رأي

القوميون و الاسلاميون ..سياق عربي و امكان تونسي

المغاربي للدراسات و التحاليل

بقلم  : الحبيب بوعجيلة

نص اقدمه وثيقة تفاوض تمهيدي بين حركة الشعب و حركة النهضة لمن اراد ان يقرأ و يناقش ….النص موجه للعارفين بالساحة من الفاعلين …اعفونا من تعليقات الوافدين الجدد او المختصين في انهاك الشعوب ….

تشكيل ما أسميته سابقا ” حكومة الانجاز الوطني للحد الادنى الاصلاحي ” هو حاجة مشتركة لكل الطبقة السياسية التونسية التي تواجه غضبا شعبيا مكتوما تم التعبير عنه في عزوف تشريعي و اقبال مدهش على الانتخابات الرئاسية و شبه اجماع على قيس سعيد مقابل فرصة اخرى تم منحها للقوى الحزبية المنحازة للانتقال و التغيير و تحجيم نهائي لكل القوى التي انهكت مسار الثورة بالاستقطابات و منع الانجاز .

حكومة الانجاز الوطني على قاعدة البرنامج الوطني العابر للتباينات الايديولوجية التقليدية سيكون انموذجا اخر تقدمه تونس للساحة السياسية العربية فكرا و ممارسة في انجاز التسويات التاريخية نظريا و عمليا بين الاسلاميين و التيارات العلمانية من يسار و قوميين و ليبيراليين وطنيين .

هذه التسوية بدأت بوادرها في فترات سابقة الثورة ضمن الصراع مع الدولة التسلطية ثم حاولتها النخبة التونسية بعد انتخابات 2011 و لكن سرعان ما تم اجهاضها عبر اخطاء ذاتية و تخطيط موضوعي اثر اشتداد الاستقطاب و بلوغه حدا خطيرا بين 2012 و 2013 لتعود النخبة التونسية من جديد الى اعتماد هذه التسويات في اطار الحوار الوطني و ان كانت ترتيبات متسرعة على عجل و ذات طبيعة تكتيكية لم تؤصلها نصوص و انجازات نظرية ضامنة .

هذه التسوية التاريخية بين تيارات الامة الكبرى ليست مجرد ترف فكري بل هي حتمية عربية لأمة ظلت شعوبها باستمرار ممنوعة من انجاز مشروع تحررها الوطني الجامع و بناء دولة المواطنين فيها و قد كان باستمرار استعمال هذه الاستقطابات بين المدارس الايديولوجية وسيلة لتأبيد دولة الاستبداد التابعة بما هي دولة ادارة التناقضات في مجتمعات ” متكسرة ” تخترقها المذهبية و الطائفية و تحكم نخبتها الاستقطابات الايديولوجية بما يمنع نشأة المجتمع المدني للمواطنين المضاد للدولة المستبدة و ما يمنع نشأة ” الطبقة السياسية ” المؤنلفة على المشروع الوطني الجامع و الاختلاف في كيفيات انجازه الحزبي كما هو الامر في مجتمعات الحداثة و استقرار الدولة / الامة .

نظرة سريعة على تاريخ فشل تجارب البناء الوطني في العالم العربي منذ النصف الثاني للقرن العشرين تؤكد لنا ان صراع الايديولوجيات الكبرى : اسلاميون / قوميون …قوميون / شيوعيون ..ناصريون / بعث …الخ ..كانت هي المداخل الطبيعية لانهاك الامة في معاركها الرئيسية : الديمقراطية و التنمية المستقلة و تحرير الارض .

لاانظر الى الجدل الحالي حول تشكيل الحكومة كمجرد حدث سياسي مهم في علاقة بانتظارات الناس بل من زاوية اعتباره ايضا تجربة تونسية نعرضها على امة عربية ينهكها الان صراع دام يمنعها من انجاز مشروعها التحرري الشامل و من اسباب هذا الصراع عجز نخبها على انجاز هذه التسويات التاريخية بين مدارسها الكبرى رغم انطلاق هذه المحاولات منذ تسعينات القرن الماضي بتنظيرات كبار المثقفين العرب و عدد من المؤتمرات و المنتديات ( المؤسسات ) التي انجزت للغرض .

يجب ان نشير الى ان ابرز النجاحات التي حققها العرب على احدى جبهات مشروعه الوطني الشامل و هي جبهة الصراع المسلح مع العدو ( المقاومة ) تمت عبر انجاز التسويات الناريخية على الارض بين القوى الاسلامية و القومية و اليسارية ( فلسطين ) و بين هذه القوى و المذاهب و الاديان الكبرى ( لبنان ) . هذه النجاحات اغرت النخبة السياسية لنقل التسويات المنجزة على جبهة النزال المسلح مع العدو الى ارض المعركة المدنية في بناء دولة المواطنة و التنمية و مقاومة الفساد و الاستبداد كمفردات اخرى في المشروع الوطني الجامع .

يتم الان في تونس تفاوض على الحكومة القادمة اتسم في صورته الابرز بصراع شرس بين اتباع حركة النهضة و حركة الشعب و أقدر شخصيا ان نجاح تسوية سياسية بين الحركتين في مشروع مرحلي ستكون له انعكاسات مهمة لا على الوضع التونسي فحسب بل على الوضع العربي عامة و لا انكر شخصيا انني من دعاة هذه التسوية لغاية في نفسي في علاقة بالتحديات الكبرى التي تقدم عليها الامة في مواجهة المشروع الاستعماري بعد 9 سنوات من الصراع الدموي المرير الذي كاد يعصف بكل امكانات الامل في غد عربي مشترك لا مستقبل ” للجنس العربي ” و الامم المجاورة له في اسيا و افريقيا بدونه.

علاقة الاسلاميين بالقوميين شهدت اوجها الذهبي عربيا في التسعينات مع تألق الفعل المقاوم و مواجهة الغزو الامريكي للعراق و التحرش بسوريا و ليبيا و قد شهدت هذه العلاقة تتويجها العظيم في انتصارات تموز و غزة الى حدود اواسط الالفين .

كان للمؤتمر القومي الاسلامي في بيروت و لمركز دراسات الوحدة و اجتماعات دمشق بالاضافة الى تجربة كفاية و 18 اكتوبر و غيرها من المبادرات المشتركة و كتابات ابرز المفكرين العرب دورها في بداية كسر الجليد بين التيار العروبي ( اليساري العلماني او القومي الاسلامي ) و التيار الاسلامي .

لم تكن الطبقة السياسية التونسية بمعزل عن ذلك و جولات راشد الغنوشي و موقعه بين بيروت و دمشق و علاقاته الدافئة مع نخب النظامين القوميين الليبي و السوري بل و دوره في تسويات عديدة و مصالحات كبرى ليست خافية الا على صغار الوافدين حاليا على المشهد .في سياق متصل كان ظهور عدد من رموز الوحدويين الناصريين و البعثيين من المدرستين و عديد الماركسيين المراجعين على ساحة المعركة السياسية و الحقوقية في تونس بعد التسعينات مدخلا لصداقات و شراكات فعلية بين الاسلاميين و القوميين في تونس .

بعد الثورة التونسية و مع بوادر تسويات تاريخية واعدة في عالم عربي ناهض كان للزيارات المكوكية التي انجزها المناضلان معن بشور ( قومي لبناني ) و منير شفيق ( يساري ثم اسلامي فلسطيني ) اثرها في عقد لقاءات و حوارات كادت تثمر بين الاسلاميين و القوميين في تونس .

كانت المؤامرة الدولية ابشع مما توقعنا و تطورت الوضعية في سوريا ثم ليبيا و اليمن و مصر بشكل دراماتيكي و نجحت المخططات في القاء العالم العربي و نخب تياراته الكبرى في صراع محاور مدمر .

وقع الاخوان المسلمون مرة اخرى في خطايا كارثية تعودوا عليها باستمرار و لم يكن الاستاذ راشد الغنوشي في حجم ما راكمه من تجربة توافقات جعلته في التسعينات و سنوات الالفين اسلاميا عابرا للتباينات الايديولوجية التقليدية و شخصية محترمة بين القوميين و الليبيراليين العرب و عجز عن استثمار علاقاته في اطفاء الحريق .

بالمقابل احيت ” جهات مخططة ” بشكل خبيث كل استقطابات الخمسينات و الستينات بين القوميبن و الاسلاميين و عاد الخطاب القومي الى شراسته في مواجهة ” الاخوانجية ” .

سالت دماء و تعمقت جراح و عجزت قوى ” المقاومة ” نفسه التي انجزت التسويات في معركتها ..عجزت عن رأب الصدع و اشتغلت القوى الاستعمارية على تفتيت ” وحدة انتصارات 2006 ” و ما قبلها و دخلت ” السلفوية الخلجانية العميلة ” على الخط لتزيد الاستقطاب اشتعالا عبر ادخال العنصر الطائفي و المذهبي و تسعودت و تخلجنت قوى اسلامية اخوانية بل و امتد هذا المارد الرجعي السلفوي المدعوش الى اليات تفكير عدد من قواعد و قيادات الاسلاميين في تونس و اصبح للتناحر بين التيارين العروبي و الاسلامي و بات للشقاق بين جناحي المقاومة السنية و الشيعية منظروه و ” فلاسفته ” و مثقفوه ممن يلبسون احيانا بدلة ” الاسلامية المدقرطة ” و اشتغلت مراكز الدوحة و الرياض و اسطمبول بل و غرفة الاردن نفسها على هذا الشحن و الاستقطاب حين كانت الاهداف مشتركة قبل ان تصحو الضمائر منذ سنوات ثلاثة لكن بعد ان خلف هذا الشحن ضحايا فكريين من شباب محدود الثقافة و التجربة و المعرفة بتاريخ الامة و مدارسها الفكرية و المذهبية .

لاشك ان الجراح و الدماء الفعلية و الفكرية التي خلفها استقطاب السنوات الماضية بين اكبر تياري الامة الاثنين سيجعل الحديث عن عودة الى محاولات التسوية التاريخية امرا عسيرا لكن مقنضيات اللحظة و مصير الامة سيجعل هذا الامر حتميا لا مناص منه .و لذلك سنعتبر ان نجاحا في تاليف حكومة يتشارك فيها مناضلون من التيارين الاسلامي و القومي سيكون فاتحة خير مهمة لمسار عربي يجب ان يذهب الى المصالحات الكبيرة لصناعة الانتصارات القادمة حتما كما وعدتنا المقاومة.

المصدر : الصفحة الرسمية بالفايسبوك للكاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق