دراسات

تونس / فكك فيها المشهد البرلماني: الجلاصي يقدم دراسة من 10 نصائح لنجاح مسار تشكيل الحكومة

     اعتبر القيادي في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، في دراسة نشرها على موقع منتدى الشرق، أن الانتخابات الأخيرة حملت رسائلَ عديدة، أهمها “الإحساس الفاجع بالفجوة بين متانة المنجز الديمقراطي الذي كانت هذه الانتخابات في مسارها ومناخاتها ونتائجها أحدَ تجلياته الكبرى، وبين الضعف الفادح للمنجز التنموي والفشل الذريع في اعتماد ثقافة الحوكمة الرشيدة وقواعدها في إدارة شؤون البلاد.””وتضمنت الورقة التي جاءت تحت عنوان “مشاورات تشكيل الحكومة التونسية: هل تستفيد الأحزاب السياسية من رسائل الانتخابات؟” رؤية الجلاصي لمسار تشكيل الحكومة، إذ لخص أهم دروس نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في النقاط التالية:

– الأحزاب التي تمتهن المعارضة للمعارضة، وترفض التجديد في المضمون والخطاب وطرق العمل والأشخاص، تُعاقب بقسوة (مثال: الجبهة الشعبية)، وكذلك الأحزاب التي تحاول التلاعب بالناخبين وتغرق في حرب التموقعات تُعاقب (مثال: نداء تونس، وإلى حدٍّ ما تحيا تونس).

– لا يوجد حزبٌ يحظى بثقة واسعة، ولا يمكن أن نتحدَّث عن تفويضٍ لأيٍّ من الأحزاب. فالنهضة أُعطيت فرصة أخيرة، وبقية الأحزاب (قلب تونس، والتيار الديمقراطي، وائتلاف الكرامة، والحزب الحر الدستوري، وحركة الشعب) أُعطيت فرصة لإثبات الجدارة.

– كل تشكيلة من التشكيلات الأولى الممثلة في البرلمان تعبِّر في مخيال الناخبين عن بُعْدٍ أو قيمة؛ فحركة النهضة تمثِّل فرصةً للتغيير العقلاني وضمانة استقرار، وقلب تونس يعبِّر عند أغلب ناخبيه عن البُعْد الاجتماعي الغائب، والميزة التفاضلية للتيار الديمقراطي هي قيم مقاومة الفساد والصرامة، وائتلاف الكرامة يمثِّل نقاء مجموعة القيم الثقافية والمبدئية التي تعتبر كتلة ناخبة تقليديًّا للنهضة أن حركتهم قد أضاعتها، والدستوري الحر يمثِّل فكرة قوة الدولة واستمرارها عند ناخبين خاب أملهم في كل محاولات إحياء الحزب الحاكم قبل الثورة، وحركة الشعب تمثِّل قضية فلسطين والأبعاد القومية.

– المشهد البرلماني المتشتِّت يعني أن الأحزاب في حالة مراقبة لن تطول بسبب ضعف ثقة الناخبين فيها، فلن تُعطى فترة خمس سنواتٍ للاختبار، بل سيعاجلها ضغط الشارع إن تأخر الإنجاز واستمرت في مناكفاتها. والخلاصة الأساسية تتمثَّل في اعتبار كل الأحزاب في السفينة نفسها التي ستُخرق وتغرق بالجميع إن استمرَّ السلوك الأحمق، وتغلَّبت عقلية المناكفات التي تمردت عليها انتفاضة الصندوق.

– القوى الصاعدة الجديدة – وخاصةً ائتلاف الكرامة والتيار الديمقراطي – ستكون تحت الرقابة الصارمة؛ إذ يمكن أن تكون – حسب سلوكها وأدائها – خياراتٍ أساسية للمستقبل، كما يمكن أن تتحوَّل إلى فرصة إضافية مهدورة.

– حظي رئيس الجمهورية بتزكية شعبية غير مسبوقة، وتُعلَّق عليه آمال واسعة من الشعب، وخاصةً من الفئات الشبابية. ولذلك سيكون تحت ضغط تحقيق المطالب من جهة، أي الانتقال من صورة الأمل إلى وضعية الإنجاز، ومن جهة أخرى ستسعى بعض الأحزاب إلى الالتصاق بصورته لركوب موجته، ولا يُستبعد تعدُّد المبادرات لبناء حالاتٍ سياسية تنسب نفسها إليه، والأرجح أن ينأى بنفسه عنها، فلا يتبنَّاها أو حتى يشجِّعها، فعامل قوته الأساسي يتمثَّل في عدم ارتهانه للأشكال التقليدية للعمل السياسي. ولذلك ستكون الأحزاب – لفترة على الأقل – تحت ضغط صورة الرئيس البعيدة عن المناكفات الصغيرة.

– لقد خرج الشباب من قاعة الانتظار والمراقبة بعد ما التجأ إليها عندما خاب أمله في زخم الثورة، وتمثِّل هذه العودة فرصةً للإدماج والبناء والتحذير من رد فعلٍ لن يعوِّل بالضرورة على صندوق الاقتراع. فمن طبيعة الشباب الحماس والاستعجال وسرعة الانقلاب ورد الفعل.

– هزَّت الانتخابات الصورةَ النمطية القديمة التي تزعم أن قوى التأثير الإداري والمالي هي قوى محافظة تعارض الإصلاح والشفافية، وتستفيد من مناخات الفساد. وبالعكس، فإن كثيرًا من رجال الأعمال ومن مسؤولي الإدارة – وخاصةً من الأجيال الجديدة – متحمِّسون للإصلاح، ويمكن أن يكونوا من أهمِّ روافعه.

وتساءل عضو مجلس شورى النهضة عبد الحميد الجلاصي بعد طرح رؤيته للمشهد السياسي والحزبي الجديد، “هل يفهم الفائزون الدرسَ؟”، وذلك من منطلق أن “نتيجة الانتخابات هي في الوقت نفسه فرصةٌ وتحذيرٌ أخير قبل تغيير الشارع لمنهجيته، وبداية التفكير في وسائل أخرى غير صندوق الاقتراع مفتوحة على حالةٍ من الفوضى قد تكون خلَّاقةً بإفراز نخبة وعقلية سياسيتين مغايرتين، وقد تكون غير ذلك”.

واستدرك في هذا السياق “أن المشاورات الحاصلة لحدِّ الآن لا تبعث على التفاؤل، ولا تدلُّ على استيعاب الدروس الأساسية، وخاصةً القطعَ مع عقلية الاستغراق في الحسابات التكتيكية، وادعاء الامتلاك الحصري لقيم كبرى، واعتماد سياسة الحشر في الزاوية”، مضيفا: “ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا. لكن ذلك يقتضي الاستفادة من كل الدروس التي ذكرناها أعلاه، وقد تكون المداخل التالية معينةً في هذه السبيل:

أولا: القناعة العميقة بأنه لا يوجد حل خارج التشارك السياسي والاجتماعي الواسع، وأن التوافق هو وصفة إدارة مراحل الانتقال، فلا تزال تونس في قلب عملية انتقالية سياسية واقتصادية واجتماعية مركَّبة وعويصة. أو إن ما فشل في السنوات الخمس الماضية ليس التوافق، بل هو صورة رديئة منه.

ثانيًا: اقتناع الأحزاب كلها أنها في المركب نفسه، وأنها في مرحلة إمهال، والاشتغال بوصفة تمزج بين التضامن من أجل إنقاذ فكرة الحزب والتنافس الذي يحفظ المصالح الخاصَّة بكل حزبٍ على حدة.

ثالثًا: تنازل الجميع للجميع من أجل البلاد، وهو ما يتطلَّب من الجميع جرأةً وشجاعةً. ففي أثناء الحملات الانتخابية، يتصاعد الخطاب الضدي ضد المنافس المختلف، وتتصاعد المزايدات بين المتنافسين على القاعدة الانتخابية نفسها، مما يولِّد اصطفافًا متشنِّجًا وحروبًا بين مناضلي الأحزاب. لكن استمرار الاحتراب والخضوع له يقضي على أيِّ إمكانية لتشكيل حكومة مستقرَّة، فما بالك بحكومةٍ قوية قادرة على إنفاذ الإصلاحات.

رابعًا: حسن قراءة النتائج وخارطة البرلمان من الجميع، فيجب أن ينتبه الحزب الأول أنه لم ينهزم ولكنه لم يفز، كما يجب أن ينتبه الآخرون إلى أنه – موضوعيًّا – الحزبُ الأول. ولا يمكن لهذه الوضعية أن ينظِّمها القانون وحده، وإنما تنظمها معه السياسة.

خامسًا: تطبيع العلاقة مع كلِّ الكتل التي تؤمن بالديمقراطية والتنافس السلمي، وحين يصدر صندوق الانتخابات حكمه تُعالج الشبهات بالقانون والقضاء.

سادسًا: الانطلاق في مفاوضات التشكيل الحكومي من لبِّ السياسة، أي البرنامج، والانتقال من الوعود الانتخابية العمومية إلى الأهداف والإجراءات والآليات القابلة للضبط والخاضعة للتزمين والمحاسبة.

سابعًا: لتخفيف الضغط على التخاصم حول المواقع الحكومية، وهي المجال الأكثر حساسيةً وبروزًا في المفاوضات، وإن ادَّعت كلُّ الأحزاب غير ذلك؛ يجب النظر بطريقة تكاملية لمؤسستي الحكومة والبرلمان (رئاسة الحكومة وعضويتها مع رئاسة البرلمان ومكتبه ولجانه).

ثامنًا: الاستفادة من التزكية التي حصل عليها رئيس الجمهورية وما تركته من استعدادٍ للعمل والبذل لدى الشارع. فإن خذلان هذه الموجة مضرٌّ بمجمل العملية السياسية، وقد يرسخ صورة الرئيس باعتباره المنقذَ الوحيد. وهو ما سيفاقم مفارقة موقع الرئاسة بين ارتفاع حجم المراهنة عليه والتوقعات منه ومحدودية الصلاحيات، بما قد يفضي إلى تعديلاتٍ دستورية.

تاسعًا: ضرورة إقرار الجميع بخطورة الذهاب إلى انتخاباتٍ سابقة لأوانها؛ لأن هذا السيناريو يعني استمرار الحكومة الحالية في تصريف الأعمال لعشرة أشهر أخرى على الأقل مع ما يستتبع ذلك من عطالة وانتظارية وعجز عن الإنجاز، ولا أحد يضمن نتائج تغيُّر المشهد جوهريًّا.

عاشرًا: إذا استحال تشكيلُ حكومة سياسية ومستقرة وقوية بعد تكليف الحزب الأول، فقد يكون المطلوب هو المسارعة بإعلان ذلك، وتوفير شروط نجاح حكومة الشوط الثاني، أي حكومة الشخصية الأقدر التي يتولَّى رئيس الجمهورية المبادرةَ بتكليفها وفقًا لنص الفصل 89 من الدستور. وهو ما سيعني بالطبع عجز المنظومة الحزبية عن تحمُّل مسؤولياتها، وضعف قدرتها على الإدارة التشاركية لنتائج انتخابية ملتبسة. ولكنه يعني أيضًا وجود مخارج دستورية قادرة على إيجاد حلولٍ معقولة أقدر على الاستجابة لرسالة الانتخابات.

المصدر : حقائق اون لاين بتاريخ  17 نوفمبر 2019

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق