رأي

لا ديمقراطية في تونس دون النهضة

وجود حزب النهضة في تونس، بصفته التعبير الأشد وضوحا والأكثر تماسكا عن تيار الهوية، ومشاركته في العمل السياسي على قاعدة الحق الكامل لا التفضل؛ شرط أساسي لتأسيس الديمقراطية، في تونس ويوسع المثال على البلدان العربية، حيث تتشابه المعطيات السياسية والفكرية والثقافية.

نكتب هذا منطلقين من قراءة الوقائع التاريخية التي حفت بالحرب التي شُنت على هذا الحزب منذ ظهوره، والنتائج الكارثية على الديمقراطية في غيابه. كما نكتبه ردا على خطاب انتخابوي لا يستهدف المواطن التونسي بالتوعية بمشاكله ومشاركته في حلها؛ بقدر ما يتوجه إلى دعوة ثأرية من وجود حزب النهضة في المشهد السياسي، كما لو أنه سبب مشاكل تونس وآلامها. وهي دعوات ثأرية ظهرت وتعود في كل موسم انتخابي، والغريب أن محترفيها ينهزمون انتخابيا، ولم نفهم حتى الآن لماذا لم يربطوا بين خطابهم الثأري وهزائمهم في الصندوق، خاصة أمام حزب النهضة، فكأني بهم يصطادون في سلة غيرهم ويعودون بالخيبة.

حزب النهضة صوت آخر في النقاش العام

ظهور الصوت الإسلامي في الجامعة مع نهاية السبعينيات عدّد النقاش وزاده خصوبة في مجالات الفكر والسياسة والثقافة. لقد كان هناك صوت يردد مقولاته ويسوق الطلبة سوقا لها؛ إلى وهم ديكتاتورية البروليتاريا. هذا التعدد اتسع إلى مجالات السياسة في الثمانينيات، ووجد الطلبة ملجأ من عصا اليسار المشهرة، خاصة بعد أن أسست نقابة بديلة.

خصوبة النقاشات الفكرية في الجامعة التونسية خلقت نخبة جديدة أكثر وعيا وأكثر تقبلا للحرية، وليست كلها إسلامية، بل يمكن القول إن وجود الإسلاميين قد أسس للتعدد، إذ حط من القمع اليساري للنقاش المتعدد، لكن ظهور ابن علي في تاريخ تونس كسر هذا التعدد وأعاد الصوت الواحد، تحت يافطة واسعة أن وجود الإسلاميين مخرب للديمقراطية. وانتظر المصفقون لابن علي تأسيس الديمقراطية دون إسلاميين متطرفين متخلفين طائفيين (إلى آخر قائمة التوصيفات)ـ فإذا هم أيتام على مآدب لئام.

لقد اكتشفوا لصا حقيرا يسرق أموالهم ويستغبيهم ويجلدهم، ولكن طائفة واسعة منهم ظلت تكابر وتروج أن تونس أفضل بدون إسلاميين. هذه الفئة المكابرة هي نفس فئة يسار الجامعة في السبعينيات وقد انضمت إلى خطاب الحداثة المزيف، وهي التي تقود معركة إبعاد حزب النهضة عن المشهد السياسي حتى اللحظة وبكل السبل المتاحة، ولا تتورع عن أساليب ابن علي لو وجدت بين يديها ما يكفي من السلطة.

ربع قرن مع ابن علي دون إسلاميين؛ انهارت السياسة والثقافة والاقتصاد وعادت إلى وضع أشد بؤسا مما كانت عليه قبل ظهوره في المشهد. هل قُرئ الدرس بعناية؟ أبدا، لقد قرأنا لبعض المكابرين يحللون أن وجود الضحايا هو الذي خلق الدكتاتور.

الثورة حررت الإسلاميين وأسست للديمقراطية معهم

ترادفت وقائع الثورة فأنهت مظالم كثيرة، منها مظلمة الإسلاميين، فصاروا شركاء مجتمع وسلطة، وتبين من خلال مشاركتهم في الحكم أن دورهم فيه أفضل للديمقراطية من غيابهم. وكانت نتيجة الانفتاح عليهم كتابة الدستور وتفعيل مؤسساته القائمة، واستقرار وضع سياسي جديد يشاركون فيه ولا يهيمنون، كما كان يروج ضدهم ابن علي.

لكن خطاب الاستئصال والجهات الراعية له لم تنفك تعيد إنتاج خطابها وتعمل على “تنظيف المشهد” من الإسلاميين، ونسمع الآن الخطاب الانتخابوي بمفردات خطاب ابن علي، فالشر كله سببه إسلاميون في الحكم.

الجديد في المشهد أن هناك فئات جديدة كانت من ضحايا ابن علي التقطت نفس الخطاب وتبني مشاريعها السياسية عليه، دون نقد أو مراجعة، أي دون تميز عن خطاب أجهزة الدعاية التي وظفها الدكتاتور (المقبور). تونس دون إسلاميين وديمقراطية بلا إسلاميين، وغير مهم من يكون في السلطة ما دامت المهمة هي “التنظيف”.

لقد كشفت الديمقراطية في زمنها القصير أن الإسلاميين أبرياء من الإرهاب، بل هم أول ضحاياه، وأنهم منشغلون بالهم التونسي قبل غيره، وأنهم يصيبون ويخطئون في السياسة، وأنهم بالديمقراطية يتدرجون نحو مكون جزئي ضمن مشهد كلي قادر (لو سكتت ماكينة الدعاية المضادة عنه) أن يذوب كل المكونات في الشعب التونسي وتنتهي صورة الحزب النازل من كوكب آخر على مشهد ولد ديمقراطيا بالفطرة، وهي الحالة الوحيدة لتأسيس الديمقراطية في بلد متعدد الآراء لا يملي عليه دكتاتور. لكن المشهد لم يستقر، ويحتاج إبداعا سياسيا.

الإسلاميون أفرطوا في الخوف

الخوف من الغرق يؤدي إلى الغرق.. هذه حال الإسلاميين، وأعني هنا حزب النهضة بالتحديد. وهذا الخوف مفسد للديمقراطية ومانع لها من التقدم. لقد أفرطت جماعة النهضة في الخوف من اليسار (وتوابعه) الماسك بالإعلام والنقابة وكثير من مفاصل الحكم. بل تراكمت مؤشرات بأن شقوقا من داخل الحزب تضخم الشعور بالخوف لتجتنب معركة ضرورية ضمن مسار البناء الديمقراطي، وهي معركة المواجهة الفكرية (لا الأمنية) مع يسار السبعينيات الذي يصنع المشهد رغم قلة عدده.

ونعتقد أن كثيرا من القيادات الخائفة ليست خائفة فعلا، ولكنها لا تملك القوة الفكرية للمواجهة، لذلك تنقل الخوف إلى نفوس أنصارها وتطلب منهم التأني حتى تمر العواصف. ونرى أنه من مزايا الديمقراطية أن كشفت لنا محدودية الكثير من الألسن الطويلة في التلفزات؛ عندما جرّت إلى النقاش الفكري والبرامجي. وينطبق هذا على كثير من ألسنة النهضة العيية، إلا في خلق الخوف والتظلم من الاستئصال.

هذا العجز الحقيقي والمدعى سمح لخطاب الاستئصال بالعودة والتوسع على حساب حزب النهضة في السياسة اليومية، لذلك يتراجع انتخابيا. ويطلق الحزب أبواق المناحة على مصيره، لكنه لا يجرؤ على تسمية خصومه.

ولنأخذ مثلا بسيطا.. قام الخطاب الانتخابي في 2019 على أن الحكومة فاشلة، وسبب فشلها أنها حكومة النهضة. لا أحد تجرأ على تحديد دور النقابة في فشل مرحلة ما بعد الثورة.. البقرة المقدسة لا تضار، حتى أن حزب النهضة (الضحية الأولى للنقابة) يخشى أن يشير إليها، فيبرر كل النقص دون ذكر سببه. الخوف من النقابة سمة أساسية في المشهد السياسي التونسي، وهي إحدى علامات فقدان الشجاعة السياسية. الجميع يقدم طقوس الولاء لقيادتها، حتى أن الجميع زارها قبل الحملة الانتخابية زاعمين تحييدها، فلما رأوها تصطف مع المنظومة لم ينطق أحد.

هذا على مستوى السياسة اليومية، حيث تبين أن حزب النهضة ليس إلا حزبا تونسيا عاديا يخاف من النقابة (وهي نقابة اليسار الاستئصالي وليست نقابة العمال التونسيين). أما على المستوى المؤسس، فإن الحزب كشف فراغه الداخلي، فليس للحزب مفكرون، وليس له أفكار جديدة. ومن هنا تراجع ولم يجر التونسيين إلى مشروع جديد.

المشروع المنتظر

ديمقراطية بمكون إسلامي شجاع ينتج أفكارا، ويقود ولا يقاد من أنفه. لقد مهدت الثورة أرضية للفكر الجديد، ولكن حالة الإسلاميين (كحالة اليسار) كشفت عجزا رهيبا في الخيال السياسي المتجه إلى المستقبل، لذلك عاد الماضي بأدواته وخطابه.

كم حجم هذا المكون الإسلامي؟ هذا سؤال مركزي. لا نعتقد أن الحزب الجماهيري الذي يستولي على أجهزة الدولة بالعدد قبل البرنامج ما يزال مشروعا، فلم تعد لدى أي كان من السياسيين القدرة على تجميع العدد، حتى بتهييج المشاعر الدينية أو بالتخويف من الإرهاب (كما كان يفعل ابن علي). فالمحررون بوسائل الاتصال الحديثة لا يسعون إلى التجمع في كتل حزبية، بل الالتقاء الظرفي وراء أفكار كبيرة، وهو ما يتجلى حتى الآن من التصويت لقيس سعيد، الرئيس المنتظر.

سيربح أصواتهم في كل موسم من يقدم لهم مشروعا كبيرا مختلفا أولا عن الوضع القائم، فيجدون فيها مطلبهم في الحياة الكريمة. وهو ليس معنيا بتأطيرهم حزبيا، بقدر ما يحرضهم على مشاركته الإنجاز.

حزب الأفكار ليس حزب التنظيمات الكبيرة، بل هو حزب المستقبل، ولو دون جماهير عرمرم تنتصر في الصندوق ثم تعجز عن تطوير السلطة وأداء مؤسسات الدولة. لكن قبل الأفكار وجب تكوين المفكرين خارج خطاب المظلومية، ولن يكون ذلك غدا في حزب النهضة خاصة، ولا في تونس عامة.

مؤشرات كثيرة تتجمع الآن؛ مؤداها تراجع التصويت لحزب النهضة بما لا يضعه في موضع تفاوض مريح لتشكيل الحكومة القادمة، وفي وضع الحزب الضعيف سيتقدم خطاب الاستئصال (الفرصة مواتية للإجهاز عليه)، وأمام ذلك يتراجع الحزب أكثر، وسيقبل بوضع دوني في حكومة تحمله فشلها (مبررات حفظ الاستقرار وكيان الدولة جاهزة)، ولن يكتسب جرأة البقاء في المعارضة والدفاع عن خيارات مؤسسة لأنه ليست له خيارات حقيقية.

الذنب ليس ذنب الخطاب الاستئصالي، بل هو أولا ذنب من لم يؤمن بأنه مكون صاحب حق في مشهد متحرك بقوة، ويتطلب الصوت العالي في وقته ومكانه. ابتعدت تونس عن فترة ابن علي وخياراته، ولكنها لم تصل بعد إلى ديمقراطية متعددة وشجاعة.

لا بأس من سوء الظن هنا.. سيقرأ هذا الكلام استئصالي يعتبره دعاية لحزب النهضة، ويقرأه نهضاوي يعتبره قول ثوار الكنبة المرتاحين. لكننا نعتبره سبقا إلى ما وراء العجز الفكري الذي يصبغ المشهد السياسي والثقافي التونسي، حيث ستؤسس الديمقراطية بمكون إسلامي، صاحب حق لا متسول.

نورالدين العلوي 

المصدر: تدوينات ___ 24 سبتمبر 2019 

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق