رأيليبيا

الشعب يرفض … الشعب يريد

المغاربي للدراسات و التحاليل

بقلم  : عبدالرزاق العرادي

الشعب أو جزء منه رفض حكم العسكر المتمثل في نظام القذافي وأسرته، والشعب أو جزء منه رفض تصدر الإسلاميين للمشهد السياسي ورفض ما يعتقد تغولهم في مفاصل الدولة الجديدة التي قيد إعادة التأسيس.. والشعب أو جزء من الشعب رفض رجوع حكم العسكر المتمثل في حفتر وأسرته .. الشعب أو جزء منه رفض حكم المحاصصة المتمثل في مخرجات الصخيرات .. الشعب أو جزء منه مستعد أن يضحي بكل ما يملك بل وعلى استعداد أن يستعين بكل من يمد له يد المساعدة ولو على حساب إرادته وسيادة بلاده من أجل أن يمنع هذا الحكم أو ذاك .. إذا.. ما الذي يريده الشعب؟ وما الذي يرفضه؟..

لا لحكم القذافي .. لا لحكم العسكر .. لا لحكم الإسلاميين .. لا للمحاصصة..

فبراير كانت رفضا لحكم العسكر .. و لا للتمديد، وحراك 9 نوفمبر كان رفضا لحكم الإسلاميين، وما تشهده ليبيا منذ 2014 حتى الآن هو صراع بين رافضي حكم الاستبداد ورافضي حكم المليشيات التي يرون أنها مدعومة من الإسلاميين، وهو كذلك صراع ضد حكم المحاصصة .. هذه حقيقة المشهد الليبي وحقيقة الصراع الدائر منذ بدايته في الخامس عشر من شهر فبراير 2011 حتى الآن، وليس بالضرورة أنه يعكس الحقيقة ولكنه يعكس ما يعتقده البعض أنها الحقيقة ويسعى للتضحية من أجلها ..

هذا الصراع يتقاطع مع ما يحدث من حولنا في العالم المتخلف الذي يطلق عليه العالم العربي .. العالم الذي يشهد تخلفا في كل مناحي الحياة؛ حتى الدين الذي يدعيه واللغة التي يتحدث بها.

عاشت الجزائر العشرية السوداء لمنع وصول الإسلاميين للحكم .. ولعل منعهم من الوصول للسلطة كان نعمة؛ رغم تكلفته الكبيرة .. بعد سقوط الخلافة الإسلامية ونشأة الدولة الحديثة حدثت تطورات ومستجدات كبيرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم. ورغم مرور ما يقرب من قرن من الزمان على نشأة تيارات الإسلام السياسي إلا أن هذه التيارات ما زالت عاجزة عن استيعاب هذه المتغيرات، وبالتالي القدرة على صياغة عقد اجتماعي يسمح لها بالوصول إلى السلطة وتداولها في إطار دستور الشعب وحكم الشعب وحرية الشعب ..

في المغرب استوعب الملك محمد السادس مطالب الناس ورسائل الربيع العربي فغير الدستور وسمح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة دونما أن يكون الحكم دينيا، كما استوعب الإسلاميون هناك دروس الربيع العربي والتزموا بالسقف وغيروا من أطروحاتهم الفكرية بشكل جعلها تستوعب قيم الحداثة ومقتضيات الديمقراطية ..

عندما أحرق البوعزيزي نفسه في تونس لم يكن ذلك من أجل أيديولوجيا محددة، وإنما فعل ذلك احتجاجا على منعه من كسب لقمة العيش حين ضاقت عليه الدنيا بما رحبت .. فعل ذلك وأيقظ بركانا من الغضب كنا ولا زلنا لا نرى إلا دخانه على البارد..

ثم تحرك الشعب المصري الذي لم يثور من أجل أن يصل الإخوان وحزب النور إلى السلطة، ولكن ثورته كانت رفضا لحكم العسكر وللتخلف الذي اقترن بحكمهم.. الشعب المصري مل الهجرة من أجل لقمة العيش، فالشباب المصري يبحث عن حياة أفضل في بلده ووسط أهله ..

أسقط حكم الرئيس المصري محمد مرسي رحمه الله، لأن من انقلبوا عليه كانوا يعتقدون أن الدستور الذي انتخب على أساسه كان دستورا للإخوان، وأنهم سيطروا على مفاصل الدولة، وأن هذا الجزء من الشعب رفض حكمهم والدولة الجديدة قيد التأسيس .. هنا يجب التأكيد أننا لسنا بصدد الحكم على صحة ما ذهب إليه هذا الجزء من الشعب، بقدر الإشارة إلى أن من تولى الحكم من بعد مرسى رحمه الله، وقع في المطب ذاته .. فهناك من لديه الاستعداد للتضحية من أجل إسقاطه من جديد وهكذا دواليك ..

ثار الشعب الليبي في الخامس عشر من فبراير لأن نظام القذافي ” فشل كمرجعية للاجماع الليبي … ولأن أداة الحكم عجزت … ولأن الفكر الجماهيري فشل في التطبيق”.. “وصل الليبيون إلى نقطة تُعبر فيها تناقضات (حكم القذافي) عن نفسها بشكل عنيف .. بين السلطة والعامة” .. الكلام مقتطف من مقال للأستاذ أبوبكر الشايب في مقاله “هل الجماهيرية نظام أم تيار؟”. بدأ الشايب موضوعيا في بداية مقاله هذا ثم انحاز إلى أيدلوجيته التي مفادها أن الراحل القذافي كان أسطورة بينما يرى الذين أسهموا في إسقاطه بأنه كان وبالا على البلاد.. يحسب للشايب أنه وضع النقاط على الحروف في هذه الجزئية فأقر أن النظام فشل وأن الثورة كانت حتمية ..

لم تكن ثورة فبراير في بداياتها مؤامرة غربية كما يقول أنصار القذافي. ويمكن تفنيد هذه الفرية من ثلاثة أوجه؛ الأول: أن الثورة كانت حتمية كما أكد الأستاذ أبوبكر الشايب، وأنها امتداد لما حصل في الجارتين تونس ومصر، والثانية: أن نظام القذافي سقط بالكامل في المنطقة الشرقية قبل أن يتدخل الناتو في العشرين من شهر مارس سنة 2011 .. والثالثة: أن الذين ثاروا لا علاقة لهم بالتدخل الأجنبي إنما من فعل ذلك هم رجالات النظام السابق الذين عرفوا حكم القذافي وظلمه وأنشقوا عنه وطالبوا من كرسيه بهذا التدخل ورضوا به بعد أن واجه القذافي شعبه بالحديد والنار وقتلهم شر قتلة بمضادات الطيران ..

في المحصلة الشعب الليبي، لم يتحرك في فبراير من أجل أن يصل الإسلاميون للحكم ولا لأجل إعادة حكم العسكر من جديد ولا لأن يتقاسم المتقاتلون السلطة .. الشعب فعل ذلك من أجل أن يقرر شكل الدولة ونظام الحكم الذي يستطيع من خلاله الشعب الليبي وبكل حرية أن يختار “النظام السياسي للـدولة… وشكل الدولة وعلمها ونـشيدها والشروط الواجب توافرها في من يتقدم لرئاستها” كما ذكر الموسيقار المؤيد للنظام الجماهيري .. هذا المطلب النفيس الذي حرم منه الشعب ما يزيد عن أربعة عقود .. ولولا الله ثم تضحيات الشباب الليبي في فبراير لما كان للموسيقار ولا لأبوبكر للشايب ولا لغيرهم من أنصار النظام الجماهيري أن يمتلكوا الشجاعة ولا الإرادة لقول ما قالوا ..

موجات الثورة تترى .. ربيع وصيف .. خريف وشتاء ..

في السودان خرج الشعب ضد الحكم الذي زاوج بين حكم العسكر وحكم الإسلاميين .. خروج الشعب السوداني ضد نظام البشير العسكري الإسلامي هو رفض لحكم كليهما .. هكذا كان يرى الشعب الذي خرج ضدهم .. بغض النظر عما يظنه من كان في الحكم وأنصاره ..الشعب السوداني بأجزائه المختلفة يريد حكما يوفر له الغذاء والعمل والعيش الكريم، يريد حكما مدنيا ديمقراطيا، لا حكم العسكر ولا حكم جماعة إيديولوجية.

خروج الشعب الجزائري اليوم إلى الشارع من جديد لمطالب مشروعة ليس منها حكم العسكر ولا عودة الإسلاميين إلى الحكم ولا لتتقاسم الأحزاب وأصحاب المصالح الضيقة السلطة بينهم محاصصة، ولكنه بحثا عن الحرية وعن الحياة الكريمة..

الشيء نفسه يحدث في المملكة المغربية وهو ما نسمع إرهاصاته في الملاعب الرياضية المغربية والذي أحسب أنها ستفضي، إستنادا إلى حكمة البلاط الملكي، إلى مزيد من التغييرات الدستورية وصولا إلى الملكية الدستورية التي يطالب بها البعض ..

في لبنان والعراق خرجت الجماهير رفضا لنظام الطوائف وللثنائية السنية الشيعية وللمحاصصة وهي ثورات للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وهي حرب على الفساد وهي ثورات تطالب أن يصل الكفء الأمين إلى الحكم بغض النظر عن دينه أو عرقه أو حزبه ..

الشعب الليبي يريد ..

الشعب الليبي موجات ثورته ماتزال تترى .. ولكي نصل إلى بر الأمان وتستقر البلاد لابد أن يسمع صوت الشعب ونُقر وبكل شجاعة وتجرد أن الشعب الليبي يريد دولة يقودها الأكفاء .. دولة مدنية ديمقراطية عادلة ومزدهرة دولة مبنية على المواطنة ويحكمها الدستور..

يحكمها دستور الشعب الذي لا يُفصل على مقاس شخص أو حزب أو جماعة .. الشعب يريد وطنه ويريد حقوقه .. وطناً يكون فيه أبناءه متساوون تحت القانون .. وطناً فيه مؤسسات قوية تلبي حاجاته الأساسية وتقدم له الخدمات الأفضل .. الشعب يريد حقه في حياة كريمة له ولأبنائه من بعده .. الشعب يريد إصلاح الاقتصاد ويريد حسن إدارة ثرواته .. يريد نظاما تعليميا وصحيا متقدما .. يريد حقوقه وحريته في التعبير والتظاهر وتشكيل التجمعات السياسية والمدنية ..

الشعب يرفض ولا يريد حكم العسكر ولا حكم الإسلاميين ولا حكم اللجان الثورة ولا النظام الجماهيري ولا الحكم المبني على المحاصصة التي تحجب المواطن الكفء عن خدمة وطنه .. الشعب يطالب كل هؤلاء بالمراجعة والإستدراك قبل الفوات .. هذا ما يريده الشعب وهذا ما يرفضه .. وهو على استعداد للتضحية وبذل الدماء لتأكيد ما يريد وما يرفض..

المصدر : الصفحة الرسمية بالفايسبوك للكاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق