بورتريهتونس

بيوغرافيا الرئيس التونسي

وحدها ثنائية العلم والسياسة التي تفطن عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، إلى أهميتها القصوى كحرفة، ومارسها وفصّل القول فيها عبدالرحمن بن خلدون، في تفسيره تطور الدولة وسيرورتها التاريخية، يمكن استخدامها براديقما لفهم وفوز قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية التونسية يوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول المنقضي بنسبة قياسية تتجاوز 72%، وتفسير هذا الفوز. أجهز سعيّد على منافسه، نبيل القروي، في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، يومين قبل موعد الاقتراع، أي يوم 11 من الشهر نفسه، عند إجراء مناظرة تلفزية بين الرجلين، احتضنها التلفزيون الوطني، فقد حسم الجمهور الواسع موقفه في تلك الليلة، وعبر عن اتجاهاته الانتخابية على الصفحات الافتراضية، فيما يشبه الإجماع على أستاذ القانون في الجامعة التونسية. كشفت تلك المناظرة التي لم نكن نشاهدها إلا على شاشات التلفزيونات الغربية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، هشاشة رجل الأعمال وصاحب قناة نسمة وإمبراطور الاتصالات، وبيّنت ضعفه البنيوي في ميدان السياسة والقانون والمعرفة بالدولة ومختلف المعارف العامة ذات الصلة إلى درجة الأمية أحيانا، وكذلك في مجال الاتصال، وهو أحد أكبر سادة هذا المجال في تونس والمغرب العربي.

أظهر قيس سعيد رباطة جأش، وإعادة شحن وتأصيل لمفاهيم السياسة والوطنية والعروبة والإسلام ومقاومة الاستعمار والتصدّي للفساد، وتأكيد الحق الفلسطيني وتأثيم التطبيع واعتباره خيانة عظمى تلقى من العقوبات الأشد في التشاريع التونسية.

واستثمر جيدا في رصيده المعرفي وسعة ثقافته وتمثلاته التاريخية قضايا المجتمع والسياسة، ودور الدولة والرغبة في الانزياح من دولة القانون إلى مجتمع القانون، فالقانون في الأولى يحيل على الردع والزجر، وفي الثاني هو عنوان إلتزام ذاتي، وتأسيس للفعل الحضاري.

“لا أحد اليوم يشكّ في منزع قيّس سعيد الثوري، واتجاهاته الإصلاحية، ورغبته في مقاومة الفساد”

لم يجلس على كرسي قرطاج أي من الجامعيين ورجالات العلم والتعليم والتربية وصنوف العرفان والبيان قبل قيس سعيد، فقد كانوا أداةً للسلطان، فأصبحوا بانتخاب سعيّد هم السلطان نفسه. في الأزمنة الغابرة من حكم تونس، كان شيوخ الدين وأهل المعارف وأساتذة الجامعات يلعبون دور الحاشية والبطانة لدى الملوك والأمراء والبايات والرؤساء، ويناشدون الرئيس حتى يبقى رئيسا، ولا يغادر كرسيه قبل أن يُزاح بقوة العسكر، كما حدث مع الرئيس بورقيبة أو يطرده شعبه شرّ طردة مثلما هو مصير زين العابدين بن علي. ولقد دونت البحوث والدراسات، وخزّنت الصناديق الأرشيفية وعُلب الوثائق والصحف والبيانات، طيفا غير قليل من إمضاءات أساتذة الجامعات ورجالات الفكر والثقافة والعلوم والفنون التي كانت ترمي، كرها أو اختيارا، إلى تثبيت بن علي في موقعه على رأس الدولة التونسية، ليستمرّ رئيسا للجمهورية التونسية عبر انتخاباتٍ صورية، كما كان يحدث دائما في تونس، وذلك بعد ربع قرن من ولاية حكمه.
يحاول قيس سعيد أن يحفظ شعبيته، ويحافظ على طقوسه الشخصية وسلوكياته اليومية وممارساته الحميمية التي دأب عليها طوال حياته مواطنا عاديا، كأن يشرب قهوته الصباحية في مقهى الحي الشعبي الذي يقطنه، وكذلك الأمر مع حلاقه، وصلاة الجمعة التي اعتاد أن يؤدّيها مع عامة الناس، ولكن النواميس البروتوكولية ستحرمه، عاجلا أم آجلا، من السير مع الناس في طرقاتهم وأنهجهم والجلوس معهم في مقاهيهم ومجالسهم الشعبية، والصلاة في مساجدهم والاصطفاف في طوابيرهم، فأمن الرئيس أولى من كل الوعود الانتخابية.

“أظهر سعيد رباطة جأش، وإعادة شحن وتأصيل لمفاهيم السياسة والوطنية والعروبة والإسلام”

بان الخيط الناظم الرفيع لأفكار الرئيس التونسي الجديد في خطاب التجلي أمام البرلمان التونسي يوم 24 أكتوبر/ تشرين الأول، وتمحور حول الثورة الثقافية والشبابية المنبثقة عن الشرعية، والمقصود بذلك ما آلت إليه نتائج الصناديق التي أتت بسعيّد إلى الرئاسة، والالتزام بالاتفاقات الدولية من دون السكوت على ضرورة تطويرها، وتثبيت الموقف المساند للحق الفلسطيني ضد الاحتلال والعنصرية، مع التمييز الصريح بين اليهودية والصهيونية، ومقاومة الفساد والحفاظ على المال العام وتطبيق القانون.

ولم يكتف الرئيس التونسي بالتصريح بأنه يميز جيدا بين اليهودية والصهيونية، درءا لما قد تثمره الدعاية المضادة من تصنيفٍ له ولخطابه السياسي في خانة معاداة السامية وتأثيراته المحتملة على العلاقة مع الدول الغربية، وإنما وجّه الدعوة إلى مفتي الجمهورية التونسية، وكبير أحبار اليهود التونسيين، وكبير أساقفة الكنيسة المسيحية، الذين جلسوا للمرة الأولى في تاريخ البرلمان التونسي جنبا إلى جنب، لتظهر صورتهم الجماعية مشحونةً برمزية وبدلالات تنهي الجدل بشأن تعصب الرئيس أو انتماءاته الإسلامو- سياسية المزعومة التي رُوّجت عن غرض.
بدا قيس سعيد وكأنه، بخطابه الثوري، وبولائه للثورة التونسية وشهدائها وجرحاها، وتبني مبادئها والالتزام بقيمها، وبمقاربته التي تمزج يوتوبيا الثورة وعقلانية الدولة، قادما من زمن آخر، وصاحب نظرية سياسية ورؤية للحكم منفلتة عن مقتضيات العصر والبراغماتية السياسية التي ميّزت التجربة السياسية للرئيس السابق، الباجي قائد السبسي، الذي تمّ انتخابه لاسترجاعه قيم الدولة التي أُسقط دستورها لسنة 1959، وأُنهيت مؤسساتها التشريعية ونظامها الرئاسي عشية 14 جانفي (يناير) 2011. بل ورأى فيه محافظون خطرا على مستقبل الدولة التونسية، لقولته الشهيرة التي ردّدها بصوت مرتفع وبنبرة حادة في المناظرة التلفزية “خيانة عظمى”، وهو يقصد التطبيع مع الدولة الصهيونية، ولتصنيفيته علاقات تونس الخارجية ضمن أربع دوائر، أعاد ترتيبها، الدائرة المغاربية ونظيرتها الأفريقية ثم الانتماء إلى الوطن العربي، لتحل العلاقات التونسية الفرنسية والأوروبية والغربية عموما في المرتبة الرابعة والأخيرة، في حين أن هذه الدائرة هي الأولى في تموقع تونس التقليدي الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي نصف قرن أو يزيد، فمن منا لم يسمع بمذكرة التفاهم التي وقعها في أثناء زيارة السبسي واشنطن سنة 2015 وزيره المستشار محسن مرزوق، وبموجبها أصبحت تونس حليفا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) من خارجه، ما يستوجب على سعيّد إعادة النظر في وثيقةٍ ذات طابع استراتيجي، تضع الدولة التونسية في قلب سياسة المحاور الدولية من دون أن يصادق عليها مجلس النواب، أو يُستفتى في أمرها الشعب.

“سيصطدم سعيّد قريباً بمحدودية صلاحياته الدستورية واختلاف توجهاته مع الحكومة التي سيشكلها الحزب الحاكم”

لا أحد اليوم يشكّ في منزع قيس سعيد الثوري، واتجاهاته الإصلاحية، ورغبته في مقاومة الفساد، وردّ الاعتبار لدور الدولة ومنشآتها الاقتصادية التي تمت خصخصتها أو نُهبت وأُهملت، وذهب ريحها، وحماية الطبقة الوسطى والشباب والطلبة والمتقاعدين، الأمر الذي أدى إلى تدافع هذه الشرائح من الناخبين، وهرولتهم إلى صناديق الاقتراع، لتثبيت الزعيم الجديد على رأس الدولة، بدلا من بقاء هذه المؤسسة التي تمثل التعبير السياسي للمجتمع، مرتهنة لدى لوبيات المال والإعلام والمجموعات النافذة ذات الارتباطات الخارجية الغالبة. ولكن سعيّد سيصطدم قريبا بمحدودية صلاحياته الدستورية، واختلاف توجهاته مع الحكومة التي سيشكلها الحزب الحاكم الأغلبي الذي يلتزم السوق مرجعا أساسيا في الحكم، وما يعنيه ذلك من تخلي الدولة عن دورها في التنمية والتشغيل والصحة والتعليم لفائدة أصحاب المال والأعمال.

كما ستظهر الاختلافات أيضا في مقاربته العلاقات الدولية، فخطاب الرجل عن القضية الفلسطينية، ورفضه الراديكالي الاحتلال والصهيونية، مفتاحا لفهم خلفيته الفكرية، لا ينسجم مع المحاور التقليدية التي انخرطت فيها تونس، مثل الحلف الإسلامي الذي تقوده العربية السعودية، وما يحتويه من تحالفاتٍ فرعية، المتماهي مع الغرب التقليدي، بقيادة الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى الانخراط في تكتل دول البريكس والاقتراب من مكوناته، للحدّ من الهيمنة الفرنسية والأوروبية، والاحتماء بالحلف الروسي الإيراني، والانفتاح على الصين قبل تنفيذ وعده الانتخابي بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع سورية، وتبادل فتح السفارات في كل من تونس ودمشق.

سالم لبيض

المصدر : العربي الجديد بتاريخ 4 نوفمبر 2019

تابع الخبر من مصدره الأصلي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق