انما تفعله رغبة في الفصل او الانفصال عن الماضي حتى لا تتورط في منجزه السلبي اذ كان التقسيم العام للماضي تقييما سلبيا ولهذا تريد ان تقيم بينه وينها حواجز سميكة، فأتلفت الماضي من خطابها زمنا واتلفته قيما وهذا إصرار منها على تعلقها بالآتي وتبرمها من الفائت او من الأيام الخوالي…

لقد بدت لنا مدونة الشواهد أي الشعارات مبينة بكيفية خاصة وهذا الابتناء موجه في الحقيقة بمسالة خلفية تحكمت في جميع الاختيارات الآلية، التركيبية، الضمائرية الزمنية، البلاغية والقيمية وهذه المسالة المتحكمة في الكل اللغوي للشعار هي المردودية او الطاقة التواصلية فلم يكن المترشح وهو يصوغ شعار بغافل عما يطلبه المخاطب منه فاسلم اختياراته اللغوية او النظمية للشعار للمخاطب وهو القوة المتحكمة في الشعار صياغة وبناء واكثر مظاهر التحكم هو الطاقة التواصلية فالشعار يحقق وظيفتين تتحكم الواحدة في الأخرى احداث مردودية للمخاطب من المخاطَب ولا يكون هذا الاحداث الا حينما تجد المخاطَب نفسه قد حقق هو ذاته مردودية لذاته من خلال تحقيق مردودية من خلال تحقيق مردودية بالذات المخاطبة ولكن هذا تجلى لنا في اطار الشعار باعتباره اشهارا لصاحبه لدى مخاطبيه ولكن للشعار باطن وهو تشهير أيضا فالإشهار ظاهر والتشهير باطن،  فما تجليات ذلك في مدونة الشعارات؟

2- الشعار “تشهير”

   ان الشعار بُنية مزدوجة لها ظاهر وباطن وليس ظاهرها كباطنها بل ان دائرة الاختلاف تتسع بينها الى حد البناء على التناقض فصائغ الشعار وهو بيني ويصوع شعاره ليحمل وعيا مزدوجا اذ يخاطب طرفين تحكمهما علاقة اختلاف ان لم نقل علاقة تناف وتعاكس هي العلاقة مع الآخر أو مع الغير إذ يدرك إدراكا حادا أن عالم المخاطَبين ليس منسجما وبالتالي فهو لا يريد أن يغفل أي طرف منهم ولكنه يتوجه بخطاب له طبقتان او له وجهان فيحضن القابل ويقصي الرافض، فالشعار فهم يفعل فعله المزدوج لابد انه يحمل في ذاته مكبوتا أو مكنونا هو غائب في اللغة الظاهرة حاضر في ضمنياتها، ولعل أهم ضمني في هذه الشعارات هو الزمن والضمير والقيم وقد أقامها على النقيض مما ورد في القسم الأول وقد أشبع الزمن في القسم الأول بالمستقبل بينما لا يتحكم في الضمني من حيث الزمن هو الزمن الماضي المُغيب من اللغة باللغة وهو ما سنجعله في الجدول التالي:

الزمن الظاهر

الزمن الباطن

1

نعم نغير

لم يتغير

6

مستقبل تونس

ماضي في تونس

8

المستقبل يجمعنا

الماضي فرقنا

11 نحميها ونعليها

لم يحموها ولم يُعلوها

20

نصنع الامل

زرعوا اليأس
21 لنجرؤ

لم يجرؤوا

جدول3: الزمن في ظاهر الشعارات

ويتعالق الزمن الماضي المضمن في الشعارات مع عنصر آخر هو حضور الضمير المغيب في الظاهر الا وهو ضمير الغائب فحينما يتحدث الشعار بضمير الأنا مفردة أو جمعا وبضمير المخاطب مفردا او جمعا فانه يكون قد تضمن في باطنه ضمير الغائب مفردا او جمعا وهو ما سنجمعه في الجدول التالي:

الضمائر الظاهرة

الضمائر الباطنة

1

نعم نغير هم لم يغيروا

7

هيا تونس تستثني تونس راهي هاربة منهم

11

نحميها ونعليها لم يحموها ولم يعلوها

17

الشعب يريد هم لم يريدوا

18

واثقين هم غير واثقين

19

بالحق نبدلوها بالحق ما بدلوا شيء

جدول4: الضمائر في ظاهر الشعارات

فتكون البنية الزمانية للشعار الظاهر قد غيبت بنية زمنية أخرى وتكون البنية الضمائرية الظاهرة قد غيبت بنية ضمائرية أخرى وتكون البنية القيمية في الشعار قد غيبت بنية قيمية أخرى وهو ما نبينه في الجدول التالي:

قيم ظاهرة

قيم باطنة

1

التغيير

المحافظة

2

رؤية قوية وعادلة

كانت ضعيفة وظالمة

3

ديمقراطية مسؤولة

ديمقراطية ظالمة وحريات غائبة

5

صوت العقل

حالة جنون وفوضى

10

فعل موش كلام

كلام بلا فعل

14

انتخبوا الاقدر

السابقون ضعفاء

16

تونس أقوى

تونس ضعيفة

23

قوة الإرادة

ضعف الإرادة

24

تونس الجديدة

تونس القديمة

22

نحن هنا

الجبن والضعف

جدول5: القيم في ظاهر الشعارات

ان الشعار يُكون في بواطنه صورة أخرى غير الصورة البادية في منطوقه وهي صورة الآخر الفاشل في الزمن الأسبق والنتيجة تونس ضحية ضعيفة في حاجة الى منقذهاوهذه الذات المنقذة الظاهرة في قطيعة مع الذات الخفية فوظيفة الشعار هي الفصل بين نمطين زمانا وفاعلا وحالا فالزمن الأول ولى وانتهى والفاعل السابع صار مفعولا به والحال في أسوأ صورها بينما النمط الثاني فاعله متوثب هُمام ومتعلق بالأمل والمستقبل وحال في أرفع درجاتها وقد كانت تونس حاضرة في الخطابين تونس الضحية قبل قدومه وتونس خير مع قدومه وهي إذ تنسج هذه الصورة الظاهر منها والضمني يكون قد أقام جسورا بينها حتى لا يختلط البناء في مستوى ضمائره وزمانه أي في المستوى النحوي وفي مستوى دلالاته ومعانيه مع البناء الآخر بمستواه النحوي والدلالي  فالخطاب الظاهر هو اشهار لذوات ولزمان ولقيم والخطاب الباطن هو تشهير بذوات وبزمان وبقيم ولكن الفرق بينهما في الاظهار والاضمار هذه الآلية التي تتحكم فيها مردودية البرنامج التواصلي…

ان الشعار بطابعه المزدوج وبوظيفته التواصلية هو بنية حجاجية غايتها الاقناع وليس الامتاع فظاهرها الموجب يقنع ذاتا موجبة وباطنها السلبي يبعد ذاتا موجبة عن ذلك السلبي فالبحث عن الانجاب وهو هنا ضمان السيطرة على الناخب تكون بالبناء على الانجاب مرة وبالبناء على السلب مرة ثانية فيفصح عن الانجاب ويضمر السلبي وبهذا يكون الشعار في بنيته العميقة قياسا وقع قضم بعض عناصره وتم الاكتفاء بالنتيجة فبات قياسا لا شكليا لان الغاية عنده هي تحقيق النتيجة فالمترشح يصادر على مطلوبه (أنظر ابن سينا الشفاء الجزء الأول ص 67) وبهذا يكون قد فعل فعلا مغالطيا ليس بالمعنى الأخلاقي للكلمة وانما بالمعنى الحجاجي، وهي أنماط كثيرة (المحاججة بالقوة والمحاججة الجماهيرية والمحاججة بالتجهيل والمحاججة بالمصادرة على المطلوب)[1]

فالمغالطية هي عمل في اللغة وليست مسالة أخلاقية بحيث يقع اجراء اللغة بكيفية توصل الى نتيجة لا تكون بالضرورة منطقية يطوعها المخاطب لذاته فالمطلوب الاستراتيجي لدى المخاطب هو ان يحوز رضا الناخبين حتى يقع انتخابه والوصول الى النتيجة تتطلب تصرفا في الخطاب فهو يقيم مناورة ليس في الميدان وليس بالسلاح ولكنه يستعمل سلاح اللغة فحينما نعود للنماذج نجدها متعالية تصدر أوامر وتعبر عن آمال وتبشر بقيم هي قيم نبيلة، وهو يفعل ذلك استرضاء للناخب ويبعده عن قيم أخرى عدها سافلة فهناك ترغيب وتنفير يرغب في قيم وينفر من أخرى

3- تأويل الشعارات

* الشعار الذكر والذاكرة

        نسعى في هذا المستوى الى ملامسة جانب أجلناه قصدا وهو محاولة في تأويل الشعار بعد تحليله من زاوية أخرى سميناها “الذكر والذاكرة” ونعني قراءة في وعي الشعار (الذكر) وفي لا وعيه (الذاكرة) أي الشعار نصا وذاكرة، والمقصود بلا وعيه هو جانبه الضمني في الشعار ذلك ان الصائغ للشعار لم يصل الى تلك الصياغة الا عبر خلفية ثقافية او فلسفية وهو ما يسميه علماء الحجاج أركيونيOrccioni (L’implicite) بـــ”عالم المعتقد” وليس المقصود بالمعتقد المعنى الضيق أي الجانب الديني وانما العالم الثقافي العام او الخلفيات الرمزية المطلقة ، ان هذه الذاكرة وان كان غير مفصوح بها فإنها تتسلل من بين طبقات الخطاب معجما وتركيبا وبلاغة وصورة ودلالة وهو ما سنقف عند بعض أمثلته…

قلنا سابقا ان من اقوى دوائر الخطاب الشعاراتي هي دائرة القوة والإرادة واذا اضفنا اليها الدائرة الثانية دائرة التبشير بالمستقبل، نكون قد لامسنا حضور جل الأمثلة ان لم تكن كلها فليس اعتباطيا ان تدار الشعارات على هذه المعاني او القيم المتعالية وهو من مقتضيات العملية التواصلية ولكنها موصولة بمقتضى آخر انه مقتضى الذاكرة، فاذا كانت العلاقة بين الشعار والعملية التواصلية علاقة قضوية فان علاقة الشعار بالذاكرة قضوية من نوع علاقة بين الشعار وثقافة المخاطب او عالم المعتقد عنده فالإرادة تلك القيمة المهيمنة كان للذاكرة نشاط في احضارها وهي قيمة أملتها مقتضيات التواصل مأخوذة من خزان الذاكرة التي تقوم بعملية فرز تلتقط وتشطب وتحتفظ بالمتعالي عادة وتتغاضى عن الهامشي والبسيط فــ”الشعبيُريد” هو من وحي الثورة اذا أنه مثل شعارها الخالد فالذاكرة هي التي ربطت النص بهذه القترة الزمنية، أي ربطت بين رئاسيات 2019 وأحداث الثورة 2011 وتضرب الذاكرة في التاريخ وتتعمق لتصلنا بما هو أبعد من ذلك الى ثلاثينيات القرن الماضي زمن الشابي وبالتحديد زمن إرادة الحياة القائمة على ذلك المعنى المتعالي والذي وسمناه بالمعنى الرمزي في دراسة أخرى أي المعنى الحكمة الذي يتعالى عن الزمن وعن المعاني العادية التي تحكي الأشياء والأحوال…

فالذاكرة وجهت الشعارات نحو لحظات محددة لتلتقط هذه المعاني التي اتخذت منها الثورة رمزا وبنى على أساسها الشابي قصيدة “إرادة الحياة” التي مثلت شعارا ونشيدا رسميا…

وللذاكرة في الشعارات تجليات ثلاثة ان كانت غير مطردة في الأمثلة

* التجلي الأول هو في شعار “نحن هنا” (شعار المترشح “الصافي سعيد”) يُذكر بأدب المقاومة بما يحمله من معاني الإصرار والتحدي، وليس غريبا ذلك ان يكون صادرا عن ذات ترى في ذاتها ذات مقاومة وليس غريبا ذلك أن يكون صادرا ذاتا مقاومة فالشعار غلاب وكشاف أحوال…

* التجلي الثاني عبر عنه الشعار الثامن “لازمها حمة”، اذ يضعنا نص الشعار امام اللزوم والوجوب من جهة، وفاعله من جهة ثانية وهو ليس سوى اسم صاحب الشعار، فحمة يصبح حاضرا بوجهين باعتباره علما وعنصرا من عناصر الشعار، فجعل من الاسم العلم الذي يفيد الاطلاق اسما موغل في الاطلاقيةوبقطع النظر عن علاقة هذا الاسم ببعض الأرياف والعروش التونسية (الهمامة – ماجر…) وهي علاقة قائمة لا محالة اذ يذكرون “حمة” بدل “محمد”  فإننا نعتقد أن الشعار مُحيل على عوالم أخرى اذ يذكرنا هذا الشعار بصورة الفتى الهُمام الممثلة لقيم محددة، فالالتحاف بالرمز والمطلق ليس فعلا عاديا انه فعل ذاكرة وثقافة تصل بين أبعد الزمن وحاضره وآتيه، هنا تصل بين الزمن الجاهلي وبين الزمن الحاضر ويصبح حمة هو “طرفة بن العبد” ذلك الفتى “اذا القوم قالوا من فتى …”  – ” اضاعوني واي فتى اضاعوا”، وليس غريبا ان يقع الربط بمثل هذه الكيفية حين نعرف أن صاحب الشعار ليس سوى ذلك المتحصل على الإجازة في بداية ثمانينات القرن الماضي في اختصاص “اللغة والحضارة العربية”…

* التجلي الثالث والذي عبر عنه الشعار الثالث بل بالأدق ما جاء على هامش الشعار الثالث وهو في صورة امضاء او ختم على الشعار “عبير الوطن” فهي تربط بين الاسم التاريخي والاسم الكناية وقد وجدنا في هذه الكناية إحالة على الطرفين التاريخي والذاكرة، مثَل التاريخ مضافا والذاكرة مضاف اليه وفي هذا تذكير بأغنية فيها “الرائحة” و”العبيق” و”العبير” وفيها كذلك معنى الوطن او ما اصطلح عليه في الاغنية بالبلاد “ريحة البلاد”، وكأن صاحبته شُردت من ترابه وهي مشتاقة للعودة إليه وهي في الحقيقة تعبير عن ذكريات لا تتعلق بالغربة والحنين وهجرة وانما تعبر عن الاشتياق الى ذلك الزمن “التليد” الذي كانت فيه صاحبة الشعار في مخاضن السلطة ولكنها مرحلة انقضت كما هي مشتاقة للعودة اليها او بالأحرى لإعادتها…

* المردودية التواصلية

لم تكن عملية الوصل بين الذكر والذاكرة عملية قائمة على الاعتباط فوجدنا كل الأمثلة تصدر عن خلفية ما قد سعينا في هذا التحليل الى النظر في بنية الشعارات بنية ودلالة وكان نظرنا كله مرتبطا بمدى الكفاءة التواصلية للشعارات، فوجدنا مرتهنة في صياغتها الى المردودية التواصلية واكتشفنا ان صانع الشعار وهو يلهث وراء التواصل، انما هو منهمك في هذه الدائرة وقد وقع في محظور من حيث لم يدر فوقع في عدم الكفاءة التواصلية، فالأمثلة نازعة منزع الاطلاق والتعالي وسهت عن إمكانية وجود ذوات لا تتحمل او لا تتقبل مثل هذا المنزع فقد تعتبره ضربا من الصلف والعنهجية خاصة وأن جمهور المخاطبين يعيش في بيئة تعطي لقيمة التواضع والعفوية والتلقائية مكانة خاصة ومن ناحية أخرى قد نقرأ بانتزاع الذات المخاطبة (صاحبة الشعارات) منزع الاطلاق والتعالي ضربا من الجنوح الدكتاتوري خاصة أن المخاطبين مازالوا يتذكرون ويلاته وثبوره فيكون المخاطب قد رأى في المخاطبين ذاتا وكأنها بلا ذاكرة أو في أحسن الأحوال قصيرة الذاكرة مما قد يؤدي الى نتيجة عكسية فيقلعون عن التواصل مع أصحاب الشعارات، ونعتقد ان المخاطبين او أصحاب الشعارات قد سكتوا عن مسائل متعلقة بيومي المخاطبين واشياءهم ومكابداتهم اذ غاب الحديث في الشعارات عن الخبز وضيق العيش وهو أمر غائب بصفة كلية ما عدا ما جاء في شعارات المترشح الرابع أي “نبيل القروي” على غرار “بالقلب نقطعواتسكرةالفوضى” فالمخاطب لا يشعر انه مشمول بهذا الخطاب الذي يُغيب يومه واتعابه حتى وان حضرت فقد حضرت في صورة مهمشة وهذا يعود الى إقامة الخطاب على الإغراق والاطلاق ليصل الى خطاب تجريدي، وهناك في علاقة عامة بين الصياغات والقدرة التواصلية، ولكن تضعف هذه العلاقة حتى نكاد نعتبرها خطأ تواصليا ويتجلى في شعار المترشح العاشر عبدالكريم الزبيدي أي شعار (فعل مش كلام) فالشعار لاذ باللغة المحكية وقد يكون ذلك رغبة منه في الالتحام بالمخاطب اكثر ما يكون وقد يكون في هذا كفاءة تواصلية ولكن الشعار اثبت امرا ونفى آخر، حيث اثبت الفعل ونفى الكلام فأقام علاقة تقابل بينهما فتبنى الفعل ورفض الكلام وقد شعر بالوقوع في هذا الخطأالاتصالي فتم تحوير الشعار ليصبح بعد انقضاء أكثر من نصف الحملة الانتخابية ليصبح الشعار “الفايدة في الفعل”، وقد اعتبر ذلك انقاذا لنفسه من الخطأ الذي وقع فيه سابقا ولكن رغم التعديل الحاصل يبقى في الشعار خطأ، ذلك ان الصورة المُثلى هي التي يتم الجمع فيها بين الفعل والقول فالإنسان الكامل هو الذي يُكون صادقا في قوله مُخلصا في عمله، وهو ما لم يصل اليه الشعار في صياغتيه: الأصلية والمعدلة، لقد كان لهذا الزوج (القول والعمل) حضور لافت في الخطاب السياسي لرمز من رموز الحركة الوطنية ومؤسس الجمهورية الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة إذ لطالما ردد في خطبه مُستشهدا بآية العمل “وقل اعملوا” وبعبارة الصدق في القول والإخلاص في العمل حتى أن الشاعر “منور صمادح” صاغ بينا شعريا مُتندرا بمقولة الرئيس الأسبق:

أمران في بلدي قد حيرا عقلي الصدق في القول والإخلاص في العمل

وصاحب الشعار لم يأخذ المسالة في هذا الإطارالدامج بين القول الصادق والعمل المخلص وكان من الاجدى ان يقول كما تقول الدارجة التونسية وهي تمجد الذات واصفة إياها بانها “قول وفعل “

ان الشعار على اقتضاب عبارته عنصر مركب مركبه صعب وطريقه زلق لأنه هو مفتاح التواصل فهو ملخص لبيان،بيان ملخص لبرنامج فيكون الشعار هو بيان وبرنامج في عبارة يتيمة ولكنه قد يكون له فعل تأثيري في عملية التواصل أكثر من البيان وأكثر من البرنامج لأنه هو الذي يبقى في ذاكرة المخاطب وعادة ما يكون هو أساس الحكم قبولا او رضا او رفضا أوتمردا .

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 19 سبتمبر / ايلول 2019 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع: 

[1]woulten : critique de largumentationKeny1992 Jaunewoods et douglas

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق